بينما كان دواركش باتيل يدخل مطعماً صغيراً في حي سوما بمدينة سان فرانسيسكو، سرت موجة من الحماسة بين أربعة شبّان كانوا يجلسون قرب الباب. وقبل أن يتمكّن باتيل، وهو مقدّم بودكاست يبلغ من العمر 25 عاماً، من التوجّه إلى المضيفة، طلب منه اثنان من الشبان التقاط صور سيلفي. لبّى الطلب، ثم خرج لينتظر دوره للجلوس على طاولة. وعندما سُئل إن كان هذا يحدث كثيراً، فأجاب: «أشعر أن الأمر ازداد حدّة بشكل خاص خلال الأشهر القليلة الماضية».
ورغم أن باتيل غير معروف إلى حد كبير خارج أوساط التكنولوجيا، فإن «بودكاست دواركش» يحقق في المتوسط مليوني مشاهدة للحلقة الواحدة، ويُعد مادة لا غنى عنها داخل مجتمع مطوّري الذكاء الاصطناعي ومموّليه والمهتمين بالتقنية.
فقد جلس معه لإجراء مقابلات، تمتد غالباً لأكثر من ساعتين، أبرز الرؤساء التنفيذيين، مثل ساتيا ناديلا ومارك زوكربيرغ، وكذلك أبرز باحثي الذكاء الاصطناعي مثل إيليا سوتسكيفر وأندريه كارباتي. ويصف الاقتصادي والمفكّر تايلر كاوين باتيل بأنه «المؤرّخ الأول لعصر الذكاء الاصطناعي؛ إذ لا أحد يضاهيه في ذلك».
وقد بلغ باتيل هذه المكانة عبر انغماسه العميق في مجتمع الذكاء الاصطناعي وتحدّثه بلغته الخاصة، ويقول إن هدفه هو التعمّق في النقاشات الدائرة على حدود تطوير الذكاء الاصطناعي.
تسهم مقابلات باتيل في تشكيل آراء نخبة هذا المجال. فعلى مدى العام الماضي، ازداد تشكّك باتيل في قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية على تحقيق «التعلّم المستمر»، أي قدرة الآلة على مواصلة التعلّم ذاتياً كما يفعل البشر. ومع ذلك، يظل مقتنعاً بأن الذكاء الاصطناعي سيبلغ هذه النقطة المفصلية، وأن تأثيره سيكون هائلاً حتى قبل ذلك؛ لكنه يعتقد أن الوصول إلى ذكاء اصطناعي تحويلي قد يستغرق ما يصل إلى عقد من الزمن، وليس عاماً أو عامين.
ويعكس اختيار باتيل لضيوفه وأسلوبه في محاورتهم رؤيةً للعالم تمزج بين الوضوح العقلاني والتفاؤل بمستقبل التكنولوجيا، وهي رؤية تجد صدى واسعاً في بعض أجزاء وادي السيليكون. فإذا كنت تبحث عن تحفّظات حذرة بشأن الإمكانات الكابوسية للذكاء الاصطناعي، أو حتى عن موقف متردد تجاه أهميته، فلن يكون هذا البودكاست مناسباً لك. أما إذا أردت أن تعرف كيف يفكّر ويتحدّث أولئك الذين يبنون العالم الذي سنعيش فيه جميعاً قريباً، فلا يوجد مكان أفضل للاستماع إليه.
ويُعد أحد أسباب إقبال الأذكياء والأثرياء ورجال صناعة الذكاء الاصطناعي على الظهور في بودكاست باتيل هو أنه يتعمّق في التفاصيل إلى حد يتيح له طرح أسئلة لا يطرحها غيره. فقد يقضي ما يصل إلى أسبوعين في التحضير لمقابلة واحدة.
وكان باتيل قد سجّل أولى حلقات «ذا ليونر سوسايتي»، وهو الاسم الأصلي للبودكاست، من غرفته في السكن الجامعي بجامعة تكساس عام 2020، خلال الأشهر الأولى من جائحة «كوفيد - 19»، وكان آنذاك في التاسعة عشرة من عمره. إذ كان يتابع دروسه عبر الإنترنت، ويشعر بالملل ويتوق إلى تفاعل فكري، وحينها فعل ما قد يفعله أي طالب جامعي عادي في سنته الثانية: أرسل بريداً إلكترونياً غير متوقّع إلى برايان كابلان، أحد أعضاء قسم الاقتصاد في جامعة جورج ماسون المعروف بتوجهاته الليبرتارية.
وفي رسالة البريد الإلكتروني، أوضح باتيل أنه قرأ ثلاثة كتب لكابلان غيّرت نظرته عن الهجرة والتعليم وعدد الأطفال الذي ينبغي إنجابه. وردّ الأخير بتشجيعه، وبعد عدد من الرسائل الودية اللاحقة، سأله باتيل إن كان يوافق على إجراء مقابلة معه للبودكاست. وقد أُعجب كابلان بالمقابلة التي أُجريت لاحقاً، وقال: «لم يكن يكرّر الأسئلة العشرة نفسها التي يطرحها الجميع. كانت لديه أسئلة نابعة من قراءة دقيقة خاصة به».
وكان والدا باتيل، اللذان هاجرا من الهند عندما كان في الثامنة من عمره، يأملان أن يصبح طبيب أشعة، أو على الأقل أن يستخدم شهادته في علوم الحاسوب استخداماً مهنياً، وقد انتابهما القلق من مساعيه الإعلامية الناشئة. لكن نبوغ باتيل المبكر جذب إليه مرشدين وداعمين. فقد عُرض عليه الاستثمار في البودكاست مقابل حصة ملكية. ويقول عنه الملياردير ستيف كون: «حتى في ذلك العمر، كان يفرض حضوره بطريقة لا يجيدها كثيرون».
انتقل باتيل إلى سان فرانسيسكو بعد وقت قصير من إطلاق تطبيق «تشات جي بي تي» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. وفجأة أصبح الذكاء الاصطناعي موضوع العصر، فكل مَن كانوا في شبكته المتنامية بسرعة كانوا إما يعملون عليه وإما يتحدثون عنه، وكانت سان فرانسيسكو مركزاً لهذا النشاط. وفي مطلع العام التالي، حصل باتيل على مقابلة مع إيليا سوتسكيفر، الذي كان آنذاك كبير العلماء في «أوبن إيه آي»، وقد حظيت المقابلة بنصف مليون مشاهدة على منصة «يوتيوب». وكان قد أرسل مسبقاً قائمة مفصّلة للغاية من الأسئلة.
ينتمي باتيل إلى موجة من الإعلام المرتبط بالتكنولوجيا التي احتضنتها الصناعة أو انجذبت إليها، في ظل تدهور علاقة وادي السيليكون بوسائل الإعلام التقليدية في السنوات الأخيرة.
وقد أثارت مقابلاته الأخيرة مع زوكربيرغ والملياردير إيلون ماسك بعض الانتقادات حتى من معجبيه، الذين رأوا أن المديرين التنفيذيين في مجال التكنولوجيا قدّموا أحياناً ادعاءات غير مدعومة أو كرّروا نقاطاً جاهزة.
* خدمة «نيويورك تايمز»
