أحمد عبد المعطي حجازي
TT

شمس لا تغيب!

استمع إلى المقالة

أواصل حديثي عن الثقافة العربية، وعن مشرقيها ومغربيها. والتثنية هنا مقصودة، وهي تفرض نفسها في هذا الحديث. فالثقافة العربية لا تشرق من المشرق وحده، وإنما تشرق من المغرب كما تشرق من المشرق. وهذه هي القضية التي سيدور حولها حديثي هذا. وكنت قد وعدت في مقالتي بأن أتحدث اليوم عن رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ما هو مشترك بين هذين العَلمين الرائدين في الحياة وفي الإنتاج الفكري الذي يجسد وحدة الثقافة العربية في المشرق والمغرب، وهي القضية التي رأيت أن أكمل حديثي حولها قبل أن أتحدث عمن يمثلونها.

ونحن نعرف طبعاً أن الثقافة العربية ظهرت أول ما ظهرت في المشرق، وفيه شبت وبلغت رشدها وعرفت رسالتها، ثم بدأت مسيرتها التي لا تزال تواصلها إلى اليوم في المشرق الذي بدأت منه، وفي المغرب الذي لا تغرب فيه ولا تحتجب، بل تأخذ منه بقدر ما تعطيه لترده من بعد إليه أضعافاً مضاعفة، فالثقافة لا تستنفد بما تحمله للناس من استنارة وحكمة وفرح، بل تزداد إشراقاً وثراءً وتوهجاً؛ لأنها تخاطب عقل المتلقي، وتوقظ وجدانه، وتثير انفعاله، وتكشف عن طاقاته ومواهبه؛ فيرى ما لم يكن يرى، ويعرف ما لم يكن يعرف فينفتح على العالم المحيط به، ويشعر بالحاجة إلى أن يعبّر عما أحس، وينقله لغيره الذي يتلقاه ويمر بالتجربة التي مر بها من أعطاه ويضيف لما تلقاه، وهكذا تسطع شمس الثقافة وتعبر الحدود وتبدد الظلمات، وتملأ بنورها الطرقات ذهاباً وإياباً. فالثقافة كما قلت شمس لا تغيب، والعالم الذي تشرق فيه الثقافة نهار دائم في مشرقه ومغربه. يصح هذا على الثقافات الإنسانية عامة، ويصح على الثقافة العربية بوجه خاص. والتاريخ شاهد على هذا.

***

انتصارات مذهلة تتوالى انتصاراً بعد انتصار؛ إذ لم يمض أكثر من عشرين عاماً على نزول الوحي عام 610 م حتى فتح المسلمون مكة عام 630 م، ولم يمض بعدها أكثر من عشرة أعوام حتى فتحوا مصر. وبعدها تواصلت الفتوح حتى استطاع عقبة بن نافع عام 670 م هو ومن معه أن يثّبتوا أقدامهم في المغرب الأوسط ويبنوا مدينة القيروان، ثم يتابعوا تقدمهم حتى يصلوا في نهايات القرن، أي بعد ثلاثين سنة إلى المحيط. وفي الذكرى المئوية الأولى لنزول الوحي كان العرب المسلمون قد وضعوا أيديهم على العالم الممتد من الصين إلى إسبانيا.

