الإجابة المختصرة: ليس تماماً. الإجابة المطوَّلة: ربما، مع قليل من المساعدة!
قد يكون الذكاء الاصطناعي مذهلاً، لكن التكنولوجيا الكامنة وراءه تبدو وكأنَّها أكثرُ من مجرد وحش. فهو يلتهم كلَّ الكلمات في العالم، من المدونات إلى الكتب، وغالباً دون إذن. كما أنَّه يستهلك كميةً هائلة من الطاقة، تعادل ما تنتجه غابات بأكملها، لتحويل المادة الخام إلى نماذجه، ويستخدم مليارات الغالونات من الماء لتبريده. هذه الصفات نفسها التي نلاحظها في «غودزيلا»، لكنَّها موزَّعة بطريقة مدهشة. أليس من الطبيعي أن نجد كلمة «كايجو» اليابانية، أي «الوحش الغريب»، تحتوي على كلمة «إيه آي» (الذكاء الاصطناعي) في وسطها؟
ولم يوصلنا الجشع وحده إلى هنا، بل كانت الأخلاق أيضاً جزءاً من السبب. فقد اعتقد مؤسسو مختبرات الذكاء الاصطناعي الضخمة، بتفاؤلهم المفرط، أن السبيل الوحيد لإيقاف تهديد ذكاء اصطناعي فائق قد يقضي على البشرية هو ابتكار ذكاء اصطناعي «متوافق» مع البشر ويظل ودوداً تجاههم. فكما يمكن لـ«غودزيلا» ودود أن يوقف «غودزيلا» شريراً قبل أن يصل إلى خليج طوكيو، يمكن لهذا الذكاء الاصطناعي حماية البشر من تهديده المحتمل. وقد اجتمع سام ألتمان وإيلون ماسك وآخرون لتأسيس ما سمّوه فريق الدفاع العالمي، وأطلقوا عليه اسم «أوبن إيه آي». وأنشأوا فرقاً للسلامة، حيث أمضى الموظفون أيامهم في اختبار هذه الروبوتات (برامج الدردشة الآلية) للتأكد من أنها لن تُحدث كارثة عند تشغيلها. وكان داريو أمودي أحد رؤساء فرق السلامة في «أوبن إيه آي»، وقد غادر في عام 2020 للمساعدة في تأسيس شركة أكثر «توافقاً» مع البشر، أطلقوا عليها اسم أنتيروبك.
لكن الشركات تظل شركات، وفي نهاية المطاف يُتوقع منها تحقيق الربح. وقد تتراجع الأهداف الإنسانية أمام المقاييس القائمة على البيانات. وصحيح أن فكرة فعل الخير قد تجمع الجميع، غير أن «الخير» ينتهي في كثير من الأحيان إلى حدود متنازع عليها، حيث يقف أشخاص غاضبون على جانبيها. فقد ترغب شركة الذكاء الاصطناعي في فعل الخير، لكنها لا تستطيع القيام بذلك بمفردها؛ فهي بحاجة إلى توجيه واضح عبر القواعد واللوائح.
وقد انبثق جزء كبير من الفكر المبكر للذكاء الاصطناعي من حركة «الإيثار الفعَّال»، التي تدعو إلى تعظيم الخير الممكن تحقيقه عبر العمل الخيري المبني على البحث العلمي.
وتركز هذه الآيديولوجية على منع التهديدات طويلة المدى للبشرية. على سبيل المثال، إذا اعتقدت أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح واعياً بذاته بما يكفي لتعديل نفسه ويصبح «أكثر ذكاءً»، فقد تتخيل أنه قد يسعى للهيمنة على جميع الموارد الرقمية في العالم.
ماذا يمكنك أن تفعل، أيها الشخص الذكي والمهووس بالتكنولوجيا، لإيقاف هذا التهديد؟ هناك خيار واحد فقط: ابنِ ذكاءك الخارق أولاً واجعله جيداً، مثلك تماماً. مهما كانت أساليبك، ستبدو لك مشروعة، سواء بابتكار مخططات للعملات المشفرة، أو انتهاك قوانين حقوق النشر لتغذية نموذجك بكل النصوص المقرصنة على الإنترنت، أو إحداث خلل في سوق العمل، أو حتى رفع درجة حرارة الأرض. إن منع كارثة الذكاء الاصطناعي أمر بالغ الأهمية ولا يحتمل التأجيل.
