إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

بين تركة ثقيلة من «الفائض البشري» وتحديات «الإدارة والحوكمة»

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.


مقالات ذات صلة

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: دمشق سلمتنا 34 صندوقاً

المشرق العربي وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو (أرشيفية)

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: دمشق سلمتنا 34 صندوقاً

قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن السلطات السورية سلمتها 34 صندوقاً تحتوي على وثائق جارٍ العمل على تحليلها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك - لندن)
شمال افريقيا جانب من لقاء مسؤولي خارجيتي الجزائر وسوريا (الخارجية الجزائرية)

ملفات «مهمة وثقيلة» تتصدّر مباحثات مسؤولي الجزائر وسوريا

يبحث وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، بالجزائر، منذ الأربعاء، ملفات مهمة مع المسؤولين الجزائريين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي لاجئون سوريون في ألمانيا (أرشيفية - د.ب.أ)

ألمانيا تمنح الجنسية لعدد غير مسبوق... والسوريون في الصدارة

‌أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي في ألمانيا أن البلاد منحت الجنسية ​لعدد غير مسبوق العام الماضي وشكّل السوريون المجموعة الأكبر للسنة الخامسة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)

خاص سوريا الجديدة تحسم هويتها الاقتصادية: «الشراكة» بديلاً عن الخصخصة في مسار التعافي

حسمت سوريا الجدل حول هوية نظامها المالي والاستثماري الجديد؛ متبنيةً مسار «الشراكة الاستراتيجية» بين القطاعين العام والخاص كبديل جذري لخيار الخصخصة المطلقة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الإفراج عن دفعة من معتقلين منتسبين لـ«قسد» يوم 8 مايو الماضي (إعلام محافظة الحسكة)

«الأسايش» تعلن بدء حملة تشديدات أمنية واسعة في الحسكة

أعلنت قوى «الأسايش» التابعة لـ«قسد» في محافظة الحسكة، الأربعاء، بدء حملة تشديد أمني واسعة في المحافظة بالتنسيق مع قوى الأمن السوري.

سعاد جرَوس (دمشق)

ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
TT

ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)

معظم أهل الشرق الأوسط ولدوا بعد ذلك التاريخ. يغيب عن بالهم أنه ترك بصماته المكلفة على بلدانهم واستقرارهم وأيامهم. أنجب عواصف وحروباً وزعامات تجاوزت أحلامها وأخطارها حدود الخرائط التي أطلت منها. وثمة من يعتقد بوجود رابط حقيقي بين ذلك التاريخ وما يشهده مضيق هرمز حالياً بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وترسانتها.

إننا نتحدث عن عام 1979 الذي يصعب العثور بعده على عام ينافسه في أهميته أو خطورته. في ذلك العام نزلت طائرة الخميني في طهران آتية من باريس. لم يتأخر مفاعل الثورة الإيرانية في إرسال إشعاعاته خصوصاً بعد تكريس مبدأ «ولاية الفقيه».

وفيه أيضاً سقط قصر الرئاسة العراقي في يد الرجل القوي صدام حسين ودفع الرئيس أحمد حسن البكر إلى التقاعد تحت أوجاع الشيخوخة، وربما الندم.

وفي العام نفسه وقّع الرئيس المصري أنور السادات اتفاق كامب ديفيد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في واشنطن برعاية الرئيس جيمي كارتر.

وستختلط تلك التطورات بحدث دولي كبير. ارتكب القيصر الروسي ليونيد بريجنيف خطيئة غزو أفغانستان. وقع في الفخ ومن صفوف المقاتلين هناك سيخرج أسامة بن لادن الذي سيفتتح لاحقاً القرن الجديد بـ«غزوتي نيويورك وواشنطن» ممهداً الطريق من دون أن يقصد لاقتلاع نظام صدام حسين.

في 16 يناير (كانون الثاني) 1979 كان المشهد معبراً. على دوي الاحتجاجات والتظاهرات غادر الشاه محمد رضا بهلوي بلاده وتركها في عهدة حكومة شهبور بختيار. حاول المحيطون به تقديم المغادرة في صورة «إجازة» لكنها كانت في الواقع بطاقة سفر بلا عودة بعدما تخلى الحليف الأميركي عن حليفه.

الخميني مع قادة في المعارضة الإيرانية في مقر إقامته في بونتشارتران (غرب باريس) عام 1978(أ.ف.ب)

لن يتأخر المشهد - المنعطف في الحدوث. ففي اليوم الأول من فبراير (شباط) هبطت في مطار مهرباد طائرة آتية من باريس تحمل زائراً غير عادي هو آية الله روح الله الخميني بعد أربعة عشر عاماً في المنفى. كان الاستقبال الحاشد صريحاً في رسالته. سقط نظام الشاه وانتصرت الثورة.

راقب أصحاب القرار في المنطقة والعالم المشهد وكان أكثرهم قلقاً «السيد النائب» في عراق «البعث» واسمه صدام حسين. ستتسارع التطورات في طهران مع إعلان «الجمهورية الإسلامية» وتكريس مبدأ ولاية الفقيه وتضمين الدستور نصاً يؤكد «تصدير الثورة» بحجة «نصرة المستضعفين».

صدام يرفض اغتيال الخميني

كان يمكن لكل ذلك ألا يحدث أو أن يحدث بطريقة أخرى. خلال إقامته في النجف كان الخميني صعباً ويحاول دائماً التفلت من الضوابط التي تفرضها شروط الاستضافة. في 6 مارس (آذار) 1975 وقع محمد رضا بهلوي وصدام حسين اتفاق الجزائر برعاية الرئيس هواري بومدين. وكان مقرراً بعد التوقيع أن يمتنع كل طرف عن دعم معارضي الطرف الآخر.

راجعت الأجهزة العراقية الخميني لكنه كان يتنصل عملياً من التعهد بالامتناع عن أي نشاط ضد نظام الشاه. ذات يوم اقترحت الأجهزة على صدام ترتيب عملية اغتيال للخميني واتهام أجهزة الشاه بالوقوف وراءها. وكانت المفاجأة أن صدام استغرب العرض قائلاً: «ألا يعرف أصحاب هذا الاقتراح أن العراق لا يغدر بضيوفه». هكذا بقي الخميني حياً.

قنبلة في وسادة المرشد

تغيرت الأشياء بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، وتحوّل اغتيال الخميني هاجساً يلازم مدير المخابرات العراقية برزان التكريتي. ولم يكن الوصول إلى الخميني سهلاً لكن إيران لم تكن في 1981 أحكمت بناء مؤسساتها الأمنية. أقامت المخابرات العراقية علاقات مع «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» و«مجاهدي خلق» ونسقت عملية تفجير كبرى لمجلس الشورى الإيراني قتلت عشرات القياديين وتبعها استهداف علي خامنئي بعبوة وضعت في آلة تسجيل وأدت إلى إصابته في يده.

ألح برزان على استهداف الخميني وتمكنت الأجهزة من الوصول إلى رجل دين مقرب منه وزرعت عبوة صغيرة في وسادة الوبر التي تخصه لكن العبوة انفجرت وهو بعيد عنها. وقد سمعتُ هذه الرواية من سالم الجميلي مدير شعبة أميركا في جهاز المخابرات العراقي في عهد صدام.

لعبت المصادفات دورها في رحلة الخميني. لم يكن أمامه غير الانصياع لرغبة الدولة العراقية بمغادرتها. في باريس وبعد انشقاقه عن نظام بشار الأسد، قال النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام إن مقربين من الخميني حاولوا استمزاجه حول إمكان مجيء الخميني إلى سوريا. وأوضح خدام أن الرئيس حافظ الأسد لم يكن في وارد قبول زائر من هذا النوع يمكن أن تتسبب إقامته ليس فقط في أزمة بين العراق وسوريا بل ربما في حرب بينهما.

