مددت جولة المفاوضات الثالثة اللبنانية - الإسرائيلية، «الهدنة» 45 يوماً، ليستمر «نظرياً» وقف النار، وأعلنت فتح مسار أمني إلى جانب السياسي. وتضمن بيان «الخارجية» الأميركية عن المفاوضات، دعوة إلى «سلام مستدام بين البلدين»، و«الاعتراف بسيادة كل منهما وسلامته الإقليمية وأمن حقيقي على طول حدودهما».
ما تم التوصل إليه قد يكون بداية إعلان نوايا؛ فبيروت عبّرت عن اعتزام الوصول إلى تفاهمات وترتيبات تنهي حالة الحرب. والبيان الأميركي عن سيادة كاملة أسقط بالمبدأ مشروع «المنطقة العازلة»، أي جوهر المخطط الإسرائيلي عن «الدفاع المتقدم» عن الحدود، الذي يُبنى في أراضي البلدان المجاورة تطبيقاً لرؤية جابوتنسكي للحدود الحديدية غير القابلة للاختراق. ونظرياً يفتح سقوط مشروع «المنطقة العازلة» باب عودة النازحين قسراً وإطلاق عملية إعادة الإعمار. لكنّ الواقع الراهن يرسم معالم هوة سحيقة بين أطماع العدو الإسرائيلي وتحويل ما تقدم إلى واقع؛ فالحرب الإسرائيلية على لبنان، التي حولت العمران إلى غبار ورماد وخساراتها البشرية مروعة، تدخل مرحلة وجع أكبر وخسائر أكثر خطورة.
الآيديولوجية الإيرانية التي تسترهن عبر وكيلها المحلي المسلح «حزب الله»، لبنان خدمة لمصالحها، تُقلقها استعادة بيروت حقها الحصري بالتفاوض، لأنه مؤشر استعادة السلطة المنتخبة للقرار الوطني، فيضرب ذلك سردية محور الممانعة بـ«المقاومة» الدائمة. وأي منحى لتسوية قد تعيد الاستقرار، ينهي هذه السردية ويهمش دعاتها، ويفتح باب الحساب العسير معهم. وفي وضع «حزب السلاح الإيراني»، فإن الحساب، أمام القضاء والناس، لن يتأخر: تنظيم أخذ لبنان خلال عقدين إلى 3 حروب مدمرة، فتسبب في إبادة شباب الجنوب وعمرانه. قاسم سليماني قرر لحسابات إيرانية، حرب يوليو (تموز) 2006، الشهيرة بعبارة حسن نصر الله: «لو كنت أعلم»! وإسماعيل قاآني قرر كارثة «إسناد» غزة. و«الحرس الثوري» الممسك بالتنظيم الحزبي بعد هزيمة «الإسناد» الأول، قرر «إسناد» إيران في الحرب. فتنبهت لذلك الحكومة اللبنانية وتقرر حظر العمل العسكري والأمني لـ«حزب الله»، واعتباره خارجاً عن القانون، وترفض وجود «الحرس الثوري» وتأمر بترحيل عناصره.
لكل ذلك بدأت طهران عبر واجهتها المحلية تصعيداً سياسياً وعسكرياً، لأن في ذلك عناصر الدفاع عن النموذج الممانع الذي دمّر البلد ومنع استعادة الدولة. «حزب الله» حذّر السلطة مما سمّاه «التنازل المجاني» و«الخيارات المنحرفة»، وهدد بأن لذلك «تداعيات على استقرار لبنان دولة ومجتمعاً». مجدداً؛ هدّد بتفجير البلد، وفي ميدان «عدم التشبث بالأرض» أرهب الناس لحجب حقهم بالحزن والألم؛ فالحزن «وهن لعزيمة الأمة» وفق النائب محمد رعد (...) ومضى «حزب السلاح» المتراجع بعيداً نحو الزهراني، بإطلاق مسيرات «انقضاضية» يعظم العدو الإسرائيلي من فاعليتها ليمضي بقضم الأرض شمال الليطاني. فإلى احتلال 84 بلدة مسحت أكثريتها عن الخريطة، بات ما يماثلها من بلدات تحت النار، وامتد الخط الأصفر نحو البقاع الغربي!
