حي «الدخانية» قرب دمشق نموذج لليأس من إعادة الإعمار

ترميم محدود بمبادرات فردية... وتعويل حكومي على الاستثمارات

شابان يعملان على ترميم شقة العائلة المدمرة في حي الدخانية للعودة إليها (الشرق الأوسط)
شابان يعملان على ترميم شقة العائلة المدمرة في حي الدخانية للعودة إليها (الشرق الأوسط)
TT

حي «الدخانية» قرب دمشق نموذج لليأس من إعادة الإعمار

شابان يعملان على ترميم شقة العائلة المدمرة في حي الدخانية للعودة إليها (الشرق الأوسط)
شابان يعملان على ترميم شقة العائلة المدمرة في حي الدخانية للعودة إليها (الشرق الأوسط)

يدل المشهد على مشارف مدخل حي «الدخانية»، على أن لا حياة فيه ينتظر إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب. طوابق علوية من أبنية دُمّر معظم جدرانها، وتدلت أجزاء من أسقفها جراء قصف عنيف تعرضت له.

«الدخانية» أحد أحياء ضاحية جرمانا في ريف دمشق الشرقي، أو ما يعرف بين السوريين بـ«الغوطة الشرقية»، وكان معقلاً رئيسياً لفصائل المعارضة المسلحة وساحة معارك عنيفة خلال سنوات الحرب.

وكان محافظ ريف دمشق، عامر الشيخ، قد أعلن في أبريل (نيسان) الماضي، أن نسبة الدمار في بعض مناطق المحافظة تصل إلى 70 في المائة، موضحاً أن هناك مناطق دُمرت بشكل شبه كامل؛ مثل «الغوطة الشرقية، وداريا، والزبداني، ودوما، وحرستا، ووادي بردى، وجنوب دمشق».

كما أعلنت محافظة ريف دمشق، مؤخراً، عن إحصائيات للقطاعات التي دمرها النظام السابق، منها المنازل السكنية، مشيرة إلى أن عدد المنازل المدمرة كلياً وتحتاج إلى إعادة بناء، يبلغ 75 ألف منزل، أما المدمرة جزئياً وتحتاج إلى ترميم وتجهيز فيبلغ عددها 125 ألف منزل، بتكلفة إجمالية تصل إلى 12 ألف مليار دولار.

زقاق مغلق بالركام بين الأبنية في حي الدخانية التابع لغوطة دمشق الشرقية (الشرق الأوسط)

يصعب الدخول إلى حي الدخانية، بسبب تلال الردم المنتشرة على مداخل الشوارع الرئيسية. وفي ظل هذا الوضع، وجدنا ضالتنا في عامل محطة وقود على طريق رئيسي محاذٍ للحي طلباً للمساعدة. وبعد حديث طويل، استجاب العامل لطلبنا، وفتح بوابة حديدية كبيرة مجاورة للمحطة. قال: «من هنا بإمكانك الدخول سيراً»، محذراً من الخطر، كون معظم المباني التي قدّر لها أن تبقى قائمة، آيلة للسقوط.

حجم الدمار في حي الدخانية شرق دمشق نتيجة القصف العنيف (الشرق الأوسط)

خلف البوابة تُشاهدُ ساحة ترابية واسعة محاطة بسور إسمنتي ارتفاعه نحو مترين، وتظهر خلف جهتها الشرقية أبنية من الحي مدمرة، وثقوب الرصاص واضحة فيما تبقى من جدرانها.

الدخول إلى الحي من إحدى الفتحات لم يكن أمراً سهلاً، لأنه يُحتم تسلّق تلة عالية من الردم موجودة وراءها، ما يُعرّض المرء للانزلاق في أي لحظة. ومع اعتلاء التلة يظهر مشهد دمار هائل وتلال ركام تجمعت من أنقاض أبنية منهارة كلياً وأخرى جزئياً.