كيف تحققت هذه المعجزة التي لم تتحقق من قبل ولا من بعد؟ الجواب الحاضر هو: بالسيف! لأن الذين دخلوا هذا العالم كانوا يشهرون سيوفهم! لكن القليلين هم الذين سألوا أنفسهم: كيف استطاع ثلاثمائة من المسلمين في غزوة بدر أن يغلبوا ألفاً من أهل مكة؟ وكيف استطاع عمرو بن العاص مع أربعة آلاف فارس أن يدخلوا مصر ويوقعوا الهزيمة بالجيش البيزنطي المؤلف من خمسة وعشرين ألفاً من المقاتلين المحترفين المسلحين بكل ما كانت تملكه إمبراطوريتهم المستعدة دائماً لخوض المعارك بجيوشها المدربة، وقلاعها الحصينة، وتاريخها الحافل بالانتصارات. كيف استطاع هؤلاء الفرسان العرب بعددهم القليل أن يهزموا جيوش الإمبراطورية، ليس في موقعة واحدة، بل في موقعة بعد أخرى؟ إنهم يعتلون الأسوار، ويضيّقون الحصار ويفتحون الحصون، ويكبّرون ويهللون حتى اضطروا الروم إلى الرحيل ليواصلوا هم زحفهم وانتصاراتهم حتى وصلوا إلى المحيط. كيف؟ بالسيف؟ لا، فسيوف الروم أكثر، وعدتهم أتم، فبماذا إذن؟ بالثقافة التي حملوا بها المشرق إلى المغرب فصار المغرب مشرقاً، كما صار المشرق مغرباً، أو أنهما صارا مشرقين ومغربين. والشمس، شمس الثقافة العربية واحدة. وهذه معجزة أخرى. لغة واحدة، وثقافة واحدة تشرق وتغرب حاملة جديدها في الذهاب والإياب، كيف حدث هذا؟

كيف تم تعريب المغرب؟ وإذا كان التعريب قد بدأ بالدواوين التي حلّت العربية فيها محل اليونانية، فقد سار التعريب في أوساط المغاربة بسرعة عجيبة؛ إذ لم يمض إلا قرن ونصف قرن حتى أخذ المغاربة يحتلون يوماً بعد يوم مكانهم في الثقافة العربية. والفضل يرجع للفاتحين العرب الذين لم يقتصر نشاطهم على خوض المعارك وكسبها، بل كانت الثقافة العربية الإسلامية نصب أعينهم، وخاصة عند بعض القادة أمثال عقبة بن نافع الذي وضع الأساس لمدينة القيروان وبنى فيها الجامع الكبير الذي أصبح جامعة مختصة بعلوم اللغة والدين مثله مثل الأزهر في القاهرة، والقرويين في فاس. وبعد عقبة بن نافع حسان بن النعمان، ثم من بعده موسى بن نصير. هؤلاء حرصوا على أن يشركوا المغاربة معهم في إدارة شؤون البلاد، وكانوا يطلبون من المقاتلين العرب أن يجتهدوا في الاتصال بأبناء البلاد ويعلموهم العربية، ويفقهوهم في الإسلام.

ونحن نعرف أن الرومان والبيزنطيين احتلوا المغرب أكثر من سبعة قرون، لكنهم لم يستطيعوا أن يحققوا في الثقافة ما حققه العرب في أقل من قرنين؛ لأنهم كانوا في المغرب محتلين موجودين بالقوة وحدها يطلبون السيادة والثروة ولا يعبأون بمطالب أهل البلاد، بل ينظرون لهم نظرة الأعلى للأدنى؛ ولهذا سموهم «بربر»، وهي كلمة يونانية تطلق على من لا يعرف هذه اللغة، فهو بالنسبة للبيزنطيين غير متحضر، من هنا قاومهم المغاربة، وظلوا متمسكين بلغتهم وثقافتهم، تماماً كما فعل الجزائريون في هذا العصر الحديث مع المستعمرين الفرنسيين.

والحقيقة، أن العرب كانوا هم أيضاً ينظرون هذه النظرة لمن لا يتكلم العربية، فهو بالنسبة لهم «أعجمي». لكن الإسلام ساوى بين كل الداخلين فيه، ونحن نعرف أن أصحاب الرسول كان فيهم الفارسي، والرومي، والحبشي، وبهذه العقيدة فتح العرب البلاد التي فتحوها واعتبروا أنفسهم أصحاب رسالة يؤدونها وليسوا طلاب سلطة أو ثروة، فلم يمض وقت طويل حتى تعرَّب المغاربة أو معظمهم، وأصبحوا يشاركون العرب في إدارة شؤون البلاد، وفي التفكير والإبداع باللغة الفصحى، ويقدمون للثقافة العربية أمثال الحصري، وابن رشيق، وابن حمديس الصقلي، وابن خلدون، وسواهم كثيرون.