يبحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، منذ يوم الأربعاء في الجزائر، مع المسؤولين الجزائريين، ملفات مهمة وثقيلة تتعلق بمكافحة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود، والتحضير للقاء مرتقب بين الرئيسين الجزائري عبد المجيد تبون والسوري أحمد الشرع، إلى جانب ملفات الطاقة وإعادة إعمار سوريا.
وبينما لم تُعلن أي جهة رسمية في الجزائر عن زيارة المسؤولين السوريين الرفيعين، أكدت «وكالة الأنباء السورية» أنهما وصلا إلى العاصمة الجزائر ليل الأربعاء «لإجراء مباحثات موسعة مع المسؤولين الجزائريين، وذلك لتمتين العلاقات والجهود الدبلوماسية المستمرة بين البلدين».
أجندة ثقيلة
وتندرج هذه الزيارة، وفق مصادر صحافية، في سياق تعزيز آليات التعاون المشترك، وتطوير مسار الدبلوماسية النشطة بين العاصمتين، والتي شهدت محطات تنسيقية متواصلة؛ حيث التقى الوزير السوري نظيره الجزائري أحمد عطاف في عدة مناسبات دولية سابقة، كما تسارعت وتيرة التقارب باستقبال دمشق لسفير الجزائر الجديد في صيف 2025.

وكان رئيس الدبلوماسية الجزائرية أحمد عطاف قد أجرى زيارة إلى دمشق في شهر فبراير (شباط) 2025، التقى خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع، وسلّمه رسالة من الرئيس عبد المجيد تبون، وهي المحطة التي شكّلت خطوة محورية مهمة في إطار ترتيب وتطوير العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ومما رشّح بخصوص الزيارة، فإن مباحثات وزير الخارجية ومدير المخابرات السوريين في الجزائر تتمحور حول ملفات حيوية فرضتها التحولات الكبرى الجارية في الشرق الأوسط وعبر العالم، وفي مقدمتها التنسيق الأمني والاستخباراتي بوصفه أولوية قصوى لمكافحة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، ورصد تحركات العناصر المتطرفة بين المشرق والساحل الأفريقي، إلى جانب ضبط آليات لتدفق المعلومات لمواجهة الجريمة المنظمة، وجرائم غسل الأموال واستغلالها في تجارة المخدرات وتمويل شراء الأسلحة.
وعلى الصعيد السياسي، يبحث الجانبان الترتيبات الأولية لزيارة رئاسية مرتقبة تجمع الرئيسين عبد المجيد تبون وأحمد الشرع لتكريس العهد الجديد، فضلاً عن تنسيق المواقف تجاه القضايا المصيرية؛ حيث ترى الجزائر أنها تملك ثقلاً دبلوماسياً بإمكان دمشق الاستفادة منه لتثبيت ركائز العهد الجديد وسط بيئة إقليمية حديث عهد بالواقع السوري الجديد.

كما ترسم الزيارة، وفق مصادر صحافية، أفقاً اقتصادياً عبر السعي لاستدعاء الاستثمارات والخبرات الجزائرية للإسهام في ملف إعادة الإعمار، وترميم بنى الطاقة التحتية، موازاة مع ضبط الخطوات العملية لإعادة تفعيل الخطين الجويين المباشرين نحو دمشق وحلب لتسهيل حركة التجارة والسياحة بين البلدين.
«إعادة تموضع استراتيجي لدمشق»
وبخصوص الزيارة، يقول محمد الأمين مقراوي، الأستاذ الجزائري المحاضر في جامعة كييف بأوكرانيا: «لا يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني، ومعه رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة إلى الجزائر بوصفها مجرد مناورة بروتوكولية عابرة؛ بل هي في جوهرها تعبير مكثف عن مسارات إعادة التموضع الاستراتيجي لدمشق ما بعد التحرر والتحول الكبير، ومحاولة جادة لصياغة معادلة توازن استراتيجي جديد في فضاء المشرق والمغرب العربي الكبير».

وحسب مقراوي، تستند هذه الزيارة إلى عدة مرتكزات كبرى ترسم ملامح الحراك الدبلوماسي السوري الجديد؛ يتمثل المرتكز الأول في سعي دمشق إلى الاستفادة من الموقف الدبلوماسي الجزائري التاريخي القائم على مبدأ الاعتراف بالدول لا بالحكومات، بما يسهم في تجديد شرعيتها الإقليمية وترسيخ دعائم العهد الجديد، في ظل بيئة عربية لا تزال تتلمس سبل التعاطي مع المتغيرات التي تشهدها سوريا.
والثاني، يعكس الحضور الأمني الرفيع في الوفد السوري، حسب المحلل، إدراكاً بأن استقرار الدولة السورية يمر حتماً عبر قنوات التنسيق الاستخباراتي الصلب؛ لقطع الطريق أمام ارتدادات الفراغ ومكافحة الجريمة المنظمة، ولجم الحركات الإرهابية العابرة للحدود.
وبالنسبة للمرتكز الثالث، يرى مقراوي أن القيادة السورية الحالية تُدرك أن استكمال شروط الاستقلال السياسي يرتبط بملفات الطاقة والاقتصاد؛ ومن هنا تأتي محاولة استدعاء الثقل الاقتصادي الجزائري للإسهام في معركة البناء الداخلي، وترميم المرافق الحيوية للدولة.

وقد حافظت الجزائر على علاقات دبلوماسية وثيقة مع دمشق، في عز تصاعد الأزمة السورية، متمسكة برفضها التام لقطع العلاقات أو التدخل في الشؤون الداخلية السورية، وهو موقف عرّضها لانتقادات واتهام بـ«التماهي مع النظام بشار الأسد». وفي مقابل هذه القراءات، تؤكد المقاربة الرسمية الجزائرية أن هذا التموضع لا ينطلق من دعم لشخص أو نظام، بل هو دفاع مستميت عن عقيدة سياسية خارجية راسخة، تقوم على مبدأ «الاعتراف بالدول لا الحكومات واحترام السيادة الوطنية».
وترى الجزائر في هذا النهج صمام أمان لمنع انهيار مؤسسات الدولة السورية، وتفادي سيناريوهات الفوضى التي عانت منها دول أخرى في المنطقة.
واستند الموقف الجزائري في الرد على تلك الاتهامات إلى إرث البلاد التاريخي، وتجربتها الذاتية القاسية خلال «العشرية السوداء» في التسعينات؛ وعلى هذا الأساس تتضمن السردية الرسمية أن الجزائر «تعي خطورة التدخلات الأجنبية، وتدويل الأزمات الداخلية، وتؤمن بأن الحلول المستدامة لا تصاغ إلا عبر الحوار السياسي الداخلي، بعيداً عن الإملاءات الخارجية».








