قد يبدو كيس رقائق البطاطا هشاً، وعديم القيمة... إلا في اليابان. إذ لجأت شركة «كالبي» اليابانية الشهيرة إلى طباعة أكياس المقرمشات باللون الأبيض والأسود، متخلية عن ألوانها المعتادة بسبب اضطرابات إمداد مادة تدخل في صناعة الأحبار، عقب التوترات الحالية المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.
كان أمام الشركة خيار التوقف، لكنها اختارت الاستمرار بأقل الخسائر. فأنتجت أكياساً تبدو عادية، لكنها تختزل فلسفة المرونة للنجاة في الأزمات.
التاريخ مملوء بأمثلة مشابهة، ففي حرب 1967 تم إغلاق قناة السويس لنحو ثماني سنوات، لكن التجارة العالمية لم تتوقف، فاضطرت السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح. وفي الحرب العالمية الثانية، أطلقت بريطانيا حملة «أحفر حتى النصر» لزراعة الخضراوات في الحدائق، والأسطح حتى تمكنت من إنتاج نحو 40 في المائة من احتياجاتها محلياً. فالشعوب لا تنجو بالأمنيات، بل بالتضافر، وحسن التكيّف.
وقد تحولت الفنادق في جائحة كورونا إلى مكاتب، ومحاجر صحية، كما تحولت مصانع عطور إلى إنتاج معقمات. بل حتى المطاعم العالمية خفّضت عدد أصنافها لتضمن الاستمرار وسط اضطرابات سلاسل الإمداد.
في الإدارة هناك فكرة جوهرية تقول إن «الاستمرارية أهم من الكمالية»، لأن انتظار الظروف المثالية قد يطول أمده، والكمال لله وحده. يخبرني طيار مدني بأنه لا طائرة تقلع من دون ملاحظات فنية، فبعض التفاصيل التقنية يتقبلها قائد الطائرة ما دامت لا تشكل خطراً على سلامة الركاب، لأنها ستُعالج لاحقاً. ولو انتظر البشر الكمال لما أقلعت طائرة، ولا استمرت شركة، ولا تعافت أمة.
ولهذا ظهر في تطبيقات الإدارة الحديثة مفاهيم مثل «الصين زائد واحد»، أي لا ينبغي أن تعتمد الشركات على مورد واحد، أو دولة واحدة، تفادياً لوقت الاضطرابات، وهروباً من الاحتكار. المفارقة أن الشركات الصينية نفسها بدأت تبني مصانع خارج الصين تحسباً للمفاجآت، وهناك من يخزن مخزونه الاستراتيجي من نفط، وحبوب، وغيرهما في قارات أخرى.
يُفترض أن الأزمات توقظ البشر من غفلتهم، لكن العودة إلى الغفلة بعد انتهائها أخطر من الأزمة نفسها. وربما هذا ما يجعل اليابانيين يلجأون إلى فن «كينتسوغي» النادر، وهو إصلاح الأواني المكسورة بالذهب بدلاً من إخفاء الشقوق، في إشارة رمزية إلى أن الندوب ليست دائماً عيباً... بل هي جزء من قصة التعايش، والنجاة.
