هدد «الحرس الثوري» الإيراني، الأربعاء، بتوسيع نطاق الحرب إلى ما بعد المنطقة إذا استأنفت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما على إيران، في وقت تكثف فيه إسلام آباد جهودها للتوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب وسط هدنة هشة.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأثنين إنه كان على بُعد ساعة واحدة من إصدار أمر بضربة جديدة قبل أن يؤجلها لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي تقوده باكستان.
وجاء في بيان لـ«الحرس الثوري»، أن «العدو الأميركي - الصهيوني» لم يتعلم من «الهزائم الكبيرة والاستراتيجية»، مضيفاً أن الولايات المتحدة وإسرائيل هاجمتا إيران «بكل قدرات جيشين من بين الأعلى كلفة في العالم»، لكن طهران لم تستخدم بعد «كل قدرات الثورة».
وقال البيان: «إذا تكرر العدوان على إيران، فإن الحرب الإقليمية التي وُعدوا بها ستتجاوز هذه المرة نطاق المنطقة، وستجعلكم ضرباتنا الساحقة في أماكن لا تتصورونها في وضع بالغ السوء».
وأضاف «الحرس الثوري» أن إيران «أهل حرب»، وأن قوتها ستظهر «في ميدان القتال لا في البيانات الفارغة وصفحات التواصل».
تهديدات متصاعدة
جاء بيان «الحرس الثوري» في سياق تحذيرات إيرانية متزايدة من عواقب استئناف الحرب. وبهد تهديد ترمب بشن ضربات جديدة، قال قائد عمليات هيئة الأركان المشتركة في إيران، علي عبداللهي، إن على الولايات المتحدة وحلفائها ألا يرتكبوا مجدداً «خطأ استراتيجياً» أو «سوء تقدير».
وكان المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا قد حذر، الثلاثاء، من أن إيران ستفتح «جبهات جديدة» إذا استأنفت واشنطن ضرباتها.
وفي السياق نفسه، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عبر منصة «إكس»، رداً على تهديدات ترمب: «بالدروس التي تعلمناها، والمعرفة التي اكتسبناها، كونوا على يقين بأن العودة إلى ميدان الحرب ستكون مصحوبة بمفاجآت أكثر بكثير».
والأسبوع الماضي لوّح المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، بخيار رفع تخصيب اليورانيوم إلى مستوى صنع السلاح إذا استؤنفت الحرب، قائلاً إن التخصيب بنسبة 90 في المائة «قد يكون أحد خيارات إيران» في حال وقوع هجوم جديد، وإن البرلمان سيدرس ذلك.
في واشنطن، قال ترمب، الثلاثاء، إنه كان قريباً جداً من إصدار أمر باستئناف العمليات العسكرية ضد إيران، قبل أن يؤجل الهجوم لإتاحة فرصة إضافية للمفاوضات. وقال للصحافيين في البيت الأبيض: «كنت على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار الهجوم اليوم».
وكان ترمب أعلن، الاثنين، أنه أرجأ هجوماً كان مقرراً الثلاثاء، بناءً على طلب قادة دول الخليج العربي، قائلاً إن «مفاوضات جادة» تجري مع طهران.
وقال ترمب إن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق، لكنه شدد على أن المهلة محدودة، محذراً من أن هجوماً أميركياً جديداً قد يقع خلال «يومين أو ثلاثة أيام»، أو ربما مطلع الأسبوع المقبل، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. وأضاف أن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد».
ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل (نيسان)، بعد نحو 40 يوماً من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، تأرجحت تصريحات ترمب بين التهديد باستئناف القصف والحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق. وقال، الثلاثاء، إن الحرب يمكن أن تنتهي «بسرعة كبيرة».
وساطة باكستانية
وتزامنت التهديدات مع عودة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران، الأربعاء، للمرة الثانية في أقل من أسبوع، في ظل استمرار تعثر المسار الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة. وكانت باكستان قد تولت وساطة المحادثات الأخيرة بين طهران وواشنطن في إسلام آباد، لكنها انتهت من دون نتيجة.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن السيناتور نقوي، وصل إلى طهران، الأربعاء، لإجراء محادثات،
ولم تحدد التقارير المسؤولين الإيرانيين الذين سيلتقيهم نقوي، لكن مصادر دبلوماسية قالت لشبكة «سي بي إس نيوز» إن الزيارة، وهي الثانية له في أقل من أسبوع، تأتي ضمن جهود باكستانية مكثفة للتوسط في اتفاق، مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران.