لهذا أسديت إلى المقربين نصيحة باستكشاف إمكان قبول الجزائر باستضافة الخميني. لم يتحمس الرجل المعني للفكرة معتبراً أن الجزائر بعيدة وأن القيود قد تكون شديدة. ويقول خدام إنه فوجئ بقبول فرنسا باستضافة الخميني وتوفير منبر دولي له. خلال إقامته في «نوفل لو شاتو» توافد كثيرون لزيارته.

حاولت السطات العراقية اختبار نوايا الرجل الذي أثبت قدرته على تحريك الشارع الإيراني عبر التسجيلات التي كان أنصاره يوزعونها سراً. كان علي باوه المسؤول في المخابرات العراقية عن العلاقة مع الخميني خلال إقامته في العراق وكان يقدم له التسهيلات. من هنا ولدت فكرة إرسال علي باوه إلى باريس.

ويقول رجال المخابرات في عهد صدام إن باوه اصطحب معه شخصاً آخر يرتدي ساعة قادرة على تسجيل المحادثة. استقبل الخميني الزائرين من دون أن يظهر أي مرونة. سأله الزائر عن برنامجه للمرحلة المقبلة فرد بعبارة تشبه القنبلة. قال إنه بعد إسقاط الشاه سيكون الهدف التالي «إسقاط نظام البعث الكافر».

هاجس صدام «ولاية الفقيه»

حين أطل الخميني من طهران محاطاً بحشود غير مسبوقة أدرك السيد النائب أن العاصفة لن تتأخر في الهبوب على العراق. قال أحد الذين عملوا في قصر الرئاسة العراقي إن المسألة التي استوقفت صدام طويلاً وأقلقته هي مسألة «ولاية الفقيه» التي بلورها الخميني.

صدام حسين يتفقد جنوداً في شمال العراق خلال الحرب مع إيران عام 1980 (غيتي)

اعتبر صدام أن «ولاية الفقيه» تعني أن من حق شخص غير عراقي أن يطالب العراقي الشيعي بالولاء له. ورأى في ذلك اختراقاً يهدد وحدة العراق. احتفظ صدام في مكتبه بكراس صغير عن الولي الفقيه وصلاحياته كما يفهمها الخميني. في سبتمبر (أيلول) 1980 استقبل وزير الدولة للشؤون الخارجية حامد الجبوري ودار الحديث عن إيران وأعطاه الكراس.

شعر صدام أن الحرب آتية وأن الخميني يريد فتح الطريق للتوغل في العالم العربي عبر إسقاط الجدار العراقي. اعتبر أنه إذا اختار الانتظار سيضطر إلى مقاتلة النظام الإيراني الجديد في شوارع بغداد إن لم يبادر إلى قتاله على الحدود بين البلدين وعبرها. وهناك من يعتقد أن الشعور باقتراب الحرب زاد قناعة صدام بأن العراق يحتاج في قصر الرئاسة إلى صانع القرار الكبير، وأن إحالة الرئيس أحمد حسن البكر إلى «التقاعد» صارت ضرورية.

بعد عودة «البعث» إلى السلطة في 1968 اختار صدام موقع «الرجل الثاني» للإفادة من شرعية البكر في الجيش والحزب وبانتظار استكمال إعادة صياغة المؤسسات العسكرية والمدنية تحت زعامة القائد الجديد. في 16 يوليو (تموز) 1979 سقط البكر كثمرة ناضجة بعدما كان تحول منذ سنوات أسيراً برتبة رئيس للجمهورية. بدأ عهد صدام.

ويروي الجبوري أن إشكالاً حصل بينه وبين صدام في 1974 فقصد قصر الرئاسة واستقبله البكر. قال للرئيس إنه جاء لتقديم استقالته وسأتركه يروي: نهض البكر وأشار إلى كرسيه قائلاً: «أبول على كرسي رئاسة الجمهورية التي لا تحفظ حتى كرامة الرئيس». عاد البكر إلى كرسيه وظهرت الدموع في عينيه، وقال: «الاستقالة شيلها من ذهنك. ليس باستطاعتي قبول استقالتك. من يقبل استقالتي أنا؟ نحن أسرى ولا نملك حق الاستقالة».

«سنكسر رؤوس الإيرانيين»

اتخذ صدام حسين قرار الحرب على إيران قبل توليه الرئاسة. كان صلاح عمر العلي إلى جانب صدام حين حاصر القياديون «البعثيون» قصر الرئيس عبد الرحمن عارف في 1968، وأرغموه على المغادرة. دخل مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب «البعث» وتولى مسؤوليات وزارية.

في سبتمبر 1979 شارك صدام الرئيس في قمة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الكوبية. استقبل الرئيس العراقي وزير خارجية إيران الخمينية إبراهيم يزدي. كان الحديث بناء وإيجابياً على رغم الإشكالات المتكررة على حدود البلدين.

أسرى حرب إيرانيون ينتظرون دورهم للحصول على الطعام في معسكر اعتقال بالرمادي خلال الحرب العراقية - الإيرانية عام 1987 (غيتي)

يقول صلاح العلي إن رغبة راودته في تعميق المناخ الإيجابي فتحدث إلى صدام الذي خرج بعد الاجتماع إلى الحديقة. شدد العلي على أهمية الحلول السلمية للخلافات وضرورة التركيز على التنمية. استمع صدام بانتباه ثم رد قائلاً: «يا صلاح انتبه هذه الفرصة قد لا تتاح إلا مرة كل مائة سنة. الفرصة متاحة اليوم. سنكسر رؤوس الإيرانيين وسنعيد كل شبر احتلوه وسنعيد شط العرب». وأضاف بلهجة حازمة: «هذا الكلام عن حل سلمي وحل إنساني وتصفية المشاكل مع إيران لا أريده أن يتكرر على لسانك إطلاقاً. حضر نفسك في الأمم المتحدة. اسمع ما أقوله لك. سأكسر رؤوس الإيرانيين وأرجع كل شبر من المحمرة إلى شط العرب». وبعد عام من لقاء هافانا سيطلق صدام حربه على إيران.

شعر صدام حسين بالقلق من «ولاية الفقيه» والصدى الذي يمكن أن تتركه لدى الشيعة العراقيين. لاحظ أن ثورة الخميني وضعت أميركا في موقع العدو. وأن الاتحاد السوفياتي يقلق من امتداد الرياح الإيرانية إلى بعض جمهورياته الإسلامية. وأن دول الخليج العربي مستهدفة هي الأخرى من قبل الثورة الخمينية. رأى في الحرب على إيران مهمة قومية لا بد من أن تحظى بتعاطف عربي ودولي، وأن العراق وحده يستطيع كسر الموجة التي تهدد المنطقة واستقرارها.

رجل آخر شعر بأن ثورة الخميني ستهز المنطقة وخرائطها هو الملك حسين. اعتقد صدام أن تفكك الجيش الإيراني سيوفر له فرصة النصر السريع، خصوصاً وأن إيران كانت تعيش مرحلة مخاض واضطراب. أساء تقدير رد فعل الإيراني العادي على دخول الجيش العراقي الأراضي الإيرانية وامتزاج المشاعر القومية بالدينية.

في بدايات الحرب دعت وزارة الإعلام العراقية مؤسسات صحافية لمواكبة ما يجري. أوفدتني «النهار» اللبنانية. كان لا بد من التوجه إلى عمان ومنها براً إلى بغداد. نظمت وزارة الإعلام رحلة إلى البصرة. وخلال وجودنا هناك أغارت الطائرات الإيرانية على أطرافها. سمح لنا المنظمون بالدخول إلى الأراضي الإيرانية التي اجتاحها الجيش العراقي. وفي بلدة مهران الحدودية شاهدت جنديين عراقيين يقتادان رجلاً إيرانياً إلى «مكان آمن»، كما قالوا، بعدما بدت على وجهه أمارات الرعب. سألت نفسي في تلك اللحظة عما سيحدث للعراق حين يتيسر لإيران أن تثأر. وقد أتيحت لها الفرصة لاحقاً.