حلم العودة إلى شقة العائلة بعد ترميمها في حي الدخانية (الشرق الأوسط)

ينسحب المشهد ذاته على وسط الحي. لكن الأمر لم يخلُ من استثناء؛ إذ كان شابان يقومان بترميم شقة في مبنى دُمّر معظم جدرانه الخارجية وسقف الطابق الذي فوقه.

الصعود إليهما لم يكن بالأمر اليسير وتم بمساعدتهما. روى أحدهما بعدما عرّف عن نفسه باسم «أحمد» الدوافع وراء ترميم شقة عائلته؛ وهي العودة للعيش في بيتهم والتخفيف من تكاليف المعيشة التي أفقدتهم القدرة على دفع بدل إيجار شهري يبلغ 150 دولاراً في قرية مجاورة.

أعمال إعادة بناء في أحد مباني حي الدخانية (الشرق الأوسط)

شكا الشاب من ارتفاع خيالي في أسعار مستلزمات الترميم، وقدّر تكلفة ترميم الشقة بنحو 7 آلاف دولار، مؤكداً أن معظم المبلغ تم اقتراضه من أقارب وأصدقاء، فأجره الشهري من عمل في كشك صغير، لا يتعدى 200 دولار، وبالكاد يكفي لتأمين معيشة العائلة.

ومع أن التدمير شمل البنى التحتية في الحي، ما أدى إلى انعدام كل الخدمات الأساسية (مياه، وصرف صحي، وكهرباء)، أبدى أحمد إصراراً شديداً على العودة، وقال: «سنتدبر أمرنا. المهم أن نعود إلى بيتنا، ونتخلص من عبء الإيجار».

رجل من حي الدخانية شرقي دمشق يجلس على طريق رئيسي ينفتح على عدد قليل من الجادات التي نجت من الدمار (الشرق الأوسط)

استثناء آخر ظهر على بعد نحو 100 متر، حيث كان العمال منهمكين في إعادة بناء شقة مدمرة كلياً.

أحد العمال الذي بدا من حديثه أنه من أبناء الحي النازحين، أبدى عتبه على الحكومة والمنظمات الإنسانية الدولية لعدم اكتراثها بما آل إليه الوضع في الأحياء. وقال: «الأسد منعنا من العودة لأننا قاتلناه وقد أسقطناه، واليوم الناس تريد العودة، والحكومة والمنظمات أقل ما يمكن أن تفعله مساعدتنا بإزالة الأنقاض، وإعادة الخدمات»، لافتاً إلى معاناة كبيرة يتكبدها صاحب الشقة في جلب مستلزمات الترميم عبر طريق ترابي.

حملة «ريفنا بيستاهل» في مدينة المعارض بريف دمشق (سانا)

وتوسمت عائلات المناطق المدمرة كلياً وجزئياً خيراً بحملات التبرع التي أقيمت في عدد من المحافظات، بهدف ترميم ما أفرزته الحرب من دمار في البنى التحتية والخدمات الأساسية؛ منها حملة «ريفنا بيستاهل» في ريف دمشق التي بلغ حجم التبرعات فيها، أكثر من 76 مليون ليرة سورية.

بيد أن العامل لم يُبدِ تفاؤلاً وقال هو يجهز «البيتون»: «حتى لو خصصوا مبالغ للحي فكل ما جمعته (ريفنا بيستاهل) قد لا يكفي لإعادة الكهرباء فقط».

أهمية استراتيجية

لا تتجاوز مساحة الحي كيلومتراً مربعاً، وكان يتبع إدارياً محافظة دمشق. لكن بعد جدل بين الأخيرة ومحافظة ريف دمشق بشأنه، ألحق عام 2016 بضاحية جرمانا. وقدّرت عدة مصادر مسؤولة في جرمانا لـ«الشرق الأوسط»، أن عدد سكان «الدخانية» قبل الحرب بنحو 100 ألف نسمة، ينحدرون من معظم المحافظات السورية.

