علمتنا التجاربُ أنَّه كلَّما تجدَّدتِ الصراعات داخل المجتمع، أنتجت ترسانةً من الأفكار والتحليلات والتأويلات، فالصراعات تطلق الموضة داخل المجتمع كالرصاصة ثم تتقبّلها جيوش البشر بنفوسٍ مطمئنة، ليزداد مستوى التنافس، وهذه إحدى الحالات التي جدّدتها نماذج رأس المال، وهذا هو التوصيف لها، وليس التبرير أو التحذير.
ومن المهم المبهج أن صدرت نظُمٌ قانونية لضبط ذلك في منصات التواصل والسوشيال ميديا، بغية تنقية الأجواء من التباهي العالي.
والموضة في المجتمع تخلق مجموعةً من الصراعات الرمزية بين المستهلكين، ومنها الحرص على إبراز توقيعات الماركة أو اسمها أو رمزها، مثل إطلاق سلاحٍ لإثبات الذات، أو الإعلان عن الحضور، لهذا ليس مستغرباً أن تكون حالات الاستهلاك الوقتي لمنتجات الموضة ضمن البحوث والتحليلات الفلسفية، فضلاً عن إخضاعها للقراءة السوسيولوجية التي نشطت في فرنسا خلال القرن الماضي.
من بين من حضرت الماركة والموضة والأزياء في تحليلاته الفلسفية أو السوسيولوجية الفيلسوف «بيار بورديو»، الذي أعلن في 1976 فشل مصمم الأزياء الفرنسي «بيير كاردان» حين أراد أن ينقل إلى بيوت الثقافة الراقية رأسمال متراكماً داخل دور الأزياء العالمية.
إن مُنْتَج الموضة ليس وسيلةً غرَضية يُستعان به على ستر الجسد، أو حماية الرجلين، أو ارتداء الساعة لضبط الوقت، أخذ المنتج أهدافه الغامضة والواضحة، ذلك أنه بالتحالف مع «الإلحاح الإعلاني» تمكّن بشراسةٍ من إعادة تقييم الطبقة المجتمعية.
وإذا كانت الحروب الدموية التي عصفت بالعالم خلال القرون الماضية قد استبدلت بالحروب الرمزية في الرياضة والسينما، فإن الموضة تكون هي البديل عن الانتقاص اللفظي للآخر من الطبقةِ الأقل، المجرّم قانوناً، من هنا تأتي الموضة بكل جمالها وسحرها كبديلٍ أخلاقي للفرز الطبقي الاجتماعي العلني الذي يلقى مُطلقه لغوياً أحكاماً قضائية صارمة.
وبالعودة إلى الفيلسوف «بورديو»، فإنه حين كتب في 1974 بحثه «دور الأزياء والثقافة»، حذّر فيه من أن يُقْرأ هذا البحث على أنه «مزحة»، بل رأى أن «الموضة موضوع ذو حظوةٍ كبيرةٍ في التقليد السوسيولوجي». وينطلق من درس الفيلسوف «بارمنيدس» القديم، إذ ينصّ «على أن هناك أفكاراً لكل الأشياء».
الأفكار الكامنة في الظواهر والأشياء هي التي يجب أن ترصد من الناقد والملاحظ والقارئ للمجتمع. والموضة بكل سطوتها وسلطانها الرمزي الأكثر حضوراً في الصراعات الرمزية بين المجتمع، وهو صراع غلافه جماليّ على عكس الصراعات الرمزية التي تطلق من سلاح الهوية أو منطق العرق، أو استئصالية السلاح، كما أنَّ الموضة في بعض وجوهها هي «ذوقٌ رفيع».
وحين تناقش خارج حقل السلعية المالية والاستهلاكيّة الاجتماعية، يربط بورديو بين «تماثل البنية بين حقل إنتاج هذه الفئة الخاصة من سلع الترف، أي سلع الموضة، وحقل إنتاج الفئة الأخرى من سلع الترف هذه، ألا وهي السلع الثقافية الشرعية، مثل الموسيقى والشعر والفلسفة، وهذا يقود إلى الحديث عن دور الثقافة الرفيعة».
بقدر ما تكون الموضة حقلاً يضم كثيراً من التناقضات والمفاعيل الطارئة والأصلية في المجتمع، بقدر ما تؤسس لشبكةٍ من العلاقات بين أفراد المجتمع وبين الأذواق والخيارات التي يطلبها الناس في حياتهم ويومياتهم، ولم تسلم الفلسفة من سمة الموضة، بل إنَّ الاتجاهات الفلسفية التي أعقبت النظريات الكليّة، بدءاً بالوجودية ومن ثم البنيوية، وصولاً إلى فلسفات الاختلاف، ونقض المعنى، وتفكيك النظرية، ونقد النقد، واستبدال المركز بظلّه، كل تلك الموجات قرنت بموضات أو وصفت بأنها موضات، حتى إن الجيل الوجودي الشاب في فرنسا آنذاك أطلق ترسانة من المطالبات والأشكال والألوان التي تُرتدى في المقاهي والطرقات.
الخلاصة؛ أن الموضة دمّرت «الذوق الرفيع المعتاد، وتوجهت نحو الاستهلاك المحض المشحون بالتباهي والاستعراض، بل نزعت الماركة من تاريخها وصاحبها، لتكون ضمن مصانع ووكالات تدير هذا التوقيع وتخضعه للإعادة والتدوير. لقد فقدت الموضة قوتها في تكوين شبكة من العلاقات الجديدة، وتطوير الذوق الاجتماعي الجمالي العام إلا ما ندر، فالإنسان يُقيّم بذاته ومعناه، لا بسلعته وتباهيه.