لم تتحقق أحلام صدام من الحرب التي شنها على إيران. فلا النظام سقط ولا البلاد تفككت. رسخ الخميني بلا رحمة نظام «الولي الفقيه» من دون أي شريك من كوكتيل القوى التي ساهمت في إسقاط نظام الشاه. كان أفضل ما حصل عليه صدام هو اتفاق لوقف النار. ابتهج لأنه عاش حتى سمع الخميني يتحدث عن تجرع السم. لكن حين بلغه نبأ وفاته أمر بعدم إبداء الابتهاج لأن «الشماتة ليست من عاداتنا».

وزير الدفاع ورئيس الأركان آخر من يعلم

في السنوات اللاحقة تلقت إيران سلسلة هدايا. أحياناً يكاد الصحافي لا يصدق ما يسمع. كان الفريق أول ركن نزار الخزرجي رئيساً لأركان الجيش العراقي وسأتركه يروي قليلاً عن الغزو العراقي للكويت في صيف 1990. قال: «كنت نائماً في منزلي ليلة الأحداث. اتصل بي في الصباح الباكر سكرتير عام القيادة العامة الفريق علاء الجنابي وطلب أن أذهب إلى القيادة العامة وحين دخلت مكتبه قال: أكملنا احتلال الكويت. سألته كيف؟ فرد: الحرس الجمهوري والقوة الجوية وطيران الجيش أنهوا احتلال الكويت. بعد ربع ساعة وصل وزير الدفاع عبد الجبار شنشل وتم إبلاغه بالطريقة نفسها. تصور أن الجيش يدفع في مغامرة من هذا النوع من دون علم وزير الدفاع ورئيس الأركان».

بعد ثلاثة أو أربعة أيام استدعى صدام كلاً من شنشل والخزرجي، وقال إنه لم يبلغهما كي تكون العملية مفاجئة ثم «إنني حررت الكويت بالقطعات التابعة لي مباشرة وليس قطعاتكم».

بئر نفطية أحرقتها القوات العراقية أثناء انسحابها من الكويت في فبراير (شباط) 1991 (غيتي)

اعتبر الخزرجي خطوة صدام سلوكاً متهوراً قاده إليه غرور الاعتقاد أنه خرج منتصراً من حربه مع إيران. جيش كبير يشعر بالانتصار وبلاد مثقلة بالديون وقائد يخطئ في قراءة موازين القوى. توهم صدام أن الغرب لن يعارض أن يكون قسم كبير من نفط المنطقة في يد رئيس قادر على صناعة الاستقرار وضمان تدفق النفط. ويقول الخزرجي إن صدام الذي كان معجباً بصلاح الدين وستالين قد يكون توهم أن أميركا ربما تقبل به شريكاً في شؤون المنطقة.

كانت الهدية كبيرة لورثة الخميني. انشغل العالم ومعه دول المنطقة بـ«الخطر العراقي» وتراجع اهتمامه بـ«الخطر الإيراني». أخرجت «عاصفة الصحراء» صدام من الكويت فأقام جريحاً ومحاصراً في حين كانت إيران تلتقط أنفاسها وتستعد لاستئناف مشروعها الكبير في الإقليم.

هدية أسامة بن لادن وجورج بوش

في 1979 بدأت قصص كثيرة وتشابكت. اجتاح «الجيش الأحمر» أفغانستان بذريعة إنقاذ النظام الموالي له. كانت المرة الأولى التي يخرج فيها الاتحاد السوفياتي جيشه في تدخل خارج مجال الكتلة الاشتراكية. دقت أجراس الإنذار في العواصم الغربية الكبرى. اتخذت أميركا قراراً صارماً بتدفيع الاتحاد السوفياتي ثمن ما فعل. توافد «المجاهدون» إلى أفغانستان من أنحاء مختلفة في العالم العربي والإسلامي. وستوظف أميركا التي شجعت «المجاهدين» وسلحت بعضهم مشاعر الغضب الإسلامي لاستهداف بلاد ستالين. وكان بين من توافدوا إلى أفغانستان شاب اسمه أسامة بن لادن ابن عائلة ثرية سعودية. وعلى أرض أفغانستان سيولد تنظيم «القاعدة».

في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 سيهتز العالم. نقل بن لادن حربه إلى الأرض الأميركية نفسها عبر «غزوتي واشنطن ونيويورك». استخدمت الطائرات المدنية في تدمير برجي مركز التجارة العالمي وسقط آلاف القتلى والجرحى. مشهد أخطر بكثير من «طوفان يحيى السنوار» وعواقبه أشد.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

أصيبت أميركا في صميم رموز هيبتها ونجاحها. وانتظر العالم رد الإمبراطورية الجريحة. هندس الرئيس جورج بوش الابن وبنصائح المؤسسة العسكرية والأمنية وتشجيع «المحافظين الجدد» رداً بدأ بإسقاط نظام «طالبان» في أفغانستان ثم انتقل ليشمل غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين.

رأى جنرالات «الحرس الثوري» أنفسهم أمام مشهد يصعب تصديقه. النظام الأفغاني المعادي لإيران أسقط على يد الأميركيين، والأمر نفسه بالنسبة لنظام صدام الذي كانت إيران فشلت في إسقاطه. ولم تتردد إيران في تسهيل إسقاط النظامين أو عدم عرقلة عملية الإسقاط على الأقل.

ابتهج النظام الإيراني بتساقط الأعداء من حوله لكنه رأى قوات «الشيطان الأكبر» ترابط على حدوده من جهتين. هنا ستبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الإيرانية - الأميركية. سيرعى ضباط من «فيلق القدس»، في مقدمهم قاسم سليماني، مهمة تقويض الوجود العسكري الأميركي خصوصاً في العراق ومن دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع أميركا.

ومن دون أن يقصد قدم أسامة بن لادن لإيران هدية ثمينة. انشغل العالم بعد «غزوتي واشنطن ونيويورك» بخطر «القاعدة»، ثم اتجهت أنظاره إلى خطر صدام الذي قامت آلة الاعلام الغربية بتضخيمه والمبالغة في خطورته على المنطقة والعالم. وساهم بن لادن أيضاً ومن دون أن يقصد في تبرير إسقاط نظام صدام.

وجهت إدارة بوش الابن إلى نظام صدام حسين اتهامات كثيرة لتبرير عمل عسكري حاسم ضده. اتهمته بالاستمرار في اقتناء أسلحة دمار شامل وعرقلة عمل المفتشين الدوليين. اتهمته أيضاً بأنه لم يطَلّق الحلم النووي، ويبدو أن حسين كامل صهر صدام أوحى خلال فترة انشقاقه أن النظام لم يتغير في هذين الملفين. لكن أخطر ما حدث هو محاولة إيجاد علاقة بين النظام العراقي السابق و«القاعدة»، تحديداً بين صدام حسين وأسامة بن لادن.

لم يقم أي تعاون بين نظام صدام و«القاعدة»، لكن الرئيس العراقي ارتكب خطأ استطلاع إمكان التعاون. خلال وجود أسامة بن لادن في الخرطوم وبوساطة من الزعيم الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي استقبل أسامة بن لادن مسؤولاً في المخابرات العراقية هو فاروق حجازي. كان النقاش طويلاً وصعباً. وبعد عودته نصح حجازي، صدام، بطي الصفحة وتوقفت الاتصالات. وقد سمعت هذه الرواية من سالم الجميلي مدير قسم أميركا في المخابرات العراقية آنذاك، وهو كان وراء أول محاولة اتصال مع بن لادن عبر وسيط سوري لكنها لم تنجح.

زيارة الأسد القلق

حدث آخر ترك بصماته على المرحلة اللاحقة. قبل أيام من الغزو الأميركي للعراق هبطت في طهران طائرة الرئيس السوري بشار الأسد. كان القلق من الحرب المقتربة العنوان الوحيد لمحادثاته مع الرئيس محمد خاتمي ولقائه المرشد علي خامنئي. اتفق الجانبان على أن أي استقرار للقوات الأميركية في العراق قد يشجعها على نقل التجربة إلى سوريا أو إيران. وهكذا اتفق على المسارعة إلى استنزاف الوجود الأميركي عبر «المقاومة». وشارك في بعض تلك اللقاءات الضابط الإيراني قاسم سليماني. واستناداً إلى ذلك الاتفاق راحت سوريا تسهل مرور «المجاهدين» والمقاومين إلى العراق، وراح سليماني يبني ببراعة شبكات المقاومة.