لا مجال للسكن في حي الدخانية نتيجة الدمار الكبير (الشرق الأوسط)

ويكتسب الحي أهمية استراتيجية، كونه يقع على طريق المتحلق الجنوبي من الجهة الشرقية، ولا يبعد سوى مئات الأمتار عن أحياء دمشق القديمة، وهو ملاصق لحيي الكباس وكشكول، وكان معظم السكان فيهما موالين لنظام الأسد، عدا عن أن السيطرة على الحي تشكل تهديداً لطريق مطار دمشق الدولي.

هذه الأهمية ولّدت الخشية من تسلل مقاتلي المعارضة في «الدخانية» إلى دمشق، بعد سيطرتهم عليه في أكتوبر (تشرين الأول) 2014. ولذلك، استمات النظام لاستعادته، فقصفه بالطيران الحربي والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية المحرمة دولياً، حتى تمكن من السيطرة عليه في الشهر ذاته، بعد تدميره كلياً ونزوح جميع سكانه.

3 جادات ناجية

في مقابل هذا الدمار الهائل، تظهر مفاجأة في أقصى شرقي «الدخانية»، بوجود 3 جادات ناجية من الدمار ومنازلها مأهولة بالسكان، والسؤال الذي يتبادر للمرء في تلك اللحظة، هو: كيف نجت؟

الإجابة كانت عند وسيم الذي ذكر أن أغلبية شبان الحي انضموا في بداية الثورة إلى فصائل المعارضة بالغوطة، ولذلك قصفه النظام السابق بوحشية ودمره.

وخلال عمليات القصف ونزوح الأهالي، استولى قائد ميليشيا موالية للأسد اسمه، شادي العلي، على منازل في تلك الجادات التي لم يكن القصف وصل إليها بعد، وعمل على تأجير المنازل للموالين منذ أواخر عام 2014 حتى سقوط النظام. ومثلُ كثير من قادة الميليشيات، هرب العلي والمستأجرون من تلك المنازل ليلة سقوط الأسد، وبدأ سكانها الأصليون بالعودة إليها.

المئذنة لم تنجُ من القصف العنيف في حي الدخانية (الشرق الأوسط)

لا حلول إسعافية

الصراحة كانت واضحة لدى مسؤولين في الحكومة الجديدة التي ورثت تركة دمار في كل المجالات، وتواجه تحديات كبيرة وصعبة، بينها إعادة إعمار المناطق المدمرة وإعادة النازحين إليها. وفي ظل افتقارها للموارد المالية اللازمة، تعوّل الحكومة على قدوم شركات استثمارية عربية وأجنبية لإعادة إعمار المناطق المدمرة.

حجم الدمار في حي الدخانية شرق دمشق نتيجة القصف العنيف (الشرق الأوسط)

وقال مسؤول الإعلام في منطقة الغوطة الشرقية، عمر المحمد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تخطط له الحكومة بشأن المناطق المدمرة كلياً، «لا يزال في طور الأفكار التي من بينها حالياً بناء شركات استثمارية لأبراج سكنية فيها». وكشف المحمد عن غياب الخطط الإسعافية لدى الحكومة لإحياء المناطق المدمرة كلياً من أجل عودة السكان إليها، مؤقتاً، ريثما تتم إعادة بنائها من قبل مستثمرين.

وأوضح أن «الحكومة لا تستطيع السماح بترميم شقق (سلامتها الإنشائية صفر)، لأن ذلك يشكل خطراً على حياة الأفراد. كذلك لا يمكن ترميم البيوت ومن ثم تُخرج الناس منها لإعادة بنائها، لأن تكلفة الترميم ستذهب سدى». وعدّ المحمد مشكلة المناطق المدمرة كلياً «ضخمة ولا يمكن حلها بشكل إسعافي».

وإن كانت أموال التبرعات التي جُمعت في حملة «ريفنا بيستاهل» سيتم تخصيص جزء منها لإعادة خدمات أساسية، ذكر المحمد أن التصرف في تلك الأموال يحتاج إلى خطة مدروسة، لافتاً إلى أنه «حتى الآن لا يوجد تصريح بكيفية التعامل مع هذه الأموال».


