د. ياسر عبد العزيز
كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
TT

عن الأصالة الصحافية التي تتآكل

استمع إلى المقالة

إلى أين تمضي الصحافة حين تتخلَّى عن حسِّها البشري الخاص، وحين يُصبح التوليد الآلي لمحتواها بديلاً عن لحظات التأمل والحُكم، التي طالما ميَّزت الصَّنعة الصحافية على مرِّ تاريخها؟

لقد أصبح من الضروري أن نطرح هذا السؤال، وأن نطلب إجابة عنه، بعدما أظهرت دراسة علمية حديثة - أجراها باحثون من جامعة ماريلاند، وشملت مراجعة 186 ألف مقالة نشرتها 1500 صحيفة أميركية - أنَّ ما يزيد على 9 في المائة من المواد المنشورة تمثل محتوى مُولَّداً بالذكاء الاصطناعي، جزئياً أو كلياً، وأنَّ هذا الاستخدام نادراً ما يُفصَح عنه.

من هنا تصبح «الأصالة» معنى لا مناص من التوقف عنده طويلاً. فالأصالة في الصحافة ليست ترفاً يمكن الاستغناء عنه في زمن الفوران الرقمي وضغط الإنتاج؛ بل هي شيء أكثر حيوية وأشد أهمية.

إنَّها القدرة على أن تحمل المادة الصحافية بصمة ذهن بشري يتصدَّى لتساؤل حقيقي، ويشعر بالقلق من نتيجة حقيقية، ويصطفي من بين آلاف الكلمات والزوايا والتفسيرات المُحتملة تلك الجملة التي ترى العالم من منظور لم يَرَه أحد بهذه الطريقة من قبل.

إنَّها كذلك ما يجعل الخبر أو المقال فكرةً متماسكةً لا مجرد تقرير وقائع؛ فكرة تتطلب أن يقرِّر الصحافي أين يوجِّه عدسة الكاميرا، وأي صوت يمنحه المساحة، وأي سؤال يرفض أن يتركه من دون إجابة.

حين تنعدم هذه اللحظة من الاختيار الإنساني، لا يُنتَج نصٌّ ضعيفٌ فحسب، بل يُنتَج نصٌّ يحمل وهم الحيوية بينما هو في حقيقته صدى لأصوات سابقة تم استنساخها بلا روح ولا مسؤولية.

ولعل الأكثر إيلاماً في هذا الصدد أنَّ أكثر من نصف الصحافيين، الذين شملهم مسح دولي واسع، أجرته جامعة أوريغون، عبَّروا عن قلقهم إزاء الأثر البعيد المدى للذكاء الاصطناعي على «الأصالة الصحافية»، مُرجعين ذلك إلى ما يرونه انحساراً في ملكة التفكير النقدي، وخطراً حقيقياً في تنميط المحتوى وتوحيد أصواته، حتى يغدو الاختلاف بين منابر ومنابر وهماً لا حقيقة.

وهذا القلق المهني لا يصدر عن حنين رومانسي إلى الماضي، أو دفاع براغماتي عن مواقع عمل مُهدَّدة، بل عن إدراك لما يحدث فعلاً حين يُستعاض عن الحُكم الصحافي بخوارزمية تُحسن تدبيج الجمل ولا تملك معايير تقدير السياق، وتُصنِّف المعلومات من دون أن تعي ما الذي يجعل معلومة بعينها مهمة في هذه اللحظة بالذات.

لقد خلص باحثون قانونيون إلى أنَّ غالبية النصوص المولَّدة بالذكاء الاصطناعي لا تستوفي متطلبات الأصالة اللازمة للحماية بموجب قوانين حقوق النشر الأوروبية، وهو ما يكشف الفراغ القانوني والأخلاقي الذي يُصنَع فيه هذا المحتوى ويتوالد من دون رقابة كافية.

إنَّه محتوى لا ينتمي إلى أحد بالمعنى القانوني، ولا يُمثل أحداً بالمعنى المهني، ولا يتحمَّل عنه أحد مسؤولية بالمعنى الأخلاقي، ومع ذلك يملأ الصفحات، وينتشر في الفضاء الرقمي، ويُستهلَك يومياً بوصفه صحافة.

ثمة فرق حاسم لا ينبغي إهداره بين الصحافة التي تستعين بالذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً تحريريةً تُعين على البحث وتنظيم المُعطيات، وتلك التي تجعله بديلاً عن الإنسان الذي يرى ويُحلل ويُقرِّر ويتحمَّل مسؤولية ما يكتب.

الأولى، قد تُوسِّع طاقة الصحافة، وتُحرِّر الصحافي من الأعمال الروتينية، فيُكرس عقله للمهمة الأصلية.

أما الثانية، فلا تصنع صحافة بأي معنى حقيقي للكلمة، بل تصنع محاكاة لها؛ واجهة تُشبهها في الشكل من دون أن تحمل روحها، وتُنتج حجماً من الكلمات من دون أن تُضيف قيمة للمعنى.

وحين تتآكل الأصالة ببطء، حتى في صفحات الرأي لأعرق الصحف الغربية، كما وثّقت الدراسات، فإنَّ ما يتآكل فعلاً ليس نمطاً من الكتابة ولا أسلوباً من أساليب التحرير، بل رابط من الثقة التي يقوم عليها العقد الضمني بين الصحافة والمجتمع. عقد غير مكتوب يقول: أنا هنا، أراقب بدلاً منك، وأتحمل مسؤولية ما أنقله إليك. حين يختفي هذا العقد، لا تختفي الصفحات، ولا تُظلم الشاشات، لكن شيئاً جوهرياً يُفقَد دون أن يُعلَن عن غيابه.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرَح بعقل نقدي وجرأة واجبة هو: هل نحن مستعدون لمواجهة ما تقوله هذه الأرقام بصدق؟ أم أننا سنواصل الحديث عن مُمكنات الذكاء الاصطناعي وفرصه الواعدة بينما تتآكل الأصالة في صمت، في صفحات لا يُعلن عن مصدرها، تُقدَّم لجمهور لم يُستأذن لقبول هذا الاحتيال؟

إذا استسهل الصحافيون اللجوء لأدوات الذكاء الاصطناعي من دون حوكمة، وشجعتهم المؤسسات على هذا الاستسهال بذرائع المواكبة والمنافسة وموازنة النفقات، فسنرى مزيداً من تآكل الأصالة في المحتوى الصحافي، وهو أمر ستكون عواقبه وخيمة على معنى الصحافة، وقيمتها، وجوهرها المهني والأخلاقي.