بشار الأسد مستقبلاً قاسم سليماني

راهنت إيران على الجغرافيا وربحت. وافقت على دخول حلفائها العراقيين مجلس الحكم والحكومات المتعاقبة خصوصاً بعد انتقال الصلاحيات إلى منصب رئيس الوزراء الذي بات بحكم العرف شيعياً. في ديسمبر (كانون الأول) 2011 انسحب آخر جندي أميركي من العراق، وتحولت إيران شريكاً لا بد منه في الشأن العراقي. ستحمل الحكومات العراقية بصمات سليماني وستحمل بصمات إسماعيل قاآني من بعده.

البغدادي والفتوى و«الحشد»

حدث آخر سيرسخ البصمات الإيرانية على المصير العراقي. في يوليو (تموز) 2014 أطل أبو بكر البغدادي زعيم «داعش» من الموصل التي كانت قد شهدت قبل أسابيع انهيار وحدات الجيش العراقي فيها. التقط قاسم سليماني الفرصة. أرسل فوراً شحنتي سلاح، واحدة إلى بغداد والأخرى إلى أربيل. أعلنت المرجعية العراقية ممثلة بآية الله السيستاني «الجهاد الكفائي»، ونجحت إيران في تحويله لاحقاً مبرراً لولادة «الحشد الشعبي» ثم تحويله مؤسسة شرعية تابعة لرئيس الوزراء بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة.

سليماني خلال إشرافه على عمليات في الموصل

وهكذا اكتمل تسرب إيران إلى البرلمان والحكومة والجيش و«الحشد». وقبل أسابيع أقدمت تنظيمات «ولائية» تقيم على أطراف «الحشد» على إطلاق صواريخها ومسيراتها في اتجاه الدول العربية في الخليج بذريعة تعرض إيران لهجوم أميركي - إسرائيلي. وبدا واضحاً أن إيران التي خسرت الجسر السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد ازدادت تمسكاً بالجار العراقي وبلبنان «حزب الله» الذي يضمن لها وجوداً على حدود إسرائيل وإطلالة على المتوسط. غيرت إيران ملامح العراق. وغيرت ملامح لبنان. وغيرت المشهدين الفلسطيني واليمني أيضاً.


أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
TT

أميركا واللقاحات: هل ينتصر مجتمع الشك على دولة العلم؟

عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)
عاملان من الصليب الأحمر بلباس عازل يحملان نعش طفل توفى جراء إصابته بـ«إيبولا» في الكونغو الديموقراطية في 24 مايو الحالي (رويترز)

في بلد يملك بعضاً من أضخم المختبرات الطبية في العالم، وأقوى شركات الدواء، وأكبر منظومات البحث والتطوير، يبدو التردد الأميركي المتصاعد حيال اللقاحات مفارقة صادمة. فالولايات المتحدة التي قادت سباقات إنتاج اللقاحات، ودفعت أحياناً نحو تسريع ترخيص علاجات وأدوية قبل دول غربية أخرى أكثر تحفظاً، تجد نفسها اليوم أمام عودة أمراض تشبه أمراض البلدان النامية، ويُفترض أنها صارت من ذاكرة الطب الوقائي في البلدان المتطورة. عودة الحصبة إلى الانتشار الواسع، وتجدد المخاوف من «إيبولا» وفيروسات أخرى مثل «هانتا»، لا تعكس أزمة وبائية فحسب، بل تكشف أيضاً أزمة ثقة بين العلم والمجتمع، وبين الدولة والمواطن، وبين السياسة والمؤسسات الصحية.

طفلان أميركيان ينظران عبر الزجاج إلى والدهما المصاب بـ«إيبولا» في غرفة الحجر الصحي في أحد مستشفيات برلين في 21 مايو الحالي (رويترز)

تزداد المفارقة حدّة اليوم في عهد إدارة الرئيس دونالد ترمب، إذ يتزامن القلق من موجات وبائية جديدة مع اتهامات للإدارة بأنها أضعفت أدوات الوقاية داخل الولايات المتحدة وخارجها. وهو ما تجلَّى بالفعل منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، عبر تقليص المساعدات الصحية الخارجية، وتفكيك أجزاء من بنية الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (يو إس إيد)، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتخفيض أدوار مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها.

وفي الداخل، جاء تسليم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية إلى روبرت إف. كينيدي جونيور، المعروف بتاريخ طويل من التشكيك في اللقاحات، ليحوّل النقاش الصحي إلى مواجهة سياسية وثقافية مفتوحة. وهذه ليست مجرد مسألة طبية، بل هي اختبار لمعنى الحرية الفردية حين يصبح قرار شخص واحد بعدم تلقي اللقاح خطراً على طفل رضيع، أو مريض سرطان، أو مجتمع بأكمله.

موكب يرافق سيارة إسعاف نقلت مسعفاً أميركياً أصيب بـ«إيبولا» في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتم نقله إلى برلين لإسعافه (رويترز)

عودة «الحصبة»: إنذار مبكر

يجمع الأطباء وعلماء الأمراض على أن «الحصبة» لا تحتاج إلى كثير من الثغرات كي تعود. فهي من أكثر الأمراض المعدية انتشاراً، ويكفي تراجع محدود في معدلات التلقيح كي تتحول حالة وافدة إلى بؤرة محلية.

ووفق بيانات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، سجَّلت الولايات المتحدة حتى 14 مايو (أيار) 2026 ما مجموعه 1893 إصابة مؤكدة بالحصبة في 40 ولاية أو نطاقاً صحياً، مع 27 تفشياً جديداً خلال العام، وارتباط 93 في المائة من الحالات بتفشيات قائمة. كما سجلت البلاد في عام 2025 ما مجموعه 2288 إصابة مؤكدة و48 تفشياً، مقارنة بـ285 إصابة فقط في عام 2024. هذه الأرقام لا تعني مجرد زيادة إحصائية، بل تشير إلى أن «درع المناعة الجماعية» بات مثقوباً في مناطق متعددة.

تزداد خطورة المؤشر لأن الولايات المتحدة كانت أعلنت القضاء على الانتقال المحلي المستمر للحصبة منذ عام 2000. لكن القضاء لا يعني اختفاء الفيروس من العالم، بل يعني أن النظام الصحي قادر على منع تحوله إلى سلسلة انتقال داخلية. وعندما تتراجع معدلات التطعيم، تسقط هذه القدرة.

ويشير مجلس العلاقات الخارجية إلى أن دولاً عدة فقدت أو باتت مهددة بفقدان وضع القضاء على الحصبة، بينها كندا ودول أوروبية وآسيوية، وأن الولايات المتحدة والمكسيك تواجهان خطر مراجعة وضعهما من منظمة الصحة للبلدان الأميركية.

طبيبة تشير إلى لقاحات ضد الحصبة بعد انتشار الوباء في لوبوك تكساس الأميركية في 5 مارس 2025 (رويترز)

وهنا المعيار العلمي واضح: يحتاج المجتمع إلى تلقيح نحو 95 في المائة من أفراده ضد الحصبة لتحقيق المناعة الجماعية. واللقاح نفسه ليس موضع شك علمي جدي؛ فمراكز مكافحة الأمراض تقول إن جرعة واحدة من لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية فعالة بنسبة 93 في المائة ضد الحصبة، وترتفع الفعالية إلى 97 في المائة بعد جرعتين. لكن المشكلة لا تكمن في توفر المعرفة، بل في تآكل الثقة بها.

