عثمان ميرغني
كاتب وصحافيّ سوداني، نائب رئيس التحرير السابق لصحيفة «الشرق الأوسط». عمل في عدد من الصحف والمجلات العربية في لندن. متخصص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية ومهتم بقضايا الاقتصاد العالمي والمناخ والبيئة.
TT

«دعاء» التي نامت أخيراً... والخرطوم التي تستعيد روحها

استمع إلى المقالة

يبقى ملف عودة النازحين واللاجئين الذين شردتهم الحرب حاضراً بقوة في نقاشات السودانيين، بوصفه من أكثر القضايا ارتباطاً بمآلات الحرب وإمكانات التعافي الوطني. وما يدعو إلى التفاؤل هو الازدياد الملحوظ في وتيرة العودة، خصوصاً من مصر التي استقبلت أعداداً كبيرة من السودانيين منذ اندلاع الحرب. فهذه العودة المتسارعة لا تعكس تحسناً نسبياً في الأوضاع الأمنية والخدمية فحسب، بل تحمل أيضاً رسالة واضحة مفادها أن إرادة السودانيين قادرة على تجاوز آثار الدمار واستعادة الحياة رغم كل الصعوبات.

هذه النبرة المتفائلة كانت حاضرة في برنامج بثته هذا الأسبوع الخدمة العالمية لإذاعة «بي بي سي» بعنوان: «العودة إلى الخرطوم: الحرب والفقد والأمل». أحاديث المواطنين الذين التقاهم البرنامج في الخرطوم كانت مفعمة بالأمل لا اليأس، عبّروا فيها عن الفرحة وهم يشاهدون عودة الناس إلى بيوتهم ومحلاتهم، وبدء أعمال الإصلاح، واستعادة العلاقات الاجتماعية التي قطعتها الحرب.

لم تظهر الخرطوم في البرنامج بوصفها مدينة انهارت معنويات أهلها مع المباني التي تهدمت أو تضررت، بل بوصفها مدينة تحاول تضميد جراحها، واستعادة روحها رغم التحديات.

كانت قصة دعاء، الفنانة والناشطة السودانية، من أكثر القصص تأثيراً في البرنامج. فقد كانت حاملاً عندما اندلعت الحرب، لكنها قررت البقاء. تحدثت عن عامين من المعاناة الشديدة، ومن الخوف الذي لم ينته إلا مع وصول الجيش واستعادته الخرطوم من سيطرة «قوات الدعم السريع». روت ما حدث من نهب وضرب واعتداءات وجرائم اغتصاب، والخوف الذي عمّ السكان جراء ممارسات «الدعم السريع». وقالت إنها تعرف نساء لم يستطعن مغادرة منازلهن خوفاً من التعرض للاعتداء، وإن بعضهن لم يشاهدن الشارع إلا بعد دخول الجيش.

وعندما سئلت عن مشاعرها لحظة وصول الجيش قالت ببساطة شديدة: «كنا سعداء للغاية». ثم أضافت أنها لم تكن تنام ليلاً طوال عامين تقريباً، ولذلك كان أول ما فعلته بعد وصول الجيش أنها نامت طوال اليوم. إنها جملة تختصر معنى الأمان أكثر من أي خطاب سياسي.

تقول دعاء إنها الآن تحاول أن تتعلم من جديد كيف تمشي من دون خوف، وكيف تضحك وتفرح بصورة طبيعية، وتتحدث بسعادة عن طفلها الرضيع وهو يشاهد الإضاءة بعد عودة الكهرباء التي انقطعت عنهم لفترة طويلة.

أثناء استماعي إلى البرنامج مرت على بالي خاطرتان. الأولى هي ذلك الإحساس العميق بالأمان والراحة الذي كان يُعبّر عنه المدنيون في كل منطقة عاد إليها الجيش. والثانية هي تعبير العائدين عن فرحتهم البالغة، وعزيمتهم على البناء وتعمير ما دُمر.

دعاء ليست الوحيدة من شباب «ثورة ديسمبر» الذين اختاروا البقاء في بلدهم بعد اندلاع الحرب، بل هناك أيضاً من تطوع للقتال في صفوف الجيش. قصص هؤلاء تقف على النقيض من مواقف وخطاب الذين يتاجرون اليوم باسم الثورة، ويهاجمون الجيش في كل شاردة وواردة، ويسعون إلى إضعافه خدمة لأهدافهم في الصراع العدمي الذي لا يفرق بين الوطن وحمايته، وبين صراعات السياسة.

كما أن دعاء ليست استثناء عندما تحدثت عن الإحساس بالأمان في المناطق التي عادت إلى سيطرة الجيش. فما أكثر المشاهد التي رأيناها لمواطنين يُعبّرون عن فرحتهم بوصول الجيش وتحرير مناطقهم من سيطرة «الدعم السريع»، أو لطوابير من الفارين من مناطق سيطرة هذه القوات والمتجهين نحو مناطق الجيش بحثاً عن الحماية والإحساس بالأمان.

ولذلك ليس مستغرباً أن تشكلت فجوة نفسية واسعة بين غالبية السودانيين و«قوات الدعم السريع» بعد كل الانتهاكات التي ارتكبتها، والخراب الذي أحدثته إبان الحرب. وقد ظهر ذلك بوضوح في الجدل الواسع والمخاوف التي أثارها ظهور بعض الأفراد بزي «قوات الدعم السريع» في شوارع الخرطوم وأم درمان بعد انشقاق النور القبة، أحد قادتها البارزين، وانضمامه بقواته إلى صفوف الجيش. فمع إدراك دوافع الجيش في استقبال قادة منشقين من «قوات الدعم السريع» التي تزداد مظاهر تصدعها يوماً بعد آخر، إلا أن قطاعات واسعة من السودانيين لا تخفي مخاوفها من رؤية مجندي هذه القوات في العاصمة مرة أخرى، ولا تريد تكرار الخطأ الذي ارتكبه نظام الرئيس السابق عمر البشير عندما جاء بهذه القوات إلى الخرطوم ظناً منه أنها ستكون حماية له، فكانت وبالاً على نظامه وعلى السودانيين.

ما يريده السودانيون اليوم هو عاصمة خالية من السلاح والمظاهر العسكرية، ليس فقط كون ذلك من مظاهر الأمن المطلوب لتشجيع العودة، بل لأنه أحد أهم الدروس من هذه الحرب.

الحياة تعود تدريجياً إلى الخرطوم، ومعها يعود الأمل بأن السودان قادر على التعافي من آثار هذا الكابوس. هناك من دون شك أصوات تحاول بث الإحباط، أو التشكيك في جدوى العودة، لكن تأثيرها يبدو آخذاً في التراجع أمام مشاهد الناس وهم يعودون إلى بيوتهم، وأمام صمود أولئك الذين اختاروا البقاء في أصعب الظروف.