حين اقترب عمره من المائة عام، اكتشف المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، قوة التكنولوجيا بوصفها منصة إطلاق للثقافة، والتحاور مع ملايين الناس؛ وأكثرهم من الشباب، عبر الوسائط الإلكترونية. تحوّل هذا «العجوز» من مثقف كلاسيكي إلى «أيقونة رقمية» عابرة للأجيال، رغم أنه ينتمي لجيل ما قبل الثورة الرقمية (مواليد 1928)، وانتقل تأثيره بقوة إلى المنصات عبر سيل من المقابلات المصورة والمدونات و«البودكاست».
الطاقة الجديدة التي وفرتها المنصات الرقمية، استفاد منها مثقفون بارزون حول العالم، أصبحوا اليوم يصافحون عشرات الملايين من الناس، ويحولون الأفكار الثقافية والأدبية والتاريخية والسياسية والفلسفية والعلمية إلى مادة جماهيرية عالمية، وأصبحنا لدينا ما نسميه «المثقف الرقمي».
«المثقف الرقمي» هو النسخة المتطورة من المثقف التقليدي، لكنه يتحرك عبر البيئة الرقمية؛ فهو لم يعد ذلك الشخص المنعزل في مكتبته؛ بل هو الفرد الذي نقل الميدان الثقافي إلى الفضاء السيبراني، مستخدماً التكنولوجيا؛ ليس بوصفها أداة للنشر فحسب، بل بيئة للتفكير والاشتباك مع قضايا العصر؛ يقرأ، ويحلل، ويفسر، وينتج معرفة، ويؤثر في الرأي العام، لكن أدواته ليست الكتب، والصحافة، والجامعة، والندوات فقط؛ بل منصات التواصل، ومواقع الفيديو، و«البودكاست»، والذكاء الاصطناعي، وعموم المجتمعات الرقمية. وهو ليس مجرد «صانع محتوى» يبحث عن التفاعل والانتشار، هو يحاول: شرح الواقع، وتفكيك الأخبار، وربط الأحداث، وإنتاج معنى، وأحياناً مقاومة (أو ممارسة) التضليل!
الحرية شرط الإبداع، حسناً، حرية «المثقف الرقمي» نسبية، كحرية المثقف التقليدي، كلتاهما تمتلك «هوية» خاضعة للرقابة وملاحقة السلطات جميعها (حكومية وشعبية ومالية)، لكن الفضاء العام يمنحه حرية اجتياز الجغرافيا وتجاوز الحدود واللغة، والوصول والانتشار... ويخلصه من البيروقراطيات التي يعهدها كلما أرادوا استضافته في ندوة محلية لم يحضرها سوى عدد ضئيل من الجمهور. اليوم يستطيع أن يتواصل مع ملايين الناس من مختلف الجنسيات والثقافات والبيئات الاجتماعية، وهو لن يخضع لاحتكار «المؤسسات» أو سلطتها. ولم يعد بحاجة لأي جهة أن تمنحه «الشرعية»، على العكس؛ يمثّل اندفاع الناس نحو المنصات الرقمية تعبيراً عن حاجتهم إلى أصوات يعتقدون أنها أكثر صدقاً أو استقلالاً.
مقابل «المثقف الرقمي» هناك «الجمهور الرقمي»، وهناك «الثقافة الرقمية»، فإذا كان «المثقف الرقمي» هو «مهندس وعي» يعمل في بيئة معادية للتركيز، ويتعين عليه امتلاك مهارات في تحويل التحليل العميق إلى رسائل مركزة تناسب إيقاع العصر، دون أن يفقد المحتوى رصانته، مع شرط أخلاقي في التحرر من سطوة «الترندات» لزيادة المشاهدات والتضحية بالحقيقة من أجل الانتشار، فإن أمامه «الجمهور الرقمي»؛ وهو جمهور مشارك ومشتت وملول، ويمتاز بالنفس القصير، وميل لاستهلاك المحتوى السريع، مما يضع تحدياً كبيراً أمام مقدمي المحتوى الرصين، وغالباً فإن هذا الجمهور ينجذب لمتابعة من يشبهونه في الرأي، مما يجعله محاصراً داخل «فقاعة» خوارزمية تصعّب مهمة المثقف في طرح آراء مغايرة، لكنّه أيضاً ليس متلقياً سلبياً، فهو يريد التفاعل؛ يعلق، وينقد، ويعيد صياغة الفكرة والمحتوى، وهو شريك في صناعة السردية، وإذا أردنا الإنصاف فإن شريحة واسعة من الجمهور الرقمي لديها تعطّش للعمق، وقراءة ما وراء الحدث، والبحث عن تجارب ملهمة، وهناك شريحة واسعة من هذا الجمهور تشتكي من «تخمة التفاهة» المنتشرة في الفضاء، وتبحث بنهم عن محتوى قوي ومفيد، لكن ضمن مواصفاتها... أي ما تطرحه «الثقافة الرقمية» وهي البيئة التي يتحرك فيها المثقف والجمهور، والتي تجمع بين السيولة والسرعة، حيث القيمة الثقافية لم تعد تُقاس بالعمق وحده؛ بل بمدى الانتشار والتفاعل، مما يجعل الأفكار سائلة وتتشكل حسب رغبة الجمهور والمنصات.
المثقف الرقمي هو محارب هجين؛ عليه أن يمتلك عقل أرسطو، وسرعة المراسل التلفزيوني، ودهاء المبرمج التقني، في حين أن ساحة المعركة (المنصات) لا تكافئ العمق دائماً، هي تكافئ: السرعة، والإثارة، والاختصار، والغضب، والاستقطاب. أما «الخوارزميات» فتريد التمسك بالمستخدم أطول وقت ممكن، لهذا تميل إلى المحتوى الذي يثير الانفعال لا التأمل، هذا يجعل المهمة أكثر قسوة أمام المثقف الواعي في خلق توازن بين رصانته الفكرية ورغبته الملحة في الانتشار، وتحقيق أعلى معدلات المتابعة والتفاعل... كثير من المثقفين أصبحوا أيقونات للمعرفة، وفتحوا نوافذ حرّة للنقاش ومنحوا الجيل الجديد معنى للثقافة... وبعض المثقفين نزلوا للخطابات الشعبوية التي تستثير الغرائز وتقتات على ضجيج الشارع، وتنازلوا عن دورهم في التنوير ورفع وعي الناس، وصاروا مجرد صدى للغوغاء، يكتبون تدوينات لا تكاد تفرقها في لغتها أو انفعالها، عما يخطه العوام في لحظات غضبهم المنفلت، هذه الثقافة التي تتبع الغرائز ليست تنويراً؛ بل هي ردّة حضارية وانتحار معرفي بدم بارد، والمثقف الذي يلوح بهراوة الغوغاء حتى داخل الفضاء الرقمي، يفقد مبرر وجوده، ويتحول من حارس للانتباه إلى شريك في التجهيل.