بلد العلم... ومجتمع الشك

الانقسام الأميركي حول اللقاحات ليس جديداً، لكنه اتخذ بعد وباء «كوفيد - 19» طابعاً أكثر حزبية، مع تآكل الثقة في الإرشادات المتغيرة وتحول المعرفة الطبية إلى مادة في حرب ثقافية. في مراحل سابقة، كانت معارضة اللقاحات توجد داخل مجموعات دينية محافظة، أو تيارات «الطب الطبيعي»، أو أوساط ليبرالية قلقة من شركات الأدوية. لكن الوباء أعاد توزيع الخريطة: صارت الكمامة واللقاح والإغلاق وإلزامية التطعيم إشارات هوية سياسية، لا مجرد أدوات للصحة عامة فقط.

في استطلاع أجرته «بوليتيكو» عبر مؤسسة «بابليك فيرست» وشمل 3851 بالغاً، برزت شريحة واسعة من الأميركيين تشكك في سلامة اللقاحات، وتؤيد تقليل عدد الجرعات، وتميل إلى اعتبار حق الفرد في تقرير ما يدخل جسده أهم من منع انتشار المرض. كما أشار الاستطلاع إلى أن قرابة نصف البالغين يرون أن علم اللقاحات لا يزال موضع نقاش، أو أن فرض اللقاحات يسبب ضرراً.

أميركية تحمل لافتة كتب عليها «أمهات ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» خلال تجمع في واشنطن العاصمة في 22 أبريل 2025 (رويترز)

هذا المزاج لا ينفصل عن صعود حركة «لنجعل أميركا صحية مجدداً» المرتبطة سياسياً بكينيدي جونيور. فالحركة تمزج بين نقد شركات الدواء، والقلق من الأغذية المصنعة، والشك في المبيدات، ومعارضة جزء من سياسات اللقاحات. هذه التركيبة تمنحها جاذبية مزدوجة: فهي تخاطب ناخبين محافظين يرفضون تدخل الدولة، وناخبين غير محافظين يرتابون من نفوذ الشركات. لكن الخطر يظهر حين يتحول نقد مشروع للمصالح الدوائية إلى إنكار للأدلة العلمية الأساسية.

كينيدي يقحم السياسة في جدول التطعيم

تعيين كينيدي على رأس وزارة الصحة لم يكن تفصيلاً إدارياً. فالرجل بنى جزءاً كبيراً من حضوره العام على التشكيك في سلامة اللقاحات، رغم أن الادعاءات الأكثر شهرة عن علاقة اللقاحات بالتوحد دُحضت علمياً مراراً. ومع دخوله الوزارة، انتقل الخطاب من هامش القناعات السياسية إلى مركز القرار الصحي.

تقول «رويترز» إن مجموعات مرتبطة بحركة كينيدي دفعت باتجاه مشروعات قوانين مناهضة لإلزامية اللقاحات في ولايات عدة، لكن هذه المشروعات مُنيت بهزائم واسعة بعدما حشدت منظمات طبية وصحية، بينها الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، ضدها. اللافت أن هذه الهزائم حصلت حتى في ولايات جمهورية، ما يشير إلى أن القاعدة المحافظة ليست كتلة واحدة معادية للقاحات، وأن كثيراً من الناخبين يميزون بين الاعتراض على البيروقراطية وبين تفكيك متطلبات التطعيم المدرسي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الصحة المثير للجدل روبرت كينيدي متحدثاً عن أثر عقار تايلنول على الحوامل والتسبب في توحّد الأطفال وهو ما دحضته الأبحاث العلمية (رويترز)

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من الأثر السياسي للتشكيك الرسمي. فحين يسمع المواطن رسائل متناقضة من الدولة نفسها، يضعف الامتثال الطوعي. وحين يصبح وزير الصحة نفسه رمزاً لتيار يشكك في اللقاحات، فإن كل تفشٍّ جديد يتحول إلى معركة تأويل: هل السبب هو الهجرة والسفر العالمي؟ أم تراجع الثقة؟ أم خفض التمويل؟ أم الإعلام؟ في الواقع، كل هذه العوامل قد تتداخل، لكن القيادة الصحية مسؤولة عن تقليل الالتباس لا زيادته.

بين حرية الجسد وواجب الدولة

السؤال القانوني في قلب النقاش الأميركي هو: إلى أي حد تستطيع الدولة إلزام الفرد بإجراء طبي لحماية الآخرين؟ التاريخ الدستوري الأميركي يجيب من حيث المبدأ منذ قضية «جاكوبسون ضد ماساشوستس» عام 1905، حين أيَّدت المحكمة العليا سلطة الولاية في فرض التطعيم ضد الجدري باعتباره ممارسة مشروعة لـ«سلطة الشرطة» لحماية الصحة العامة. وتعود القضية إلى رفض القسّ السويدي هننغ جاكوبسون الامتثال لقانون في ولاية ماساشوستس يفرض التطعيم ضد الجدري أو دفع غرامة صغيرة. فطعن في القانون باسم الحرية الفردية، لكن المحكمة العليا رأت أن حق الفرد يتراجع عندما يهدد رفضه الصحة العامة. ورغم أن الحكم لم يقل إن الدولة تستطيع أن تفعل ما تشاء بجسد المواطن، لكنه أكد أن الحرية الفردية ليست مطلقة عندما يترتب على ممارستها خطر مباشر على المجتمع.

وزير الصحة الأميركي روبرت كينيدي متحدثاً في مؤتمر «ماها»: «فلنجعل أميركا صحية من جديد» في واشنطن العاصمة يوم 12 نوفمبر 2025 (رويترز)

منذ ذلك الوقت، قامت سياسات التطعيم المدرسي في الولايات المتحدة على منطق مشابه: لا تجبر الدولة عادة كل شخص بالقوة الجسدية على أخذ اللقاح، لكنها تربط الالتحاق بالمدارس العامة أو بعض الوظائف أو الأماكن الحساسة بمتطلبات صحية من بينها أن يكون المرء قد حصل على اللقاحات التي تُعد أساسية. وفي المقابل، أبقت الولايات على استثناءات طبية، وأحياناً دينية أو فلسفية. غير أن اتساع هذه الاستثناءات يحولها من ضمانة حقوقية إلى ثغرة وبائية. فالقانون لا يحمي الفرد من الدولة فقط، بل يحمي الضعفاء أيضاً من قرارات الآخرين.

هنا يكمن التوتر الأميركي العميق. فثقافة الحرية الفردية تجعل كثيرين يرون اللقاح قراراً شخصياً خالصاً، لكن الأمراض المعدية لا تعترف بهذا الفصل. رفض اللقاح ليس كرفض علاج لا يؤثر إلا في صاحبه؛ إنه قرار قد يفتح طريق العدوى أمام مجتمع كامل. لذلك، تصبح مسؤولية الدولة مزدوجة: أن تشرح وتقنع وتبني الثقة أولاً، وأن تستخدم الإلزام المتدرج عندما يهدد التردد الصحة العامة.

«إيبولا» يفضح الهشاشة

إذا كانت الحصبة تكشف ثغرات الداخل، فإن «إيبولا» يكشف هشاشة الجدار الخارجي للأمن الصحي الأميركي. التفشي الحالي في الكونغو وأوغندا، المرتبط بسلالة «بونديبوغيو» النادرة، أثار قلقاً خاصاً، لأنه لا يوجد لقاح مرخص أو علاج نوعي ضدها، بخلاف بعض سلالات «إيبولا» الأخرى. وأعلنت منظمة الصحة العالمية في 16 مايو (أيار) 2026 أن التفشي يشكل طارئة صحية عامة ذات قلق دولي، مع تأكيد حالات في الكونغو وأوغندا، ووجود مئات الحالات المشتبه بها ووفيات عديدة.

عمّال الصليب الأحمر يعقّمون محيط مستشفى بعد تسلّم جثة أحد المصابين بـ«إيبولا» في ولاية إيتوري في جمهورية الكونغو الديمقراطية في 21 مايو الحالي (رويترز)

كما أن طبيعة المنطقة تضيف المنطقة خطراً مضاعفاً. فإيتوري ومنطقة شرق الكونغو ليستا مجرد رقعة صحية، بل مساحة نزاع، وتعدين، وحركة حدودية، وضعف مؤسسات، وانعدام ثقة بين السكان والسلطات. وفي مثل هذه البيئات، لا يكفي إرسال معدات وقاية أو إنشاء عيادات عزل. فالاستجابة الفعالة تحتاج إلى تتبع مخالطين، ودفن آمن، ومختبرات، وعاملين محليين موثوقين، وشبكات إنذار مبكر. أي أن الأمن الصحي يبدأ قبل ظهور الحالة الأولى في مطار أميركي.

