عندما انتصرت الثورة في إيران عام 1979، جاءت بنظام مركَّب يمزج بين «الجمهورية» و«الإسلامية» والقرار السيادي فيه يُتخَذ بعد مباركة «القائد»، حسب نظرية «ولاية الفقيه العامة»، التي هي في نظر الخميني، تعد امتداداً لمعظم صلاحيات «الإمام الغائب»، وهو بالتالي يمتلك شرعية فقهية وأيضاً قانونية حسب الدستور الإيراني الجديد.
من هنا، عمل المشرعون على صياغة أنظمة وآليات تضمن تحقيق رؤية الخميني، دستورياً، بحيث تكون مؤسسات دولة منتخبة شعبياً وفي الوقت ذاته خاضعة لإشراف «الولي الفقيه» كونه من يمتلك الشرعية الدينية.
هذه المؤسسات كان عدد منها معنيّاً باتخاذ القرارات الأكثر مصيرية، خصوصاً المتعلقة بالحرب والسلم والعلاقات الخارجية. وعليه، لا يمكن فهم السياسات الإيرانية تجاه دول الخليج العربي والولايات المتحدة من خلال وزارة الخارجية وحدها، لأنها جزء من شبكة متداخلة من المؤسسات المعنية بصناعة وتنفيذ القرار.
الدستور الإيراني لا يضع القرار الخارجي في يد جهاز دبلوماسي منفرد، ولا يمنح رئيس الجمهورية سلطة مطلقة في الشؤون السيادية، إنَّما يوزع الاختصاصات ضمن بنية هرمية تنتهي عند «المرشد الأعلى» وتعمل عبر مجلس الأمن القومي ومؤسسات عسكرية ومجالس مصلحية وتشريعية، ثم تظهر إلى الخارج بلغة وزارة الخارجية.
النقطة الحاكمة في هذا البناء هي المادة 110 من الدستور الإيراني، فهو يمنح «القائد» صلاحية «تحديد السياسات العامة للنظام» بعد التشاور مع «مجلس تشخيص مصلحة النظام» وأيضاً «الإشراف على حسن تنفيذها»، إضافةً إلى «القيادة العامة للقوات المسلحة» و«إعلان الحرب والسلم والتعبئة» وتعيين قائد «الحرس الثوري» وكبار القادة العسكريين، مما يجعل «المرشد الأعلى» له مركز الثقل في الدولة، حسب «الدستور».
رئيس الجمهورية وفق المادة 113، هو أعلى مسؤول رسمي بعد «القائد» ورئيس السلطة التنفيذية، مع استثناء واضح يتعلق بـ«الأمور المرتبطة مباشرةً بالقيادة». فالرئيس يدير الحكومة ويمثل الدولة تنفيذياً، حيث ينسِّق الوزراء ويرأس «المجلس الأعلى للأمن القومي» مانحاً السياسة وجهاً مدنياً. غير أن الملفات الكبرى من الحرب والسلم، إلى العلاقة مع واشنطن، والبرنامج النووي، والردع الإقليمي، تدخل سريعاً في نطاق صلاحيات «القائد» بالتشاور مع المؤسسات المعنية.
المؤسسة الأكثر أهمية في تحويل التوجيه العام لـ«مرشد الثورة» إلى قرار عملي، هي «المجلس الأعلى للأمن القومي».
دستورياً، المادة 176 تنص على أن غاية «المجلس» تتمثل في «تأمين المصالح الوطنية وحراسة الثورة الإسلامية ووحدة الأراضي والسيادة الوطنية». فيما وظائفه تتمحور حول تحديد السياسات الدفاعية - الأمنية، ضمن السياسات العامة التي يحددها «القائد» وتنسيق الأنشطة السياسية والاستخبارية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية المتصلة بالتدابير الدفاعية - الأمنية، وأيضاً تعبئة إمكانات الدولة لمواجهة التهديدات.
تركيبة «المجلس الأعلى للأمن القومي» غاية في التشابك، فهي تتألف من جهات عدة أهمها: رؤساء السلطات الثلاث (رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وقائد «الحرس الثوري»، وقائد الجيش)، وممثلان يختارهما «القائد»، ووزراء الخارجية والداخلية والاستخبارات والدفاع، وأيضاً الأمين العام لـ«المجلس».
«المجلس» الذي يتولى أمانته حالياً محمد باقر ذو القدر، دوره محوري في «تحديد سياسات الأمن القومي والسياسة الدفاعية»، إلا أن قراراته لا تصبح قابلة للتنفيذ إلا بعد «تأييد مقام القيادة» وفق الدستور.
أما وزارة الخارجية فتأتي في مستوى آخر، فهي «تتولى تنفيذ السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية». مما يعني أن الوزارة لا تصنع السقف السياسي الأعلى، إنما تنفذ وتنسِّق وتدير العلاقات السياسية. لذلك قد يظهر وزير الخارجية وهو يطرح مبادرة أو يشرح موقفاً، لكن قوة موقفه تتكشفُ بمدى توافقه مع قرار «المجلس الأعلى للأمن القومي» وموافقة «المرشد الأعلى».
ماذا عن «الحرس الثوري» الذي برز بوضوح كجهة فاعلة في الحرب الأخيرة، بوصفه المؤسسة التي تمنح النظام قوته الصلبة؟!
دستورياً، ووفق المادة 150، مهمة «الحرس» هي «حراسة الثورة ومنجزاتها». إلا أن «الحرس الثوري» في السياسة الخارجية لا يتصرف بوصفه جهة دبلوماسية رسمية، لكنه يصبح حاضراً عندما يكون الموضوع مرتبطاً بالردع والوكلاء والصواريخ بعيدة المدى والممرات البحرية، وهذا ما برز بشكل جليّ في الحرب الأخيرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
هذا التداخل الشائك، خصوصاً بعد «الضبابية» التي نشأت إثر اغتيال المرشد السابق علي خامنئي، وعدم ظهور خليفته مجتبى خامنئي علانيةً حتى الساعة، جعلت آلية صنع القرار الحالي في إيران أكثر تعقيداً، مع تركيز أكبر على دور «الحرس الثوري»، إلا أن المكانة التي يتبوأها «الحرس» رغم تقدمها، لم تصيِّرهُ الجهة الحصرية لصناعة القرار، بل هنالك «مكتب المرشد» الذي يترأسه «القائد»، وبالتالي فإن التعاون والتشاور بين «المكتب» و«الحرس الثوري» و«المجلس الأعلى للأمن القومي» وشخصية محورية تم تقديمها خارجياً في الآونة الأخيرة وهي رئيس «مجلس الشورى الإسلامي» محمد باقر قاليباف، هذا المزيج هو من يصنع «القرار» الذي يباركه ويوجهه مجتبى خامنئي، وتنفذه وزارة الخارجية.
مستقبل إيران بعد الحرب سيتوقف على التوازن بين هذه الجهات. فإن بقي القرار مركَّزاً في الدائرة الأمنية الضيقة، سيزداد تشدد التفاوض وتضعف المرونة السياسية. وإن استعاد المسار الدبلوماسي مساحة أكبر داخل «المجلس الأعلى للأمن القومي» فقد تظهر تسويات مرحلية، لا تغيِّر طبيعة «النظام»، لكنها تُخفِّف تكلفة الحرب وتفتح أمام حلول تدريجية ممكنة للملفات الأكثر إلحاحاً: مضيق هرمز، والبرنامج النووي، والصواريخ الباليستية، والميليشيات المسلحة، والسلوك الإيراني العدائي تجاه دول الجوار العربي.