قبل عشر سنوات، كان هذا موضوع نقاش شائع في وادي السيليكون، تجربة فكرية ضخمة ومكلفة، حيث كان أشخاص مثل إيلون ماسك وستيفن هوكينغ يبدون آراءهم حول كيفية بناء الذكاء الاصطناعي ليخدم البشرية.
ثم، في أواخر عام 2022، بدأ الناس يدركون أن «شات جي بي إس» قادر على أداء الواجبات المدرسية، مما أدى إلى انفجار الأرباح بشكل هائل.
والآن، يستخدم ما يقرب من مليار شخص «شات جي بي إس». وما يبدو في البداية كقنبلة اقتصادية بقيمة تريليونات الدولارات قد انفجر بالفعل في العالم. وترى الأصوات الأكثر تأثيراً أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إما إلى تدمير سوق العمل، مسبباً واقعاً بلا وظائف، أو إلى خلق يوتوبيا خالية من الوظائف أيضاً، أو أنه سيُكشف قريباً كعملية احتيال ضخمة وفقاعة اقتصادية.
ومع مرور الوقت، تظهر معارك جديدة حول ما يُسمح لهذه الشركات بفعله وما لا يُسمح به. فقد قامت شركة أنتيروبك بمقاضاة معظم الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك وزارة الحرب، بينما يقاضي ماسك شركة «أوبن إيه آي»، وتُقاضي صحيفة «نيويورك تايمز» شركتي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت».
إن سلسلة الدعاوى القضائية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ضخمة إلى درجة أنك قد تحتاج إلى الذكاء الاصطناعي نفسه لتتبعها. وقد وصل السخط الشعبي إلى ذروته، وغالباً ما يتركز على تزايد مراكز البيانات المنتشرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة. وقد ذهب الأمر إلى حد قيام أحدهم بإحراق منزل عائلة ألتمان، وهو ما يُعدُّ نتيجةً مقلقةً لحركة أخلاقية تهدف أصلاً إلى حماية الإنسانية.
وعلى مدى ثلاثة عقود من متابعة قطاع التكنولوجيا ونمو الشركات الكبرى من فرق صغيرة إلى قوى عالمية، لاحظت نمطاً واحداً: الأخلاق لا تتناسب مع حجم الشركات. إذ تبدأ شركات التكنولوجيا برسالة محددة؛ «غوغل» أرادت ربط معلومات العالم، و«مايكروسوفت» أرادت وضع جهاز كمبيوتر على كل مكتب، و«تويتر» أرادت منح الجميع منصة لنشر أفكارهم.
هذه أفكار جيدة تصلح لأن تُعرض وتناقش في مؤتمرات «تيد». لكن مع وصول ملايين المستخدمين بأفكارهم ومعتقداتهم الخاصة، ينتهي بك الأمر، بصفتك مؤسساً لشركة تقنية، إلى بذل جهد هائل لإلزام المستخدمين بالقواعد ومنعهم من مخالفة القانون. وتتدفق عليك الدعاوى القضائية، متهمةً إياك بالخطأ، وبعضها ببساطة لأنك هدف سهل.
وفي الوقت نفسه، تتدفق الأموال بغزارة، وتبدأ الشركة بشفافية، لكن قبل الاكتتاب العام، يصبح الالتزام بفترة الصمت التي تفرضها هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أمراً لا مفر منه. وبعد ذلك، لا تعود الشفافية كما كانت. يطالب السوق بارتفاع سعر السهم، ولا تزال الشركة تنتج الكثير من البرمجيات، غير أن جزءاً كبيراً من وقتها ومواردها يُخصص لاستراتيجيات الضرائب والامتثال للأنظمة.
ثم يبدأ الناس بالتداخل، ويتحوَّل المستخدمون إلى مجرد إحصاءات ومؤشرات نمو متذبذبة، أشبه بالتربة التي تُزرع فيها المنتجات.
