لحسن حداد
كاتب مغربي وهو أستاذ جامعي في التدبير والتواصل والعلوم السياسية والجيواستراتيجيا وإدارة الأعمال. خبير دولي في التنمية والاقتصاد والدراسات الاستراتيجية والثقافية والاجتماعية. نائب رئيس «المنظمة الدولية للتنمية». وزير السياحة الأسبق في الحكومة المغربية. عضو في مجلس المستشارين المغربي (الغرفة الثانية في البرلمان). رئيس اللجنة المشتركة للبرلمانين الأوروبي والمغربي.
TT

العرب يمكنهم امتلاك حصة من اقتصاد الذكاء الاصطناعي

استمع إلى المقالة

الثورة المقبلة ليست رقمية فقط، بل صناعية وخوارزمية أيضاً. فأين موقع العرب فيها؟ السؤال الحقيقي ليس هل تأخرنا، بل أين توجد القيمة الاقتصادية والاستراتيجية داخل منظومة الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن للعرب دخولها بواقعية وذكاء وتكامل؟

الذكاء الاصطناعي ليس قطاعاً، بل منظومة اقتصادية متكاملة تحتاج إلى الطاقة والبيانات والبنية التحتية، والقوة اليوم ليست في امتلاك كل المنظومة بل في امتلاك حصة أو جزء استراتيجي منها.

الاستراتيجيات العربية الحالية في ميدان الذكاء الاصطناعي تتأرجح بين السيادة الرقمية وإعادة التموضع الجيوسياسي. فالذكاء الاصطناعي اليوم ليس مجرد تقنية، بل أداة قوة ومصدر سيادة، ويحتاج إلى بنية تحتية جيوسياسية جديدة. كما أنه محرّك لا محيد عنه لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بشكل لم نشهده منذ الثورات الصناعية الكبرى.

لكن كل دولة عربية تدخل هذا السباق بموارد مختلفة. فبعضها يمتلك المال، وبعضها الموارد البشرية، وبعضها الموقع الجغرافي، وبعضها الطاقة، وبعضها له القدرة على الربط بين القارات.

المملكة العربية السعودية، مثلاً، تتوفر على استراتيجية للتحول الحضاري عبر الذكاء الاصطناعي، وتعتبره جزءاً محورياً من سياستها الهادفة إلى إعادة اختراع الاقتصاد والدولة والمجتمع في مرحلة ما بعد النفط. كما تتوفر السعودية على إمكانات هائلة، وسوق داخلية كبيرة، وقطاع طاقة ضخم. وتراهن السعودية على مشاريع كبرى مثل «نيوم»، وعلى الاستثمار في البنية الرقمية والطاقة الذكية. الرهان السعودي هو بناء قوة صناعية رقمية كبرى تجمع بين الطاقة والذكاء الاصطناعي.

أما قطر فهي تعتمد أكثر على استراتيجية القوة الناعمة المعرفية، حيث تستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز نفوذها الإعلامي، وقوتها التعليمية، وقدراتها الطاقية. وتتمثل مؤهلاتها في ثروة غازية هائلة، وقدرة على بناء شبكات تأثير دولية. أما أدواتها فتشمل الإعلام، والاستثمار في البحث العلمي، واستخدام الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة والغاز. الرهان القطري يتمثل في بناء قوة معرفية وإعلامية ذكية ذات تأثير عالمي.أما المغرب فتقوم استراتيجيته على ما يمكن تسميته بـ«العقدة الجيوسياسية الرقمية»، إذ يسعى إلى بناء موقع استراتيجي داخل الاقتصاد الرقمي العالمي، عبر الربط بين أوروبا وأفريقيا والفضاء الأطلسي والطاقة الخضراء. كما يُعد المغرب من أكثر الدول العربية تقدماً في مجالات الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، وهو عنصر حاسم لأن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كميات هائلة من الطاقة. ويراهن المغرب كذلك على البنية التحتية الرقمية، وتطوير تطبيقات عملية للذكاء الاصطناعي، مع السعي إلى بناء منظومة وطنية قادرة على جذب الاستثمار والتكنولوجيا والكفاءات. كما تمنح الكفاءات متعددة اللغات المغرب ميزة مهمة في خدمات الذكاء الاصطناعي متعددة اللغات. ويسعى المغرب إلى أن يصبح مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات الخضراء ومنصة أفريقية لتدريب وتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

أما مصر فتقوم استراتيجيتها في مجال الذكاء الاصطناعي على ما يمكن تسميته بـ«القوة البشرية الرقمية»، حيث تسعى إلى تحويل حجمها السكاني الكبير إلى قاعدة إنتاج للخدمات الذكية والاقتصاد الرقمي. وتراهن مصر على أعداد كبيرة من المهندسين والكفاءات التقنية. والرهان المصري يتمثل في أن تصبح القاهرة مركزاً للخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي للعالم العربي.

البحرين تراهن على التنظيم المالي والتكنولوجيا المالية، والكويت على التمويل السيادي، بينما تستفيد عُمان من موقعها البحري لتطوير البنية اللوجستية والرقمية. أما الأردن وتونس فتراهنان على الكفاءات التقنية والبرمجية، وعلى القدرة على تقديم الخدمات الرقمية والتطوير البرمجي والتعليم التكنولوجي.هكذا لا يدخل العالم العربي سباق الذكاء الاصطناعي من نقطة واحدة. والدول العربية التي ستنجح هي التي تبني منظومات، وتكوّن الكفاءات، وتربط الجغرافيا بالطاقة بالبيانات بالسيادة.

المشكل العربي ليس غياب الإمكانات، بل ضعف التكامل والتنسيق. فالمنظومة العربية تمتلك الطاقة والتمويل والشباب، والموقع الجغرافي والبنية اللوجستية والأسواق. والسيادة الخوارزمية قد تكون الرهان العربي الجديد، لكن نجاح العرب سيظل رهيناً بقدرتهم على بناء رؤية مشتركة تربط التكنولوجيا بالطاقة والسيادة والتكامل الإقليمي.