وتبقى الأطماع الصهيونية أشد خطورة؛ فعلى مسافة نحو 100 يوم عن موعد الانتخابات الإسرائيلية، ستشتد الحرب على لبنان. بدم اللبنانيين وعمرانهم يجري نتنياهو مجرم الحرب الإسرائيلي انتخاباته، مستفيداً من ذرائع عديدة؛ أهمها التمسك بالسلاح، وهو منعدم الفاعلية بات عبئاً على «البيئة» والجنوب ولبنان. ويستكمل العدو الإسرائيلي مخطط تفكيك الاجتماع الشيعي والتهجير الجماعي. فتبدو أولوية نتنياهو تشتيت البيئة الحاضنة لـ«حزب الله»، وقضم الأرض وجعلها غير صالحة للعيش: مصحرة خالية من البشر، ما يخلق الوقائع الأخطر على الأرض، وفي الطريق يتم تباعاً تقويض البنية العسكرية الميليشياوية.
الفلسطينيون الذين اقُتلعوا عام 1948، احتفظوا بمفاتيح البيوت، لكن الاقتلاع الذي طال أكثر من 500 بلدة وقرية، استتبع بالهدم الكامل، استناداً إلى رؤية مفادها أن السيطرة النهائية تحسم في شكل الأرض ومن سيقيم عليها. الأجيال اللاحقة ورثت المفاتيح، لكن لا قرى ولا بيوت ولا أبواب، وأساساً لا عودة.
هنا تبدو الوظيفة الحقيقية لتفجير عمران الجنوب، وإنهاء معالمه، واستخدام الجرافات لتسويته بالأرض داخل «الخط الأصفر»، تعتبر وسيلة كسر شروط الحياة؛ ما يعني، في الحالة اللبنانية، ترك الباب موارباً ليعاد تشكيل المنطقة وتنظيمها وفق ميزان القوى. وكما حدث في فلسطين، فالمواطن اللبناني المتمسك بالمفتاح يرى بأم العين كيف حل العدم. وأبداً لا ينبغي تجاهل تهديدات مجرمي الحرب؛ أمثال بن غفير وسموتريتش، وطروحات التطرف للمفاوض الإسرائيلي السفير يحيئيل ليتر، وكلهم من دعاة تجاوز اتفاقيات «سايكس بيكو»(...). مملوءة جعبة العدو الإسرائيلي بتوصيف ما يجري بأنه إجراءات دفاعية، لكن الخطر الكبير أنه يعيد صياغة علاقة الأرض باللبنانيين. طبعاً لم يعد العالم يعيش زمن نكبة فلسطين عام 1948، لكن الأخطار حقيقية رغم القيود والتوازنات الإقليمية، والحرب الأوكرانية مثال خطير! إنها الهندسة الجغرافية والسكانية الأخطر الآخذة في التمدد، وقد لا تنجو منها بلدة واحدة في كل جبل عامل وأبعد منه. إنها هندسة تحاصر الجنوب ولبنان. جرائم العدو الإسرائيلي وأطماعه لا حدّ لها، والجرائم متكاملة الأركان مسؤول عنها نظام الملالي ووكيله «الفيلق اللبناني»، فهم قدموا لبنان لقمة سائغة للعدو الإسرائيلي، ولا ينبغي أن يفلتوا من الحساب.
ولأن مسار استعادة الأرض والسيادة طويل وشاق، فما يجري سيعيد صياغة العلاقة بين اللبنانيين بعضهم ببعض. الأخطار داهمة والمخاوف قد تترسخ، ما لم تكن السلطة أولاً، وثانياً البنى الجديدة في المجتمع المدركة حجم الأخطار الوجودية، في موقع القدرة على احتواء التوترات وتداعيات نزوح طويل!