مقالات ذات صلة

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: دمشق سلمتنا 34 صندوقاً

المشرق العربي وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لشؤون نزع السلاح إيزومي ناكاميتسو (أرشيفية)

منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: دمشق سلمتنا 34 صندوقاً

قالت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن السلطات السورية سلمتها 34 صندوقاً تحتوي على وثائق جارٍ العمل على تحليلها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك - لندن)
شمال افريقيا جانب من لقاء مسؤولي خارجيتي الجزائر وسوريا (الخارجية الجزائرية)

ملفات «مهمة وثقيلة» تتصدّر مباحثات مسؤولي الجزائر وسوريا

يبحث وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، بالجزائر، منذ الأربعاء، ملفات مهمة مع المسؤولين الجزائريين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي لاجئون سوريون في ألمانيا (أرشيفية - د.ب.أ)

ألمانيا تمنح الجنسية لعدد غير مسبوق... والسوريون في الصدارة

‌أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي في ألمانيا أن البلاد منحت الجنسية ​لعدد غير مسبوق العام الماضي وشكّل السوريون المجموعة الأكبر للسنة الخامسة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
خاص سوريون يلعبون في مدينة ملاهي عيد الأضحى في منطقة مدمرة وسط حي جوبر المدمر بالكامل على مشارف دمشق (أرشيفية - د.ب.أ)

خاص سوريا الجديدة تحسم هويتها الاقتصادية: «الشراكة» بديلاً عن الخصخصة في مسار التعافي

حسمت سوريا الجدل حول هوية نظامها المالي والاستثماري الجديد؛ متبنيةً مسار «الشراكة الاستراتيجية» بين القطاعين العام والخاص كبديل جذري لخيار الخصخصة المطلقة.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي الإفراج عن دفعة من معتقلين منتسبين لـ«قسد» يوم 8 مايو الماضي (إعلام محافظة الحسكة)

«الأسايش» تعلن بدء حملة تشديدات أمنية واسعة في الحسكة

أعلنت قوى «الأسايش» التابعة لـ«قسد» في محافظة الحسكة، الأربعاء، بدء حملة تشديد أمني واسعة في المحافظة بالتنسيق مع قوى الأمن السوري.

سعاد جرَوس (دمشق)

إسرائيل تدرس إغلاق قنصليات أوروبية في القدس رداً على معاقبة المستوطنين

مستوطنون ينشؤون بؤرة استيطانية على أراضي سكان منطقة الأغوار في أريحا (وفا)
مستوطنون ينشؤون بؤرة استيطانية على أراضي سكان منطقة الأغوار في أريحا (وفا)
TT

إسرائيل تدرس إغلاق قنصليات أوروبية في القدس رداً على معاقبة المستوطنين

مستوطنون ينشؤون بؤرة استيطانية على أراضي سكان منطقة الأغوار في أريحا (وفا)
مستوطنون ينشؤون بؤرة استيطانية على أراضي سكان منطقة الأغوار في أريحا (وفا)

تجري مختلف الدوائر والمؤسسات اليمينية في الحكومة الإسرائيلية مداولات، بمشاركة خبراء في القانون الدولي، وذلك للرد على القرار الذي اتخذه وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل، وأعلنوا فيه فرض عقوبات على مسؤولين كبار وهيئات قيادية في حركة الاستيطان اليهودي بالضفة الغربية.

ومن بين المقترحات الواردة إغلاق ثماني قنصليات أوروبية في القدس الشرقية تقدم خدمات للفلسطينيين، وعدة إجراءات أخرى تهدف إلى «تحصيل ثمن سياسي من الاتحاد الأوروبي».

وقال المحامي أبراهام شاليف، وهو باحث زميل بارز في منتدى «كوهيلت»، المعهد اليميني العقائدي الذي يقود الانقلاب على منظومة الحكم والجهاز القضائي في إسرائيل، ويعد للحكومة سلسلة اقتراحات ودراسات، إنه «يجب على الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن موقفه العدائي تجاه إسرائيل سيؤدي إلى تهميشه تماماً».

