د. عبد الله فيصل آل ربح
أكاديمي سعودي, أستاذ مشارك لعلم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية جراند فالي الأميركية, وزميل أبحاث غير مقيم بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن العاصمة. نشر العديد من الأبحاث المحكمة في دوريات رصينة, إضافة لنشره لعدة دراسات في مراكز الفكر بواشنطن. ومن أهم إصداراته كتاب «المملكة العربية السعودية في الصحافة الأنجلو: تغطية المملكة في القرن العشرين»
TT

الخليج بعد إعادة ترتيب الردع

استمع إلى المقالة

تدخلُ منطقةُ الشرقِ الأوسط مرحلةً حاسمةً تتَّسم بإعادةِ هندسةِ التَّوازنات الجيوسياسية، لا سيَّما في أعقابِ التَّطوراتِ المتسارعةِ في مسار العلاقات الأميركية - الإيرانية، وما رافقَها من تحولاتٍ في عقيدةِ الرَّدع التي تتبنَّاها واشنطن. هذا المشهدُ المعقَّد، الذي تتداخل فيه الدبلوماسيةُ مع التَّلويح المستمرّ بالقوةِ الخشنة، يضعُ دولَ الخليجِ العربي أمامَ استحقاقاتٍ استراتيجيةٍ تتطلَّبُ قراءةً متأنية، ومقاربةً تجمع بينَ البراغماتية السّياسية والجاهزيةِ العسكريةِ المتقدمة.

في قلبِ هذه التَّحولات، تبرزُ المملكةُ العربيةُ السعوديةُ نموذجاً لعقلانيةِ الدولةِ الحديثة التي تتقن إدارةَ الأزمات الإقليمية عبرَ مساراتٍ متوازية. فمن جهة، تقودُ الرياض جهوداً دبلوماسيةً حثيثة لخفض التَّصعيد، انطلاقاً من إدراكٍ عميق أنَّ استدامةَ التَّنمية والمشاريع الوطنية الكبرى تتطلَّب بيئةً آمنةً ومستقرة. التَّهدئة هنَا ليست خياراً تفرضُه الضرورةُ اللحظية أو ردة فعل تكتيكية، بل هي استراتيجية مؤسسية تهدفُ إلى تفكيكِ بؤر التوتر، وتجفيفِ منابع الذرائع التي تقتات عليها الميليشياتُ والفواعلُ غير الدولتيةِ لتبرير وجودِها خارج إطار مؤسساتِ الدولة.

لكنَّ هذه العقلانيةَ الدبلوماسيةَ الرَّصينة لا تعني بأي حال الركونَ إلى وهمِ الاستقرار الدائم. فالسيولةُ الأمنيةُ التي تفرضُها طبيعة الحروب غير المتماثلة اليوم، تجعلُ من الجاهزيةِ للسيناريوهات الأسوأ أمراً حتميّاً. تدرك القيادةُ السعودية أنَّ الرَّدعَ الحقيقي والمستدام في حقبة ما بعد الحداثة العسكرية، ينبع في الأساس من الداخل الوطني. لذلك، يسير مسار التهدئة الدبلوماسية جنباً إلى جنب مع مسار صارم لتعزيز قدراتِ الردع الذاتي، وذلك عبر توطينِ الصّناعاتِ العسكرية، وتطويرِ منظوماتِ الدفاع الجوي والأمن السيبراني، وتنويع الشراكات الاستراتيجية.

إنَّ المشهد الراهن يجسّد صراعاً أعمقَ بين مفهومين متناقضين: مفهوم الدولةِ الوطنية التي تحتكر أدواتِ القوة الشرعية، وتسعى للبناء والتكامل الاقتصادي لتلبية تطلعات مواطنيها، ومفهوم اللادولة، حيث تسعى الجماعاتُ المسلحة العابرة للحدود إلى استثمار الفوضى وتفتيت الهوياتِ الوطنية لصالح ولاءات فرعية. وفي هذا السياق، يمكن فهم التحركاتِ السعودية بأنَّها سعي دؤوبٌ لمأسسةِ الاستقرار الإقليمي، وإعادة الاعتبارِ لسيادة الدول، وتحجيمِ قدرة الأطراف التخريبية على اختطاف القرار السياسي في الدّول الهشة.

في المحصلة، يقف الخليجُ اليوم على أرضٍ صلبة، مدفوعاً برؤية استراتيجية توازن ببراعة بين اليد الدبلوماسية الممدودة لبناء جسور الاستقرار، والدرعِ العسكرية المتطورة القادرة على حماية السيادة الوطنية. إنَّها مرحلةُ إعادة ترتيب الردع، حيث يثبت النموذجُ السعودي أنَّ صونَ الأوطان في الأزمات المعقدة لا يتحقّق إلا بامتلاك القدرةِ على صناعة السَّلام، والجاهزية التَّامة والمطلقةِ لفرض الانضباط إذا ما تطلَّب الأمر.