ونقلت الشبكة عن دبلوماسي باكستاني كبير قوله إن «باكستان ضاعفت جهودها لإيجاد حل»، مضيفاً أن إسلام آباد تتفهم مشاعر الإحباط، لكنها ترى أن «استئناف الحرب سيكون كارثة كاملة للجميع».
وقالت وزارة الخارجية الباكستانية، الثلاثاء، إن السفير الباكستاني المعيّن لدى إيران، عمران أحمد صديقي، التقى وزير الخارجية محمد إسحاق دار قبل مغادرته إلى طهران لتولي منصبه.
وأفادت الوزارة بأن دار شدد على «الدور البنّاء والمسؤول» لباكستان في دعم السلام والحوار والاستقرار الإقليمي، معرباً عن ثقته في أن السفير المعيّن سيسهم في تعزيز الشراكة المستمرة بين البلدين.
وأعرب نقوي، خلال زيارته السابقة إلى طهران، عن أمله في أن تسهم جهود بلاده في إرساء السلام والاستقرار في المنطقة. وقال عراقجي، خلال لقائه آنذاك، إن «السلوكيات والمواقف الأميركية المتناقضة والمبالغ فيها تشكل عقبة جدية أمام مسار الدبلوماسية».
وقدمت إيران هذا الأسبوع مقترحاً جديداً إلى الولايات المتحدة عبر باكستان. لكن ما أعلنته طهران عن مضمونه يكرر بنوداً سبق أن رفضها ترمب، بينها السيطرة على مضيق هرمز، وتعويضات عن أضرار الحرب، وإلغاء العقوبات، والإفراج عن أصول وأموال مجمدة، وسحب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران.
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي إن المقترح يتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.
تقدم محدود
وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن واشنطن وطهران أحرزتا تقدماً في المحادثات، مؤكداً أن الإدارة الأميركية لا تزال تسعى إلى تسوية دبلوماسية، لكنها تحتفظ بخيار استئناف الحملة العسكرية إذا فشلت المفاوضات النووية.
وأوضح فانس أن الإدارة ترى مسارين: اتفاقاً تفاوضياً يمنع إيران بصورة دائمة من الحصول على سلاح نووي، أو تجديد العمل العسكري الأميركي. وقال إن الولايات المتحدة «أضعفت فعلياً» جزءاً كبيراً من القدرات العسكرية التقليدية الإيرانية، لكنها لن تقبل اتفاقاً يسمح لطهران بالاقتراب من امتلاك سلاح نووي.
وأكد فانس أن واشنطن تعتقد أن الإيرانيين يريدون إبرام اتفاق، لكنه أقر بصعوبة تقييم نيات طهران بسبب تعقيدات داخلية في دوائر صنع القرار، مشيراً إلى وجود مواقف متشددة وأخرى أكثر مرونة داخل الفريق الإيراني.
ولا يزال مضيق هرمز في قلب المواجهة، بعدما أبقته إيران في حكم المغلق تقريباً أمام معظم السفن غير الإيرانية منذ بدء الحرب، مما تسبب في اضطراب كبير في إمدادات الطاقة العالمية. وردت الولايات المتحدة الشهر الماضي بفرض حصار على الموانئ الإيرانية.
وقالت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، في بيان على منصة «إكس» الأربعاء، إن قوات الجيش الأميركي تواصل فرض الحصار البحري على إيران «بشكل كامل»، بما يمنع تدفق التجارة من الموانئ الإيرانية وإليها، مشيرة إلى إعادة توجيه 90 سفينة تجارية لضمان الامتثال.