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش يحمل لوحة لمشروع استيطاني خلال مؤتمر صحافي قرب مستوطنة معاليه أدوميم بالضفة (أرشيفية - أ.ب)

ويقترح شاليف، الذي يشارك في المداولات المذكورة، أن يتم سن قوانين إسرائيلية في الكنيست تفرض قيوداً، كحرمان التبرعات الأوروبية للجمعيات السياسية في إسرائيل من المزايا الضريبية، أو فرض ضرائب باهظة عليها. ويقول: «الاتحاد الأوروبي يُموّل مشاريع بناء عربية غير قانونية واسعة النطاق في الضفة الغربية، ومن المؤكد أنه نتيجة لموقف الاتحاد الأوروبي يجب إخضاعه للعقوبات. الردّ المناسب هو أن تُطلق الإدارة المدنية حملة هدم واسعة النطاق للمباني غير المرخصة التي شُيّدت بتمويل من الاتحاد الأوروبي، مع تجميد فوري لجميع أعمال البناء».

ويعتبر معهد «كوهيلت» الإسرائيليين الذين يزودون الأوروبيين بالمعلومات عن اعتداءات المستوطنين وهوية المعتدين «وشاة». ويطالب بمعاقبتهم. ويقول: «لن تكون الدول الأجنبية على دراية بأنشطة الجهات المستهدفة بالعقوبات لولا وجود وشاة محليين. ينبغي على الكنيست تعديل قانون المقاطعة بحيث يحظر الدعوات لفرض عقوبات على المواطنين الإسرائيليين، ويسمح برفع دعاوى تعويض من قِبل المتضررين من هذه الدعوات».

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

إسرائيل توسع الاستيطان في الضفة الغربية

وأما بخصوص القنصليات، فيقول المعهد: «تبرز بوضوح عبثية استمرار عمل القنصليات الأوروبية التي تخدم السلطة الفلسطينية في قلب العاصمة الإسرائيلية؛ إذ تدير نحو ثماني دول قنصليات عامة في القدس لا تعترف بالسيادة الإسرائيلية على القدس، وتمثل بلدانها في السلطة الفلسطينية (في الواقع هناك تسع قنصليات تابعة لكل من فرنسا واليونان والسويد وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا والمملكة المتحدة وتركيا، إضافة إلى الكرسي الرسولي للفاتيكان)». ويتابع: «على سبيل المثال، استدعت إسبانيا سفيرها من إسرائيل، بينما يتخذ القنصل العام الإسباني من القدس مقراً له، ويعمل مع مسؤولين يمثلون (دولة فلسطين) في رام الله. تُعد هذه القنصليات من مخلفات الحقبة الاستعمارية، وتتعارض تماماً مع القانون الدولي الذي يُلزم كل بعثة دبلوماسية بالحصول على إذن من الدولة المضيفة قبل بدء عملها. وترفض الدول الأوروبية الحصول على هذا الإذن من إسرائيل، خشيةَ أن يُفسر ذلك على أنه اعتراف بوضع القدس كعاصمة لإسرائيل. وقبل عام، وعدت الحكومة برد صهيوني مناسب على اعتراف بريطانيا وفرنسا بدولة فلسطينية، لكن لم يحدث شيء. يجب إغلاق هذه القنصليات غير القانونية فوراً، وتوجيه رسالة واضحة إلى الأوروبيين مفادها أن دولة إسرائيل لن تلتزم الصمت إزاء أي انتهاك لسيادتها».

