مصطفى فحص
كاتب وناشط سياسي لبناني. حاصل على الماجستير في الدراسات الإقليمية. خبير في السياسة الخارجية لروسيا بالشرق الأوسط. متابع للشأنين الإيراني والعراقي. وهو زميل سابق في «معهد العلاقات الدولية - موسكو (MGIMO)». رئيس «جائزة هاني فحص للحوار والتعددية».
TT

لبنان والدولة و«الثنائي»

استمع إلى المقالة

بين الدولةِ الطبيعية والدولة الموازية التي تقوم مقامَ الأولى، خصوصاً الوظيفية، نجح الثنائي الشيعي («حزب الله» وحركة أمل) في تكريس الطائفية الوظيفية، في تكرارٍ مشوَّهٍ لنماذجَ لبنانيةٍ سابقةٍ وفاشلة. والحقيقة أنَّ تصرّف الثنائي في لحظة صعوده القصوى لم يكن خروجاً عن القاعدةِ في التجارب اللبنانية، ولكن السؤال المُلحّ: لماذا الإصرارُ على تكرار أخطاء من سبقوه؟

السؤال الشيعي في لبنان يُطرح الآن نتيجة لمحطتين أساسيتين على المستويين الاجتماعي، والسياسي، الداخلي والخارجي: الأولى «انتفاضة 17 تشرين» بوصفها متحوّلاً جمعيّاً لبنانيّاً لم يكتمل، والثانية عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول)، وتداعياتها المستمرة لبنانياً، وإقليمياً. لذلك، فإن السؤال الشيعي المُلحّ، بكافة مستوياته، الشيعي-الشيعي، أو الشيعي-الوطني، أو الشيعي-الخارجي، يتقدّم على السؤال اللبناني الدائم منذ تأسيس الكيان، أي المسألة الشيعية.

إذا كان الوعي الشيعي العام في لبنان قد تأسّس على عقدة التهميش، التي بالغتِ النخبُ السياسية الشيعية، وريثة العائلة السياسية واليسار، في استغلالها، حيث استخدمت حركةُ أمل، ما بعد اختطاف موسى الصدر، شعارَ الحرمان، و«حزب الله» شعار المستضعفين، في بسط نفوذهما، والاستئثار الكامل بقرار الطائفة؛ إلا أنهما لم يتوخّيا الحذر من أن تحويل هذين الشعارين من حالة مطلبية إلى أداة قوة سينقلب إلى أزمة في العلاقة مع الجماعات الأخرى، وإلى معضلة في عمل الدولة. ففائض القوة خارج الدولة لم يحلّ الارتباك الشيعي، ولم يعالج مسألتهم، بل أعاد إنتاج الخلل من جديد بدل أن يصحّحه.

في الانتباه المبكر للسؤال الشيعي، حاول هاني فحص معالجة الارتياب الشيعي من الدولة. فهو، وإن أقرّ بتاريخ التهميش الذي عاناه الشيعة، رفض تحويل الطائفة إلى كيان مغلق، أو بديل عن الدولة. بالنسبة له، لا يمكن للشيعة أن يكتملوا سياسيّاً خارج الدولة، ولا يمكن للدولة أن تستقر من دون اندماجهم الكامل فيها كمواطنين، لا كمكوّن منفصل.

وفي هذا السياق، يتقاطع فحص مع ما يسميه المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي «البارادايم المكوناتي»، أي تحوّل الطوائف إلى كيانات سياسية مكتفية بذاتها، تتقدّم على فكرة الوطن. في هذا النموذج، لا يُعرَّف الفرد كمواطن، بل كعضو في مكوّن، وتُقاس حقوقه بمدى انتمائه، لا بصفته الإنسانية، والقانونية. وهكذا تتراجع الدولة من كونها بيتاً جامعاً إلى ساحة تقاسم بين جماعات.

إذا كانت هناك مسألة شيعية في لبنان، فإن الأصح للشيعة ولبنان حلّها وطنيّاً. أمَّا السؤال الشيعي في لبنان، وفي تغريبته الحالية، فإنَّ السؤال الأول يتوجّه إليهم مباشرة، قبل سؤال الآخرين عنهم، أو من أجلهم، ويتحمّل الثنائي الشيعي الحاكم حصراً مسؤولية الإجابة عن هذا السؤال.

من الإجحاف التشكيك في الانتماء النهائي للجماعة الشيعية للبنان، لكن المسؤولية تقع على عاتق أولياء أمورهم اليوم في تمسّكهم بما يمكن وصفه بـ«الوطنية المشروطة»، التي يمكن تفسيرها باعتبارات ما فوق المواطنة، أي الانتماء الهوياتي الخاص للجماعة، والذي يغذّي لديها شعوراً متوهَّماً بالتفوّق، ويعتمد على فكرة الغلبة الدائمة، والذي يتحوّل إلى انغلاق، وتمترس عقائدي عند استشعار الخسارة.

لذلك، فإنَّ السؤال الشيعي العام في لبنان لا يمكن تحويله إلى مواجهة مع الدولة، بل حاجته الآن أن يكون إعادة تعريف للعلاقة معها. أما الخاص، فهو سؤال عن الجغرافيا وخسارتها، عن محو الذاكرة الجنوبية الممنهج، عن خسارة الأرواح، والعمران، والأرزاق، ومخاطر الشتات؛ والسؤال عمّا نريده كجماعة، وعمّا نستطيعه كطائفة. وهنا يبرز سؤال الهوية، والشراكة، والدور، والخيارات، وعن المقاومة الدائمة، وتقديمها بديلاً عن مرجعية الدولة.