كانت التوقعات من لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الصيني شي جينبينغ يومَي الخميس والجمعة الماضيين متدنية إلى الحد ذاته، وقد صدقت تلك التوقعات بالفعل.
فقد أطلق ترمب بعض العبارات الودية عن «المستقبل الرائع» للبلدين، وعن شراء الصينيين مزيداً من السلع الأميركية، لكن الاجتماع انتهى من دون إحراز تقدم واضح نحو تسوية الخلافات التجارية بين الطرفين. وبدا المشهد أشبه بمضيف يقول بمرح: «كم هو جميل أنكم جميعاً تتفاهمون»، في حين يغادر أقاربه المكان بوجوه متجهمة ونفوس ممتعضة.
وبما أن الخلافات العائلية والمناقشات التجارية كثيراً ما تنتهي بخيبة أمل، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال: هل كان بالإمكان تحقيق ما هو أفضل؟
نعتقد أن ذلك كان ممكناً. ففي السيناريو المثالي الذي نحلم به، سيُقر ترمب بأن في وسع حكومته الإسهام في تصحيح الاختلالات الاقتصادية العالمية من خلال خفض الاقتراض. وفي المقابل، ستعمد الحكومة الصينية إلى إزالة الحوافز التي تدفع شركاتها إلى الإفراط في الإنتاج، مع تشجيع مواطنيها على زيادة الإنفاق والاستيراد. كما ستتفق الولايات المتحدة والصين على أن الاعتماد المتبادل يجعل كلا البلدَين أكثر أماناً، ثم يتبادلان العناق.
لكن لكي يحدث ذلك، سيحتاج ترمب وشي إلى تغيير جذري في طباعهما. لذلك، لا بد لأي اتفاق مستقبلي أن يأخذ في الاعتبار ثلاث حقائق: أولاً، أن الحكومة الصينية ليست أكثر استعداداً للتخلي عن نموذجها الاقتصادي القائم على الدعم الحكومي المكثّف، من استعداد الحكومة الأميركية لاعتماد النظام النباتي نظاماً غذائياً وطنياً. ثانياً، أن الولايات المتحدة والصين تمتلكان قدراً كبيراً من أوراق القوة في أي مفاوضات. وثالثاً، أن العلاقة التجارية الثنائية بين البلدين لا تخصهما وحدهما، بل تمتد آثارها إلى بقية العالم أيضاً.
ومن المرجح أن يظل مستوى الثقة بين الجانبين منخفضاً. فقد أظهر تقرير حديث أُعد بتكليف من غرفة التجارة الأميركية أن الصين تمضي في ترسيخ موقعها المهيمن في سلاسل التوريد العالمية. وبعد سنوات من الإحباط التي راكمها المفاوضون الأميركيون، لم يعد مجدياً تقديم وعود بتكافؤ الفرص عبر قواعد مشتركة، ثم ترك البيروقراطيين الصينيين يعيدون ترجيح الكفة خلف الأبواب المغلقة. وإذا كنت ترى أن ترمب رجل يفي دائماً بوعوده، فأنت على الأرجح مستعد لتصديق أي شيء يُقال لك.
وإذا كان الاتفاق على قواعد مشتركة غير ممكن، فإن التفاوض على النتائج يصبح البديل الأقل جاذبية، لكنه الأكثر واقعية. ففي بعض المجالات، قد يعني ذلك إبرام اتفاقات شراء تساعد على تجاوز الحواجز التجارية، وفي مجالات أخرى، قد يأخذ شكل تبادل للموافقات والتراخيص، تسمح فيه الصين بتصدير بعض المعادن الأرضية النادرة، فيما توافق الحكومة الأميركية على تصدير بعض الرقائق الإلكترونية المتطورة، وصحيح أن هذا النهج سيكون مرتبكاً وغير فعّال، ومن غير المرجح أن يُسهم في خفض العجز التجاري، إلا أنه قد يظل أفضل من دوامة التصعيد المتبادل في القيود التصديرية والحروب الجمركية.