هنا تتصاعد الاتهامات لسياسات إدارة ترمب. فقد نقلت وسائل إعلام أميركية بينها «أكسيوس» و«بوليتيكو» و«واشنطن بوست» تحذيرات خبراء من أن تفكيك برامج «يو إس إيد»، والانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وتقليص دور مراكز مكافحة الأمراض في برامج عالمية، وجهت ضربة لبنية الرصد والاستجابة. كما نقلت عن لجنة الإنقاذ الدولية قولها إن خفض التمويل ترك المنطقة «مكشوفة بشكل خطير»، وإن ارتفاع الحالات يعكس أن أنظمة المراقبة بدأت تلاحق حالات تفشٍ كان جارياً على الأرجح منذ فترة.

إدارة ترمب ترد بأنها موَّلت عيادات علاجية وأرسلت معدات وتشغل تنسيقاً بين الوكالات. لكن الاعتراض الجوهري، بحسب خبراء، هو أن الاستجابة المتأخرة لا تعوض دائماً عن الوقاية المبكرة. في الأوبئة، الساعة الأولى قد تساوي أسابيع لاحقة من الجهد.

دمى من البالونات على شكل بيل غيتس ومدير عام «الصحة العالمية» تادروس جبريوس يحملان حقناً رفعها معارضون لسياسات المنظمة حيال الاستعداد للأوبئة أمام مبنى الجمعية العامة في جنيف في 19 مايو 2025 (أ.ف.ب)

«الحرية الطبية» والتكلفة الجماعية

تعتمد الحركات المناهضة للتلقيح الملزم على لغة جذابة: «حرية طبية»، و«حق الاختيار»، و«شفافية»، و«مقاومة نفوذ شركات الدواء». ولا يمكن إنكار أن جزءاً من هذه الأسئلة مشروع. تاريخ الدواء لا يخلو من تضارب مصالح، ومن تسويق عدواني، ومن إخفاقات رقابية. كما أن وباء «كوفيد-19» ترك في الذاكرة الأميركية شعوراً بالارتباك بسبب تبدل الإرشادات، والقيود الاجتماعية، والصراع بين العلماء والسياسيين.

لكن المشكلة تبدأ حين تُستخدم أخطاء المؤسسات لتقويض الطب الوقائي كله. فإصلاح الرقابة على شركات الدواء لا يعني إسقاط اللقاحات. والمطالبة بشفافية بيانات السلامة لا تعني مساواة الدراسات العلمية المُحكمة بمنشورات التضليل التي أغرقت وسائل التواصل الاجتماعي في ذلك الوقت. كما أن القلق من تسرع بعض الترخيص لا يبرر تجاهل لقاحات ثبتت فعاليتها لعقود. والكلفة هنا لا تقع بالتساوي. فالعائلات القادرة قد تؤخر اللقاح لكنها تملك أطباء ومعلومات ووسائل علاج. أما المجتمعات الفقيرة، والمدارس المكتظة، والمناطق الريفية، والمهاجرون، والأطفال غير المؤهلين طبياً للتطعيم، فيدفعون الثمن الأكبر. لذلك، فإن تراجع التطعيم ليس مجرد خيار فردي، بل يعمّق اللامساواة الصحية، بحسب الخبراء.

اللقاحات تحمي من تفشي الأوبئة والأمراض (أ.ف.ب)

دولة عظمى أمام سؤال الثقة

القضية في النهاية ليست ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك العلم؛ فهي تملكه لا شك. وليست ما إذا كانت تملك المال؛ فهي تملكه أيضاً، وإن اختلفت أولويات الإنفاق. السؤال هو ما إذا كانت تملك الثقة العامة اللازمة لتحويل العلم إلى سلوك جماعي.

لقد أظهرت هزائم مشروعات القوانين المناهضة للقاحات في ولايات عدة أن المجتمع الأميركي لم ينقلب بالكامل على التطعيم، وأن هناك مقاومة مؤسسية وشعبية لتفكيك متطلبات الصحة العامة. لكن أرقام الحصبة، وصعود الخطاب المشكك، وتسييس وزارة الصحة، وتراجع البنية العالمية للرصد، كلها تقول إن النظام الصحي الأميركي دخل مرحلة أكثر هشاشة.

طفل يتلقى جرعة من لقاح «كوفيد - 19» في بنسلفانيا أميركا في 11 سبتمبر 2025 (رويترز)

الأوبئة لا تبدأ عادة ككارثة شاملة. تبدأ بثغرة صغيرة: عائلة لم تطعم أطفالها، مقاطعة انخفضت فيها التغطية، عيادة أُغلق تمويلها، مختبر فقد موظفيه، أو رسالة سياسية زرعت الشك في لحظة حرجة. ومن هذه الثغرات تتسع الدائرة.

لذلك، لا تكفي العودة إلى خطاب تقني عن «سلامة اللقاح». المطلوب عقد اجتماعي صحي جديد: شفافية أكبر، ورقابة أقوى على شركات الدواء، واعتراف بأخطاء مرحلة «كوفيد»، وخطاب علمي أقل تعالياً، وحزم قانوني عندما يتحول الرفض الفردي إلى خطر عام. فأميركا لا تواجه نقصاً في اللقاحات بقدر ما تواجه نقصاً في الثقة، وهذه، في زمن الأوبئة، قد تكون العدوى الأخطر.


مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
TT

مستشفيات سوريّة تحولت أقبية تعذيب وتصفية: «تشرين العسكري» نموذجاً

لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)
لافتة الاستقبال عند مدخل مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق حيث جرت عمليات تعذيب وتصفية والتقطت صور قيصر (الشرق الأوسط)

جمعت «الشرق الأوسط» شهادات مؤلمة لناجين من عمليات «تصفية متعمّدة» كانت ترتكب بحقّ موقوفين معارضين في مشفى تشرين العسكري بدمشق ومشافٍ عسكرية أخرى خلال سنوات الثورة السورية، ورووا كيف كانت تتم عمليات التعذيب وأساليب القتل، وأبرزها «كسر العنق».

وأوقفت السلطات الأمنية السورية عشرات قيد التحقيق على خلفية تلك الجرائم، فيما لا يزال معظم المسؤولين عنها ومرتكبيها فارّين. وذكرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» أن المعطيات التي جمعتها تفيد بوجود شبكات منظمة من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، وتشمل عمليات استئصال الأعضاء والقتل المباشر.

يأتي ذلك وسط استمرار صدمة، يعيشها غالبية السوريين منذ مطلع الشهر الحالي، بعد نشر مقاطع فيديو وصور مسرّبة توثق تعذيب معتقلين داخل عدد من المواقع، من بينها مستشفى تشرين.

مدخل مستشفى تشرين العسكري قبل إعادة تسميته «مشفى دمشق العسكري» (أ.ف.ب)

أكبر تجمّع طبي

افتتح مشفى تشرين العسكري، الواقع في حي برزة شمال شرقي دمشق عام 1982، كأكبر تجمع طبي في سوريا، متضمناً أبنية حديثة، ويستقبل المدنيين كما العسكريين. وأصبح المشفى أحد أفضل المراكز التخصصية، إذ يضم أكثر من 36 قسماً وشعبة طبية تخصصية، وأجهزة حديثة خصوصاً لغسيل الكلى، وكادراً يناهز عدده 1600 بين أطباء وممرضين وإداريين وحراس.

وتتألف الهيكلية الإدارية في المستشفى من المدير العام، وهو ضابط برتبة عميد، ونائبين له، غالباً برتبة عميد أو عقيد، أحدهما للشؤون الفنية والطبية، وآخر للشؤون الإدارية، وضابط الأمن تتراوح رتبته من نقيب حتى عقيد، ورؤساء الشعب والأقسام برتب من مقدم حتى عميد، والأطباء الاختصاصيون والمقيمون من ملازم أول حتى عقيد، والكادر التمريضي، وهؤلاء ضباط صف، إضافة إلى العاملين من مجندين وعرفاء.