A U.S. Marine Corps AH-1Z Viper attack helicopter patrols near a commercial vessel transiting regional waters as American forces enforce the maritime blockade against Iran. As of May 20, U.S. forces have redirected 90 ships and disabled 4 to ensure compliance. pic.twitter.com/58gANXuGmR
— U.S. Central Command (@CENTCOM) May 20, 2026
في المقابل، قالت قيادة بحرية «الحرس الثوري» إن 26 سفينة، بينها ناقلات نفط وسفن حاويات وسفن تجارية أخرى، عبرت مضيق هرمز خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية «بتنسيق وتأمين» من قواتها البحرية. وأضافت أن حركة العبور عبر المضيق تتم حالياً «بعد الحصول على تصاريح وبالتنسيق مع بحرية الحرس الثوري».
وأظهرت بيانات شحن أن ناقلتين صينيتين محملتين بالنفط غادرتا مضيق هرمز، الأربعاء، وعلى متنهما أربعة ملايين برميل، في مؤشر إلى استعداد إيران لتخفيف القيود لصالح دول تعتبرها صديقة. وأعلنت طهران الأسبوع الماضي، بالتزامن مع وجود ترمب في بكين، أنها توصلت إلى تفاهم لتخفيف قواعد العبور للسفن الصينية.
وقال وزير خارجية كوريا الجنوبية إن ناقلة كورية تعبر المضيق بالتنسيق مع إيران. وذكرت «لويدز ليست» لتتبع حركة الشحن أن 54 سفينة على الأقل عبرت المضيق الأسبوع الماضي، أي نحو ضعف معدل الأسبوع السابق، لكنه لا يزال أقل بكثير من متوسط ما قبل الحرب، حين كان نحو 140 سفينة تعبر أسبوعياً.
صمد وقف إطلاق النار مع إيران إلى حد بعيد، رغم تصاعد هجمات على سفن ودول خليجية في وقت سابق من الشهر الجاري، بعدما أعلن ترمب مهمة بحرية لإعادة فتح المضيق بالقوة، قبل أن يعلقها بعد 48 ساعة فقط.
وقال ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنهما شنا الحرب لوقف دعم إيران للفصائل المسلحة في المنطقة، وتفكيك برنامجها النووي، وتدمير قدراتها الصاروخية، وتهيئة الظروف للإيرانيين لإسقاط النظام.
لكن الحرب لم تنجح بعد في تجريد إيران من مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى مستوى قريب من الدرجة اللازمة لصنع سلاح نووي، أو في القضاء على قدرتها على تهديد جيرانها بالصواريخ والطائرات المسيّرة وحلفائها من الفصائل المسلحة.
كلفة داخلية
أسفرت الضربات الأميركية - الإسرائيلية عن مقتل آلاف الإيرانيين، بينهم المرشد علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين والقادة العسكريين. كما قتل عشرات الأطفال في مدرسة تعرضت للقصف في اليوم الأول للحرب، وفق مسؤولين إيرانيين.
ورغم أن الحرب اندلعت بعد أسابيع فقط من قمع انتفاضة شعبية واسعة، لم تظهر منذ ذلك الحين مؤشرات على وجود معارضة داخلية منظمة. في المقابل، زادت قوة «الحرس الثوري» داخل بنية القرار، فيما برز رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، القائد السابق في «الحرس الثوري»، كحلقة اتصال بين النخب السياسية والأمنية والدينية.

ويقول محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق لا تكمن فقط في الخلافات مع واشنطن، بل في الفجوة بين ما يمكن للولايات المتحدة تقديمه وما يمكن أن يكون «الحرس الثوري» مستعداً لقبوله.
وانتقدت صحيفة «جمهوري إسلامي» تصاعد الخطاب التعبوي وتضييق مساحة الدعوات إلى الدبلوماسية، قائلة إن هناك من يسعى إلى خلق أجواء عاطفية بدلاً من الاحتكام إلى العقلانية، بحيث تُوصم أي مفاوضات أو تفاهم بأنها «خيانة»، معتبرة أن «الثورية الأصيلة لا تعني بالضرورة تأييد الحرب
وقالت الصحيفة إن البلاد تحتاج إلى عقلانية «لا تنخدع بابتسامة العدو ولا تتهرب من رؤية كلفة الحرب»، داعية إلى مصارحة المواطنين بالوقائع والاعتراف بالخسائر والبحث عن مخرج. وخلصت إلى أن السياسة «ميدان للفهم لا للصراخ»، محذرة من أن أول ضحايا الحرب هو «برنامج الأمة وأملها وحلمها».



