دين بول وبين بوكانان
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

أميركا والصين وبينهما الذكاء الاصطناعي

استمع إلى المقالة

ينتمي كل منا إلى حزب مختلف، وقد تولينا توجيه سياسات الذكاء الاصطناعي في ظل إدارات رئاسية متباينة تماماً. ومع ذلك، فإننا نتفق على أمر واحد: لقد أصبح الذكاء الاصطناعي من القوة بحيث بات يشكل - إلى جانب وعوده الهائلة - مخاطر مباشرة. وبينما تتنافس الولايات المتحدة مع قوى أخرى للسيطرة على مستقبل هذه التقنية، تفتقر أميركا حتى الآن إلى خطة قوية لحمايتها من أخطارها الجسيمة.

ثمة خطوات واضحة يمكن للحكومة الأميركية اتخاذها، وبإمكان كلا الحزبين - الجمهوري والديمقراطي - الاتفاق عليها، بيد أن واشنطن تفتقر إلى عنصر الاستعجال؛ فما لم نغير مسارنا، ستتجاوز أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرة الحكومة الأميركية - المشتتة والمتصلبة - على إدارة تطويرها. ونحن نؤمن بأن الولايات المتحدة يمكنها تلافي هذا الإخفاق السياسي من خلال التبني السريع لمخطط استراتيجي للذكاء الاصطناعي يحظى بدعم القادة من مختلف الأطياف السياسية.

ليس من قبيل المبالغة القول إن الذكاء الاصطناعي قد يكون إحدى أهم التقنيات في تاريخ جنسنا البشري. ففي بداية رئاسة جو بايدن، كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي بالكاد تستطيع صياغة فقرات متماسكة، أما اليوم فهي تحقق نتائج تتفوق على الخبراء البشر في مجموعة واسعة من الاختبارات. ونتوقع أن تستمر هذه الأنظمة في التطور بشكل كبير؛ لتساعد الباحثين في تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قوة؛ ما يُسرّع من وتيرة التقدم.

وقد أظهر الإعلان الأخير من شركة «أنثروبيك» عن نموذجها «كلود ميثوس بريفيو» مدى القوة التي وصلت إليها هذه الأدوات. إذ ذكر مطورو النموذج أن «ميثوس» يمكنه اكتشاف أخطاء دقيقة في الأكواد البرمجية، وقد وجد بالفعل آلاف الثغرات الخطيرة في التطبيقات الأساسية التي تشغل أجهزة الكمبيوتر وشبكة الإنترنت. وبعض هذه الثغرات يعود تاريخه لعقود من الزمن، كامنة في أكواد كان يُعتقد لفترة طويلة أنها سليمة. وإذا وقع «ميثوس» أو خلفاؤه في الأيدي الخطأ، فسيسمح ذلك باختراق البرمجيات الحيوية والبنية التحتية الأساسية في جميع أنحاء الولايات المتحدة؛ ما يهدد شبكات الطاقة وأنظمة تقنية المعلومات في المستشفيات والنظام المصرفي. (يُذكر أن الدكتور بوكانان يعمل مستشاراً خارجياً لشركة «أنثروبيك»).

كما أن نموذج «جي بي تي 5.4» من شركة «أوبن إيه آي» يتفوق الآن باستمرار على خبراء الفيروسات الحاصلين على درجة الدكتوراه في حل مشكلات التجارب المخبرية في مجالات تخصصهم، في حين يضاهي «ميثوس» كبار الخبراء البشر في بعض القدرات الضرورية لإنتاج الأسلحة البيولوجية ونشرها.

وعلى نحو مماثل، تمتلك أنظمة الذكاء الاصطناعي قدرات قوية ومتنامية في علوم المواد، وتطوير البرمجيات، والعمليات الصناعية، وكلها ركائز أساسية لتصميم وإنتاج أنواع شتى من الأسلحة الجديدة. وفي الصراع الدائر بأوكرانيا، شرع الذكاء الاصطناعي في منح الأسلحة نفسها قدرة أكبر على التحكم الذاتي. وخلال عملنا في الحكومة، حاول كل منا دفع الولايات المتحدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أوسع في عملياتها العسكرية والاستخباراتية، مع وضع الضوابط المناسبة.

أما الصين، فلديها طموحات موثقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي لاكتساب ميزة عسكرية واستخباراتية. فلو كانت الصين هي من اخترع «ميثوس»، لكانت بالتأكيد قد استخدمت هذه الأداة للعثور على نقاط الضعف في أنظمة الحكومة الأميركية والبنى التحتية الحيوية الأخرى. وقد شهد الأدميرال الأميركي المسؤول عن قيادة منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بأن الحكومة الصينية ستستخدم «بلا شك» الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم لتعزيز قدراتها القتالية وتهديد القوات الأميركية.