وبلغ عدد المشافي والمستوصفات العسكرية في عهد النظام السابق نحو 30 تابعة لـ«إدارة الخدمات الطبية العسكرية»، وموزعة على 14 محافظة، وأبرزها مستشفيات «تشرين» و«601» و«حرستا» في دمشق وريفها، ومشافي حلب وحمص واللاذقية.

ومنذ تسريب المقاطع المصورة والصور القديمة التي تبين أن المشافي العسكرية، ومنها تشرين، تحولت إلى «مسالخ بشرية» في عهد النظام السابق، يطالب الأهالي بالكشف عن أسماء مرتكبي الجرائم وإلقاء القبض عليهم ومحاسبتهم، وكشف مصير أحبتهم.

وعلمت «الشرق الأوسط» أنه تم توقيف نحو 40 طبيباً قيد التحقيق بينهم 3 رؤساء أقسام وشعب طبية، لكن وزارتي الدفاع والداخلية لم تردّا على أسئلة «الشرق الأوسط» حول الكوادر الطبية المتورطة وعدد من جرى توقيفهم.

سوريون يبحثون عن ذويهم المفقودين بين جثث عُثر عليها في سجن صيدنايا ونقلت إلى مشرحة مستشفى المجتهد في دمشق (أ.ف.ب)

قسم التصفية

كان الطبيب محمود رهبان ضابطاً برتبة عقيد ضمن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» السابقة، وهو من سكان دمشق، وتنقل خلال فترة خدمته في عدة مراكز طبية ومشافي عسكرية، آخرها «مشفى حلب». وتحدث رهبان لـ«الشرق الأوسط»، كيف تحولت مبانٍ من المستشفيات العسكرية، ومنها «تشرين»، في سنوات الثورة إلى فروع أمنية مصغّرة لا تتبع إدارة المستشفى، وإنما يفرز لها عناصر من الشرطة العسكرية يشرفون عليها.

والمبنى الصغير في مستشفى تشرين، كما في مستشفى حلب، مستقل كلياً عن المبنى العام الذي يعمل فيه الأطباء، ويأتيه المواطنون العاديون للعلاج.

وخلال السنوات الأولى للثورة، عمل رهبان برفقة مجموعة من الناشطين على إدخال أدوية ومواد طبية إلى حيي برزة والقابون، وكان ناشطاً ضمن تنسيقية مساكن برزة للثورة السورية واتحاد تنسيقيات دمشق.

وتم اعتقال رهبان بتهمة «تمويل أعمال إرهابية»، وأحيل إلى «محكمة الإرهاب»، ثم أودع سجن «صيدنايا» السيئ الصيت. وبعد توقيف استمر 75 يوماً أخلي سبيله، بقرار «منع محاكمة لعدم كفاية الأدلة»، بعدما دفع رهبان رشاوي كبيرة للمحققين وقاضي التحقيق للإفراج عنه.

ويشير رهبان إلى أنه عند مرض المعتقلين يتم إحالة غالبيتهم إلى «القسم الخاص» في مشفى تشرين. ويقول: «المعاملة كانت سيئة جداً، إذ كنا نتعرض للضرب بقوة، ونوصف بالإرهابيين والخونة من قبل الأطباء والكوادر الطبية الذين كان همّهم في بداية الثورة إظهار ولائهم المطلق للنظام».

عناصر من الدفاع المدني و«الخوذ البيضاء» يكتشفون مقابر جماعية في سوريا حيث تعرض أكثر من 100 ألف شخص للتعذيب والقتل منذ عام 2013 (أ.ف.ب)

تصفية بكسر الأعناق

على رغم شدة التعذيب في تلك المستشفيات، وخصوصاً «تشرين»، فإن هناك من قدر له أن ينجو منها، مثل العميد محمد منصور عمار، الذي كان يخدم في مطار «السين» العسكري بريف دمشق، مع انطلاق الثورة عام 2011، وجرى اعتقاله في صيدنايا بين 2014 و2022 بتهمة «تزويد الإرهابيين بالمعلومات».

يذكر عمار لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم تحويله إلى مستشفى تشرين 6 مرات خلال تلك السنوات. ويقول: «في كل مرة يكون عدد المحولين نحو 20 موقفاً، ولكن لا يعود منا أكثر من 3».

ويروي عمار كيف كانت تجري التصفيات، ويقول: «عناصر مفرزة الشرطة العسكرية جميعهم من (القبضايات)، يختارون كل يوم 10 معتقلين، ويأمرونهم بالاستلقاء على ظهورهم، ثم يأتي العنصر ويدوس بقوة على عنق الموقوف ليفارق الحياة بدقائق، بينما يجبرون من هم على قيد بتجميع الجثث عند باب المفرزة».

ويلفت إلى عدم الاكتراث الذي كان يبديه الطبيب الشرعي، ويقول: «لم يكن يدخل إلى المفرزة أو يعاين المرضى، بل يكتفي بسؤال المساعد من الباب بقرف عن عدد الجثث لتسجيلها». ويؤكد عمّار أنه خلال 4 مراجعات لمشفى تشرين شهد «تصفية نحو 45 موقوفاً بكسر أعناقهم».

صور مفقودين عُلقت على جدران مستشفى المزة العسكري - 601 في دمشق (الشرق الأوسط)

من الناجين أيضاً «إبراهيم علي الحمدان»، الذي كان برتبة ملازم أول مجند في جيش النظام السابق بدرعا، وانشق منتصف 2012، ليتم اعتقاله في دمشق في أغسطس (آب) 2012.

ويتحدث الحمدان لـ«الشرق الأوسط» بمرارة عن تعذيب شديد تعرض له على مدار شهر ونصف شهر في مشفى «حرستا». ويقول: «أرهق جسمي من التعذيب طوال 3 أسابيع، وقال لي مساعد اسمه (أبو الليث): هناك توصية من رئيس الفرع بذبحك... لأنك عوايني (مخبر) للجيش الحر». ويضيف: «جاءت لجنة طبية إلى القسم، وعندما كشف عليّ الطبيب وجد قدميّ متقيحتين من شدة الضرب، فقام بشقّ الورم بمشرط دون أي بنج أو معقمات، وراح يضغط عليهما».

ووفق الحمدان، أتى أبو الليث في أحد الأيام بموقوف، وكان معه طبيب وعنصران، وقاموا بتعذيبه بشدة لساعات، وبعدما استراحوا قليلاً عادوا لتعذيبه حتى منتصف الليل، ليفارق الحياة مع الفجر.

في يوليو (تموز) 2013، تم تحويل الحمدان إلى سجن صيدنايا. وخلال فترة اعتقاله تمت إحالته 47 مرة إلى «مشفى تشرين»، حيث بقي في إحدى المرات نحو 4 أشهر، وكان مصاباً بعدة أمراض.

يقول الحمدان: «أعطوني مصلاً فأصبت بارتفاع حرارة شديد، وشعرت أنني أفارق الحياة، حتى استفرغت دماً، بينما الأطباء يتحدثون بأنني قد أموت».

وبسبب حالته طلب طبيب نقل الحمدان إلى قسم العناية المشددة، لكن مدير القسم الطبي ردّ بالقول: «سيبقى بالنظارة حتى يموت... العناية المشددة لجرحى الحرب، وليست للخونة».

ويؤكد الحمدان، الذي خرج من «صيدنايا» أواخر عام 2020 بعد قضاء محكوميته، أن «المشفى كان مكاناً للإجهاز على المعتقلين، وليس معالجتهم، فخلال 4 أشهر لقّنت الشهادة لـ40 شخصاً قبل وفاتهم».

