خالد البري
إعلامي وكاتب مصري. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وعمل منتجاً إعلامياً ومراسلاً سياسياً وحربياً في «بي بي سي - عربي»، وغطى لحسابها «حرب تموز» في لبنان وإسرائيل، وعمل مديراً لمكتبها في العراق. وصلت روايته «رقصة شرقية» إلى القائمة النهائية لـ«بوكر العربية».
TT

الخسارة البطيئة ليست نصراً

استمع إلى المقالة

كنت في بيروت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وجمعتني جلسة أصدقاء بمراسل إعلامي من منتسبي «حزب الله». وكما كان متوقعاً؛ أخذنا الحديث إلى الهجمات وحرب أفغانستان ومصير التنظيمات السياسية الإسلامية في ظل الحرب على الإرهاب. كان رأيه أن هناك فارقاً كبيراً بين التنظيمات الإسلامية السنية والشيعية. وهي فكرة كانت رائجة وقتها. إقليمياً، بسبب ارتفاع أسهم «حزب الله» في المنطقة بعد تحرير الجنوب اللبناني. وعالمياً، بسبب الدعاية التي واكبت الاستعداد لغزو العراق، وكان هدفها طمأنة الرأي العام الغربي المتخوف من صعود إيران والجماعات المرتبطة بها حال سقوط نظام صدام حسين.

وكان رأيي أن الفوارق مظهرية وليست في الجوهر، وأنها مرتبطة بظرف سياسي تعتمد فيه التنظيمات الإسلامية الشيعية على وجود دولة قائمة بالفعل، ترسم لها حدود حركتها، وتتحكم في محبس تمويلها ومن ثم قراراتها. على خلاف تنظيمات هلامية مثل «القاعدة». لكن البنية الحركية والذهنية متشابهة.

ضربت مثالاً بحوار استمعت إليه على «بي بي سي»، سُئل فيه ضيف عن أخطر التنظيمات الدينية في القرن العشرين، وكان رده مفاجئاً. قال إن أخطر تنظيم ديني كان الحزب الشيوعي السوفياتي. نحن هنا لا نتحدث عن اختلافات دينية أو مذهبية، بل عن تنظيم علماني مادي كان الكثر من وجوهه البارزة ملحدين متشددين. والطبيعي أن نضعه على الضفة المقابلة تماماً للتنظيمات الدينية.

لكنه عدّه أخطر تنظيم ديني بسبب بنيته التنظيمية والذهنية. لدى النظام رأس يلزمك بالسمع والطاعة، تحيط به صفوة خالصة الولاء، ويلتئم الجميع حول نص مرجعي تمتلك تلك الصفوة حق تأويله، وينشق من ينشق منها متذرعاً به.

تأخذنا هذه المقاربة إلى ما يتخطى الانشغال بالفوارق الظاهرية، أو اختلاف العناوين، لنركز على جوهر العطب في نظام أو تنظيم سياسي. عن منبع التصلب والرغبة التوسعية والإحساس بالاستحقاق والفوقية. وعن سبب غياب الأرضية المشتركة للحوار، والإصرار على فرض الرؤية الذاتية على الغير.

لكنها تشخص لنا أيضاً الآلية الذهنية التي تجعل هذه النظم والتنظيمات تتجاهل مؤشرات الأداء الواقعية، لصالح مؤشرات أداء عقيدية آيديولوجية. فيتوالد التدهور ذاتياً، كمرض لا يهتم صاحبه بتشخيصه وعلاجه، بل يعدّه مؤشر صحة أو رضا إلهياً، أو علامة حسد من قوى خارجية.

تفقد هذه الكيانات فضيلتين أساسيتين في مجتمعات الإنسان العاقل. تفقد فضيلة البصيرة والاعتبار من تجارب الغير. تتحول مصائر الآخرين مناسبةً للافتخار والتأكيد على أن الذات مختلفة.

وتفقد أيضاً فضيلة الاستشفاء. الكيان الاجتماعي كالإنسان، يتعرض للمرض حتى لو افترضنا أنه بدأ سليماً. أولى خطوات العلاج من المرض الإقرار بوجوده. وكلما بكَّرت في اكتشاف الأعراض زادت فرص الشفاء.

لكن البنية الذهنية التي أشرنا إليها لا تعترف بالخسائر الصغيرة المتوالية، ولا تراجع الوظائف الحيوية والقدرات، بل تعتقد أن تأخر القاضية انتصار. وبدلاً من البحث عن طبيب وعلاج تفتش عن عصا سليمان تتوكأ عليها.