وتشير المعطيات الإسرائيلية إلى أن القرار الأوروبي، ومع أنه تعمَّد عدم نشر أسماء الحركات أو الشخصيات التي ينوي معاقبتها، سيفرض إجراءاته ضد حركة «رغافيم» (التي قام بتأسيسها 2006 الوزير الحالي بتسلئيل سموتريتش تحت اسم «جمعية الحفاظ على الأراضي القومية»)، لتكون قوة ضغط لتوجيه السياسات الإسرائيلية نحو الاستيطان وفرض الأمر الواقع، لمنع دولة فلسطينية) وحركة «نحلاه» (التي تعتبر منظمة استيطانية يمينية متطرفة، تترأسها دانييلا فايس، وتشتهر بقيادة حملات ميدانية لتأسيس بؤر استيطانية عشوائية جديدة في الضفة الغربية والترويج لإعادة الاستيطان في قطاع)، وشركة «آمناه» (التي تعمل منذ سنة 1979 على إقامة مستوطنات جديدة، ولديها شركة بناء تجارية تبني بأسعار رخيصة، ولديها شركة متخصصة في شراء الأراضي العربية وتطلق على نفسها اسماً عربياً: «الوطن»)، وقادتها.

بؤرة استيطانية شمال شرقي رام الله يوم 12 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويعتبر الإسرائيليون القرار الأوروبي تصعيداً خطيراً مقارنة بالعقوبات السابقة المفروضة على أفراد يُشتبه في تورطهم في أعمال عنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. ويعتقدون أنه في حالة عدم التحرك بقوة ضد الاتحاد الأوروبي لإبطال قراراته، فإن قرارات أسوأ ستأتي لاحقاً. ومن بين الاقتراحات التي يطرحها «كوهيلت» التوجه لتقديم «التماس إلى المحكمة التابعة للاتحاد الأوروبي في أسرع وقت ممكن». وتقول المحامية سارة شيالوم: «حتى الآن، لم يقم أي إسرائيلي متضرر من العقوبات الأوروبية بتقديم التماس؛ ففي مواجهة عقوبات الاتحاد الأوروبي، لدينا مجموعة من الأدوات القانونية المتاحة في النظام القضائي للاتحاد الأوروبي نفسه. والمسار الرئيسي هو تقديم دعوى لإلغاء القرار (Action for Annulment)؛ فوفقاً للمادة 263 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي، يجوز لأي شخص أو كيان متضرر من قرار ما، تقديم التماس إلى المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي، في غضون شهرين من تاريخ نشر القرار، لإلغاء إدراجه في قائمة العقوبات. والبشرى المهمة بالنسبة للإسرائيليين المدرجين في هذه القوائم، تكمن في معيار الإثبات الذي وضعته المحكمة الأوروبية؛ فقد قضت بأن عبء الإثبات يقع على عاتق سلطات الاتحاد الأوروبي، وليس على عاتق الفرد المشتكى ضده. ولا يجوز للقضاة الاكتفاء بالادعاءات العامة أو (ظاهر) الأسباب؛ بل يجب عليهم التأكد من أن كل اتهام يستند إلى أساس واقعي متين ومحدد. فإذا ثبت أنه بريء يمكنه مطالبة الاتحاد الأوروبي بتعويضات».


قتلى وجرحى بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان... وإنذارات إخلاء

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية أرنون جنوب لبنان (د.ب.أ)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية أرنون جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

قتلى وجرحى بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان... وإنذارات إخلاء

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية أرنون جنوب لبنان (د.ب.أ)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية أرنون جنوب لبنان (د.ب.أ)

في وقتٍ احتدم فيه السجال في لبنان بشأن سلاح «حزب الله» عقب مواقف أطلقها كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون، والأمين العام للحزب نعيم قاسم، تعقيباً على اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، قتل سبعة أشخاص في غارات إسرائيلية ليل الخميس إلى الجمعة على مدينة صور في جنوب لبنان، بحسب ما أفاد مصدر في الدفاع المدني «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأوضح المصدر أن ضربة استهدفت محيط مستشفى جبل عامل أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة سبعة آخرين، كما تسبّبت بأضرار طفيفة في المُنشأة.

وأدّت ضربة أخرى على المدينة إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة خمسة، بينهم طفلان.