المدير التنفيذي لـ«رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، دياب سرّية، يقول: «ليس من الممكن ضمن المعطيات والظروف الحالية التأكد من أي أرقام للضحايا في مستشفى تشرين العسكري. لكنّنا نقدّر أعداد من دخلوا سجن صيدنايا بين عامي 2011 و2021 بنحو 39 ألف معتقل، بقي منهم نحو 6 آلاف على قيد الحياة». ويلفت سرّية في تقرير نشر عام 2023 إلى أن «جزءاً غير يسير ممن فقدوا حياتهم تم تحويلهم إلى مستشفى تشرين العسكري أحياءً، ثم ماتوا هناك»، موضحاً أنه «استطعنا توثيق 80 حالة فقط لأشخاصٍ عادوا من المستشفى إلى سجن صيدنايا على قيد الحياة، وذلك من أصل 1160 حالة موثقة داخل السجن».

الطبيب السوري المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية يخبئ وجهه عند دخوله قاعة المحكمة بفرانكفورت (أ.ف.ب)

مصير الجناة

في السياق، يوضح الطبيب رهبان أن «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة جرى «حلّها بالكامل، ومعظم المتورطين في تلك الجرائم على الأرجح هربوا خارج البلاد».

ويعدّ مدير إدارة الخدمات الطبية العسكرية السابق اللواء الطبيب عمار سليمان الذي كانت تربطه علاقة وثيقة مع بشار الأسد، المسؤول الأول عن عمليات التصفية التي كانت تحصل في تلك المشافي. ويرجح رهبان أن يكون سليمان «هرب إلى خارج البلاد، بينما جرى بعد شهرين أو 3 أشهر من التحرير توقيف العميد الطبيب نزار إسماعيل الذي كان يشغل مناصب نائب مدير (الإدارة)، ورئيس فرع الإمداد، ورئيس الفرع العلاجي فيها.

وتفيد معلومات بأن رئيسة قسم الضباط في (الإدارة) العقيد (لبنى علي)، هربت ليلة التحرير من مكتبها إلى بلدتها، ثم إلى خارج البلاد. أما ضابط أمن (الإدارة) العميد مازن إسكندر، فلا توجد أي معلومات عنه».

ووفق رهبان، كان اللواء الطبيب مفيد درويش، الذي شغل منصب مدير المشفى حتى سقوط النظام، يعلم بكل تفاصيل ما يجري في المستشفى، سواء في المبنى العام أو المبنى المعزول الخاص بالمعتقلين المرضى، ولكن تعامله كان سيئاً للغاية حتى مع الكادر الطبي العامل في المبنى العام (المدني). وبقي درويش في البلاد لفترة بسيطة بعد التحرير، ومن ثم غادر إلى الإمارات، في حين هناك أطباء جرى توقيفهم، ومن ثم إخلاء سبيلهم، منهم ضابط الأمن في مشفى تشرين، العميد الطبيب هاني سلوم.

وبالنسبة لرؤساء الأقسام والشعب الطبية في المبنى العام، يقول رهبان إنه «لم تكن لهم علاقة بما كان يجري في المبنى المنعزل»، لافتاً إلى أن أغلبيتهم أجروا تسوية وضع ومنحوا وثيقة تسوية بعد التأكد من أنهم غير متورطين بالدماء وعدم وجود ادّعاء شخصي بحقّهم، مع وضع إشارات منع سفر على أسمائهم في المنافذ البرية والجوية والبحرية، ومن يريد السفر عليه تقديم طلب لوزارة الدفاع، ويسمح له بذلك لمرة واحدة لمدة 3 أشهر بعد إجراء دراسة أمنية عنه.

توزيع أدوار ومهام

كان دور شعبة الطبابة الشرعية في المستشفى توثيق وفاة المعتقلين وإصدار شهادات وفاة، لكن رئيسها كان يدعي في شهادة الوفاة أنها نتيجة «توقف القلب والتنفس» أو «الوهط القلبي الدوراني»، بعد أن قضى هؤلاء فعلياً تحت التعذيب.

ومنذ عام 2011 حتى التحرير في ديسمبر (كانون الأول) 2024، كان العميد الطبيب أكرم فارس الشعار من ريف حماة يرأس شعبة الطبابة الشرعية بمستشفى تشرين، وكانت تضم أيضاً نائبه العميد إسماعيل كيوان من مدينة السويداء، والمقدم أيمن خلو، والملازم منقذ شموط، إضافة إلى 7 ضباط صف ممرضين وإداريين.

وبينما يتحدث رهبان عن توقيف الشعار، يلفت إلى أن أيمن خلو موقوف منذ فترة على خلفية قضية جنائية لا علاقة لها بمستشفى تشرين، في حين فرّ إسماعيل كيوان إلى مناطق سيطرة رجل الدين الدرزي حكمت الهجري في محافظة السويداء جنوب البلاد.

ومع حلّ «إدارة الخدمات الطبية العسكرية» القديمة، تشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أن من عادوا من طاقم الكوادر الطبية القديمة من أطباء وممرضين «يعدّ على أصابع اليد»، بينما يمارس عدد من الأطباء ممن لم يتورطوا بجرائم مهنتهم في عيادات خاصة، في حين غادر قسم آخر إلى دول غربية وإقليمية وعربية.

وتجري حالياً بوتيرة متسارعة عملية إخلاء مساكن الجاهزية التابعة لمستشفى تشرين من قبل شاغليها وتسليمها، تنفيذاً لقرار أصدرته بداية مايو (أيار) الحالي وزارة الدفاع، وحددت فيه مدة شهر للتنفيذ اعتباراً من تاريخ إصداره.

شبكة قتل وتعذيب منظمة

«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» لا تملك حتى الآن رقماً موثقاً بالكامل لعدد الأطباء والعناصر الطبية المتورطين في عمليات التصفية داخل مشفى تشرين تحديداً. وما يمكن تأكيده، وفق منهجية التوثيق التي تعتمدها الشبكة، أن المشفى كان يضم شبكة منظمة من أطباء وممرضين وضباط أمن تعاونوا في عمليات القتل والتعذيب، ولم تكن الانتهاكات صادرة عن أفراد منفردين.

ويقول مديرها فضل عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «المعطيات التي جمعتها الشبكة تفيد بوجود شبكات من الأطباء والممرضات ورجال الأمن الضالعين في هذه الجرائم، بما يشمل عمليات استئصال الأعضاء إلى جانب القتل المباشر».

وتشير المعطيات المتاحة إلى 3 فئات: الأولى تضم المعتقلين الذين تمكنت السلطات الأمنية الجديدة من القبض عليهم، والثانية تضم الفارين خارج سوريا، والثالثة تضم من بقوا داخل البلاد في وضع قانوني غير محسوم، مشيراً إلى أن بعض العناصر من الكوادر الطبية لا يزالون في مساكن المشفى أو في مناطق مختلفة داخل سوريا، وهو ما كشفته العملية الأمنية التي نُفِّذت مؤخراً في مساكن الممرضين التابعة للمشفى. وعدّ عبد الغني أن فرار جزء من هؤلاء يمثل تحدياً جدياً أمام مسار المحاسبة، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فورياً لإصدار نشرات الإنتربول ومذكرات توقيف دولية بحقّ المشتبه بهم.

الناشطة السورية ياسمين المشعان تحمل صور ضحايا نظام الأسد أمام محكمة في ألمانيا يوم 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

ولفت عبد الغني إلى أنه جرى إلقاء القبض على متورطين، غير أن أعداد هؤلاء لا تزال محدودة قياساً بحجم الجرائم الموثقة، ومن أبرز ما وثّقته المصادر الرسمية السورية إعلان وزارة الداخلية في أواخر 2025 اعتقال 5 عناصر سابقين من الكوادر الطبية والقضائية العسكرية الأمنية الأخيرة في مساكن الممرضين مطلع مايو 2026، واحتجاز عدد من العاملين السابقين.

وكانت محكمة ألمانية أصدرت حكمها في 16 يونيو (حزيران) 2025 بالسجن مدى الحياة بحق الطبيب السوري علاء موسى المتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها تعذيب معتقلين في مستشفيات عسكرية في سوريا.