وحقيقة أن الولايات المتحدة والصين تسعيان كل منهما إلى تسخير هيمنتهما الاقتصادية بوصفها سلاحاً تعني أن أي اتفاق ينبغي، في الواقع، أن يكون محدود المدة. ولم يعد القول إن هذا القدر من تركّز التصنيع في مكان واحد، رغم كفاءته، أمر خطير وموضع جدل. كما أن إعلان اتفاق تجاري طويل الأمد قد يبعث برسالة إلى الشركات مفادها أن العلاقة بين البلدين مستقرة، وأن تلك التجمعات الصناعية خالية من المخاطر.
وللإنصاف، لم تتظاهر الولايات المتحدة والصين بأنهما توصلتا إلى اتفاق دائم عندما التقى زعيماهما الأسبوع الماضي. وربما يكون الخيار الأفضل هو التخلي رسمياً عن فكرة الانفراج الكبير والدائم في المستقبل القريب، ووضع هدف يتمثل في إعادة ضبط التوقعات مرة واحدة على الأقل كل عام.
وإذا لم يكن أي من الطرفين مستعداً لخفض قبضته، فإن أي اتفاق تجاري ينبغي أن يساعد البلدَين على إدارة سباقهما نحو تقليل الاعتماد المتبادل، ومنع هذا السباق من الانزلاق إلى التصعيد. وعلى غرار هيئات المنافسة الدولية، ستبحث هذه المؤسسة الجديدة عن مظاهر القوة السوقية المفرطة. وإذا جرى تحديد مثل هذه الحالات، مثل هيمنة الصين على المعادن الأرضية النادرة، فسيكون من حق الطرف الآخر اتخاذ إجراءات للحد من هذا النفوذ المهيمن من دون التعرض لإجراءات انتقامية، بما في ذلك فرض قيود على الواردات.
وأياً تكن الآلية، فلا بد للطرفين من إيجاد وسيلة تمنع النزاعات التجارية من الخروج عن السيطرة. وكان الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، قد اقترح إنشاء «مجلس تجارة» لإدارة العلاقات التجارية مع الصين عبر خفض الرسوم الجمركية على بعض السلع «غير الحسّاسة». وقد يكون لمثل هذا المجلس دور مفيد إذا أتاح وسيلة لنقل النوايا الأميركية بقدر أكبر من الدبلوماسية مقارنة بمنشورات ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي. وقال غرير إنه يعتزم طرح دعوة للتعليق العام بشأن المنتجات التي ينبغي عدّها غير حسّاسة وقابلة للتداول بحرية نسبية.
ولا يبدو أن إدارة ترمب تفضّل الاجتماعات متعددة الأطراف؛ إذ تميل إلى معالجة خلافاتها بشكل ثنائي مباشر.
في العام الماضي، أدت الرسوم الجمركية المرتفعة نسبياً إلى انخفاض صادرات الصين إلى الولايات المتحدة بنحو 30 في المائة مقارنة بالعام الذي سبقه. أما بقية دول العالم فقد واجهت هي الأخرى قيوداً تجارية جديدة، لكنها كانت أقل ارتفاعاً، مما أدى إلى زيادة صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 9 في المائة.
لكن إذا كان الهدف هو منع أي من البلدين من أن يصبح معتمداً بصورة خطرة على الآخر، فإن التركيز المفرط على التبادلات التجارية بين الصين والولايات المتحدة قد يدفع بالمشكلة إلى مستويات أعمق داخل سلاسل التوريد، عبر إعادة توجيهها من خلال دول أخرى. وقد تحاول الولايات المتحدة التصرف منفردة لمنع وصول المنتجات التي تحتوي على مكونات صينية حيوية عبر بلدان أخرى. وقد لوّح الصينيون مؤخراً بإمكانية القيام بالأمر ذاته عندما أصدروا توجيهاً يهدد بالرد إذا اتخذت دول أخرى إجراءات لمعاقبة مورديهم.
ومن المرجح أن ترمب كان يرغب في العودة من رحلته إلى الصين بما هو أكبر ليعلنه. وعدم حصوله على ذلك يعكس إدراك الصين لقوتها الذاتية.