وتتمحور ثقافة التكنولوجيا الأميركية حول مصطلحين رئيسيين: الابتكار الجذري والتوسع. غير أن الأخلاقيات تُشكّل قيوداً على كل من الابتكار الجذري والتوسع. فالمنظمات الملتزمة بالأخلاقيات التزاماً كاملاً، مثل نظام العدالة الأميركي، والجمعية الطبية الأميركية، تمتلك حدوداً صارمة للتوسُّع. قواعدها راسخة، ومتطلبات الخدمة فيها صارمة وشاقة لدرجة أن قلةً فقط من الأشخاص مؤهلون للوفاء بها. وتشمل عقوبات المخالفين فقدان الترخيص المهني أو الشطب من سجل المحامين.
وقد يحمل العاملون في صناعة البرمجيات شهادات مرموقة، وغالباً ما يكونون أشخاصاً طيبين، لكنهم يرتجلون في عملهم، فلا يؤدون قسماً رسمياً، وشهاداتهم غير رسمية، ولا يمكن معاقبتهم إلا بالفصل من العمل.
وقد سعت «أوبن إيه آي» في البداية لأن تكون مؤسسة خيرية بطبيعتها، أي مؤسسة غير ربحية. لكنها صادفت كنزاً رقمياً ثميناً في شكل نماذج اللغة الضخمة. ومن أجل تطوير هذه التقنية، خاضت الشركة تحولاً صعباً ومعقداً لتصبح شركة ربحية.
وتؤكد «أوبن إيه آي» أن ذراعها الربحي لا يزال تحت إشراف الكيان الأصلي غير الربحي. وقد كان مستوى الدراما الناتجة عن هذا التحول صعباً للغاية. فقبل عدة سنوات، دعا ألتمان علناً إلى تنظيم قطاع الذكاء الاصطناعي، ولا يزال يطالب بذلك، غير أن «أوبن إيه آي» مارست ضغوطاً ضد بعض القوانين.
ومع ذلك، فإن التنظيم يخدم بلا شك مصلحة كل من الولايات المتحدة وشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى نفسها.
دعوني أضيف مصطلحين آخرين يستحقان المعرفة: «غوغل زيرو» و«انهيار النموذج». ويشير مصطلح «غوغل زيرو»، الذي صاغه نيلاي باتيل، رئيس تحرير موقع «ذا فيرغو»، إلى الحالة التي تتوقف فيها «غوغل» عن توجيه الزيارات إلى مواقع الويب، وتكتفي بتقديم إجابة مباشرة من الذكاء الاصطناعي. وعندما يحدث ذلك، تقل زيارات المواقع، وتتباطأ مبيعات الإعلانات، وتنخفض الأرباح، وقد يؤدي ذلك إلى تقليل كمية المحتوى المُنتَج.
أما مصطلح «انهيار النموذج»، فيشير إلى الحالة التي تنفد فيها المعرفة التي تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي استيعابها. فما الذي يحدث بعد ذلك؟ هل تعيد النماذج تحليل بياناتها السابقة لتستخلص منها إجابات جديدة، أم أنها تتوقف عن العمل ببساطة؟
ويحرص رواد وادي السيليكون على القول إن «البيانات هي النفط الجديد». وهذه المقولة صحيحة من ناحيتين: فالبيانات ثمينة، وفي الوقت نفسه تُعد سلعة يمكن تداولها. كما أن هذه الأدوات الحديثة للذكاء الاصطناعي تشكّل بنية تحتية أساسية.
وفي هذا العالم الجديد، ثمة العديد من القضايا التي تستدعي التنظيم، مثل التزييف العميق، ومسؤولية الذكاء الاصطناعي، وقواعد حقوق النشر، والتحيّز في النماذج، والتكاليف البيئية. كما سيكون من الضروري حماية الملكية الرقمية المشتركة، وتحفيز الناس على الكتابة والمشاركة عبر الإنترنت. لذلك، سيكون هناك حاجة إلى مشروع قانون شامل للذكاء الاصطناعي، ومن المرجح أن يلجأ الكونغرس إلى استخدام «شات جي بي إس» للمساعدة في صياغته.
* خدمة «نيويورك تايمز»