في الوقت الراهن، تمتلك الولايات المتحدة والديمقراطيات الحليفة الأفضلية، حيث تنتج قوة حوسبة تقترب من 100 ضعف ما تنتجه الصين. وبصفة أساسية، تُدرب كل أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم تقريباً باستخدام الرقائق الأميركية التي يُهرب بعضها إلى الصين. وما دامت الولايات المتحدة محافظة على تفوقها في مجال الحوسبة، فبإمكانها الاستمرار في قيادة العالم في مضمار الذكاء الاصطناعي.

وللحفاظ على هذا التقدم؛ يتعين على الحكومة الأميركية تشديد الرقابة على التقنيات الحيوية التي تحتاج إليها الصين لسد الفجوة. ويشمل ذلك تعزيز وفرض قيود التصدير على رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة (أي رقاقة بمستوى «إنفيديا إتش 200»، وهي أقوى رقاقة سمح الرئيس ترمب ببيعها للمشترين الصينيين)، والتصدي لعمليات التهريب الصينية عبر إلزام المشترين الأجانب لكميات كبيرة من الرقائق بالحصول على تراخيص قبل الاستلام. كما يعني ذلك قطع الطريق على قدرة الصين على الالتفاف على حظر تصدير الرقائق من خلال شراء مساحات زمنية للعمل على رقائق محظورة مثبتة في منشآت خارج حدودها والوصول إليها عن بُعد، وهي ممارسة لا تخضع لأي قيود حالياً. كما يستلزم الأمر تشديد الرقابة على معدات تصنيع الرقائق، بما في ذلك المعدات المنتجة في الخارج باستخدام التكنولوجيا الأميركية.

سيتعين على الولايات المتحدة التعاون مع الصين والمنافسين الآخرين بشأن المخاطر الكارثية التي تهدد المجتمع بأسره، مثل احتمال استخدام الإرهابيين للأسلحة البيولوجية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي هذه المفاوضات، ستشتكي الصين بلا شك من أن القيود الأميركية تعيق تقدمها، لكن الولايات المتحدة سبق لها أن أبرمت مراراً اتفاقيات مع دول معادية للسيطرة على استخدام وانتشار تقنيات خطيرة أخرى، مثل الأسلحة النووية، في الوقت الذي استمرت فيه بحرمانها من الوصول إلى الأنظمة الأميركية الأكثر تطوراً. ويجب على إدارة ترمب والكونغرس اتباع النهج نفسه مع الذكاء الاصطناعي.

وبينما يحمي القادة التفوق التكنولوجي الأميركي، يتعين عليهم أيضاً وضع ضمانات مناسبة لتطوير الذكاء الاصطناعي. وكحد أدنى، يجب على الكونغرس فرض عمليات تدقيق لمزاعم وعمليات السلامة الخاصة بمطوري الذكاء الاصطناعي، على أن تُجرى بواسطة هيئات خبراء مستقلة تخضع لإشراف حكومي. كما سيتعين على المشرعين الفيدراليين حماية سلامة الأطفال من خلال وضع حدود عمرية وأنظمة للرقابة الأبوية. وقد يواجه الكونغرس أيضاً ضغوطاً للاستجابة لخطر تسبب الذكاء الاصطناعي في فقدان الوظائف أو انخفاض قيمة العمل البشري والإبداع، حتى وإن كانت هذه العواقب تظل افتراضية إلى حد كبير اليوم.

لقد بدأت الحكومة بالكاد في استيعاب التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي. حيث أنشأت إدارة بايدن «معهد سلامة الذكاء الاصطناعي»، والذي رغم تغيير اسمه، يحتل موقعاً بارزاً في «خطة عمل الذكاء الاصطناعي» الخاصة بإدارة ترمب. وقد ظل هذا المعهد يترنح بلا مدير لأشهر عدة، وهو يحتاج بشكل عاجل إلى موارد وخبرات إضافية. أما الكونغرس، فقد فعل أقل مما فعلته إدارة ترمب، حيث لم يمرر أي قانون لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي أو للسيطرة على وصول الصين إلى التكنولوجيا التي تحتاج إليها للحاق بالركب.

لذا فإن التعاون بين الحزبين بشأن الذكاء الاصطناعي يمثل ضرورة استراتيجية. فالأرضية المشتركة التي وجدناها هنا ليست شاملة لكل شيء - فكل منا، بطريقته الخاصة، يريد القيام بالمزيد - لكنها حقيقية، وهي كافية للبناء عليها.

* خدمة «نيويورك تايمز»