استهدف القصف المدفعي الإسرائيلي فجراً محيط برج قلاويه ومحيط ديركيفا وكفررمان والنبطية الفوقا وأطراف بلدتي شوكين وميفدون، جنوب لبنان.

كما أغار الطيران الإسرائيلي على شوكين وعبا والنبطية وحبوش مستهدفاً دراجة نارية.

وأغار الطيران الحربي ليلاً على مبنى في محيط مخفر الدرك في بلدة الدوير، ودمره، وأفيد بسقوط قتيل وجريح.

وكان عون، قد قال الخميس، إنّ «تنفيذ وقف إطلاق النار قد يبدأ خلال 24 ساعة من الموافقة النهائية»، موضحاً أنه «فور تلقي الردود من جميع الأطراف الداخلية المعنية، لا سيما (حزب الله)، سيتم إبلاغ الجانب الأميركي بالموقف اللبناني ليُبنى على الشيء مقتضاه».

من جهته، أعلن قاسم أن شمال ⁠إسرائيل ‌لن يكون ​آمناً ‌ما دام يتم ‌قصف ‌القرى اللبنانية وقتل ⁠السكان، مؤكداً أن «حزب الله» لم يعطِ التزاماً لأحد بعدم مقاومة العدوان، «وما دامت قرانا غير آمنة، فلن تكون المستوطنات آمنة».

إنذارات إخلاء

إلى ذلك، أنذر الجيش الإسرائيلي سكان مدينة وخمس قرى إضافية في جنوب لبنان بالإخلاء الفوري، تمهيداً لتنفيذ هجمات.

وطلب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إخلاء مدينة الصرفند وقرى تفاحتا والبابلية وقعقعية الصنوبر والمروانية والسكسكية.


الصدر يسلّم «السرايا» إلى الدولة العراقية


أعضاء في «سرايا السلام» خلال انضمامهم لقوات الأمن العراقية ضمن مراسم رمزية بمدينة سامراء أمس (أ.ف.ب)
أعضاء في «سرايا السلام» خلال انضمامهم لقوات الأمن العراقية ضمن مراسم رمزية بمدينة سامراء أمس (أ.ف.ب)
TT

الصدر يسلّم «السرايا» إلى الدولة العراقية


أعضاء في «سرايا السلام» خلال انضمامهم لقوات الأمن العراقية ضمن مراسم رمزية بمدينة سامراء أمس (أ.ف.ب)
أعضاء في «سرايا السلام» خلال انضمامهم لقوات الأمن العراقية ضمن مراسم رمزية بمدينة سامراء أمس (أ.ف.ب)

سلّم التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، أمس، جناحه العسكري «سرايا السلام» إلى الجيش العراقي، ضمن مراسم رمزية تضمنت إنزال راية الفصيل من مقره بمدينة سامراء.

وقال سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، إن «جميع مقاتلي (سرايا السلام) باتوا الآن تحت إمرة رئيس الحكومة».

وأكد نائب قائد العمليات المشتركة، قيس المحمداوي، أن دمج «السرايا» يعني ربطها بالدولة، مشيراً إلى «تشكيل لجنة بأمر ديواني لإعادة ارتباط وتوزيع التشكيلات المسلحة لتبتعد عن أي عنوان أو تشكيل سياسي».

بدوره، أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، أن لجنة مركزية باشرت عملها لحصر السلاح، مبيناً أن فك الارتباط بـ«الحشد الشعبي» يتضمن «إعادة هيكلة التشكيلات وضمان حقوق المنتسبين».

وقال النعمان إن «مصطلح (فك الارتباط) يتضمن أطراً إدارية، وإعادة هيكلة هذه التشكيلات ضمن الأجهزة الأمنية، وضمان حقوق المقاتلين وإدماجهم مع التشكيلات العسكرية»، مضيفاً أن «كل الأسلحة والمعدات سيتم تسليمها إلى الجهات الأمنية العراقية».