فصل آخر من دروس الدبلوماسية، يسمونه المراوغة. وهي غير المكر أو الدهاء أو التحايل. لا، فهي خالية من سوء النية أو الغش والخداع. تشبه إلى حدٍّ ما، نوعاً من الحيرة المتبادلة: تحار أنت وتحيّر معك خصمك. تقرأ في كفه وتترك كفك منقبضاً. تبقي المسائل مفتوحة. معلقة. الإغلاق كسر وفظاظة. وفي المراوغة شيء قليل من الكذب. لكنه أفضل كثيراً من القطع. وعلى ما يبدو من التحاليل، فإن المراوغة نوع من السلوك الجائز. أي المبرر؛ لأنه يقي من الخطأ، ويمنح المتقاتلين فرصة التأمل والتبصر قبل الاحتدام.
والمراوغة في الرياضة شرع رياضي ومهارة محبذة. وهي غير التحايل؛ لأنها خالية من الأذى. أَحب رياضة إلى الناس في العالم، كرة القدم. وشروطها صعبة، أهمها اللياقة البدنية وقوة التحمل والنفَس الطويل، لكن لا أهمية لها من دون هذه النهاية.
أكتب كل هذا دفاعاً عن الثعلب الذي نُسب إليه في ما نُسب المراوغة، عندما قال الشاعر في التملق: «ويروغ منك كما يروغ الثعلب».
ماذا تتوقع من هذا المخلوق الذي يمضي حياته بحثاً عن دجاجة قلّما وجدها؟ وأنا أعرف ذلك من فرقة منه تعوي بقربنا كل مساء عندما ييأس أفرادها من العثور على عشاء بعد جولة في الجوار، فتنوح حزينة وتنام على الطوى.
أما الجائعون من الناس فيعثرون على كل قوتهم في أكياس القمامة، التي يرميها في المكبات مَن فاضت وجباتهم بالبقايا.
تلك هي، على ما يبدو، القاعدة القاسية في الحياة، كما قال صلاح جاهين ذات مرة في إحدى رباعياته الحادة: «ناس بترمي الزبالة وناس بتلمّها».
المراوغة من أجل تحقيق الهدف حق ما دام بريئاً وصالحاً. وحق للثعلب أن يروغ خوفاً. ماذا تريده أن يفعل؟ أن يكون ذئباً؟
