سانشو: رحيلي عن مانشستر سيتي كان مغامرة ونجاحي مع دورتموند لم يكن مضموناً

بعد تجربته الرائعة في ألمانيا بدأ كثير من اللاعبين الإنجليز الشباب يفكرون في اللعب بالخارج

سانشو في المواجهة الأخيرة على ملعب توتنهام في دوري الأبطال (رويترز)
سانشو في المواجهة الأخيرة على ملعب توتنهام في دوري الأبطال (رويترز)
TT

سانشو: رحيلي عن مانشستر سيتي كان مغامرة ونجاحي مع دورتموند لم يكن مضموناً

سانشو في المواجهة الأخيرة على ملعب توتنهام في دوري الأبطال (رويترز)
سانشو في المواجهة الأخيرة على ملعب توتنهام في دوري الأبطال (رويترز)

يقول المهاجم الإنجليزي الشاب جادون سانشو، الذي يتألق بقميص نادي بروسيا دورتموند الألماني بعد انتقاله من مانشستر سيتي الإنجليزي: «يطلب مني أصدقائي في مدينة كينينغتون أن أعطيهم قميصي لأشقائهم أو أبناء عمومتهم الصغار، ودائماً ما أرسل إليهم القمصان. لن أنسى أبداً المكان الذي جئت منه، لأنني أدرك تماماً ما يعنيه أن تكبر في منطقة كهذه، فهو أمر ليس جيداً على الإطلاق، خاصة عندما يرتكب الناس من حولك أشياء غير جيدة».
وسوف يحتفل سانشو بعيد ميلاده التاسع عشر بعد نحو شهر من الآن، وأصبح أول لاعب يولد في القرن الجديد يشارك مع المنتخب الإنجليزي الأول، كما أصبح مثالاً يحتذي به جميع لاعبي جيله، بعد أن فضل عدم الجلوس على مقاعد بدلاء مانشستر سيتي وقرر الرحيل إلى ألمانيا من أجل المشاركة بشكل مستمر. يقول سانشو: «لقد أصبحت أقوى مما كنت عليه في السابق».
ويضيف: «بالنسبة للأطفال في جنوب لندن، فأنا أتمنى أن أوجه لهم رسالة إيجابية وأقول لهم: «لا تقوموا بأشياء سيئة، ولا يجب أن تعملوا فقط على أن تكونوا لاعبي كرة قدم، بل ينبغي عليكم التركيز أيضاً على دراستكم، لأن التعليم هو أهم شيء في الحياة. لكن الكثيرين من الأطفال في جنوب لندن يقومون بأشياء تشتت تركيزهم وتبعدهم عن التعليم».
ويشير سانشو إلى أن حياته كانت ستتغير تماماً لو لم تلحظ مدرسته بمدرسة «كرامبتون» الابتدائية وهو في الخامسة من عمره أنه يمتلك موهبة كبيرة في كرة القدم وأنه سيصبح نجماً لامعاً في عالم الساحرة المستديرة يوماً ما. وخلال الموسم الحالي، سجل سانشو ثمانية أهداف، من بينها ذلك الهدف الرائع في مرمى هوفنهايم في المباراة التي انتهت بالتعادل بثلاثة أهداف لكل فريق، وصنع تسعة أهداف أخرى في الدوري الألماني الممتاز، وهو الأمر الذي قد يساهم في فوز بروسيا دورتموند بلقب الدوري الألماني الممتاز للمرة الأولى منذ عام 2012.
وكان سانشو قد اتخذ قراراً جريئاً بعدم التوقيع على عقد جديد مع مانشستر سيتي يحصل بمقتضاه على 30 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع من أجل الرحيل إلى ألمانيا للحصول على فرصة المشاركة في الفريق الأول، وهو الأمر الذي يوضح أن اللاعب الشاب يمتلك طموحاً كبيراً وعقلية مختلفة عن باقي اللاعبين في مثل هذه السن الصغيرة. وبفضل سرعته الفائقة وقدرته الكبيرة على مراوغة لاعبي الفرق المنافسة، بدأ كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي يشبهونه بالنجم البرازيلي نيمار. وعلاوة على ذلك، يمتلك سانشو عقلية مغامرة، والدليل على ذلك أنه عندما كان في عمر السابعة فقط انضم لنادي واتفورد وكان يسافر عبر لندن ثلاث ليال في الأسبوع ليشارك في التدريبات، كما ترك أصدقاءه وعائلته في وقت لاحق من أجل الانضمام إلى أكاديمية النادي «أكاديمية هيرفيلد» في أوكسبريدج بغرب لندن.
يقول سانشو عن ذلك: «لم أكن أريد حقاً أن ألتحق بهذه المدرسة الداخلية، فقد كنت أريد أن أبقى بالمنزل وأسافر لخوض التدريبات، لكن الناس من حولي نصحوني بأن هذا هو الأفضل بالنسبة لي وقد استمعت لنصيحتهم. وأنا سعيد لأنني هنا اليوم وسعيد بما وصلت إليه». والآن، يقيم سانشو في شقة واحدة في ألمانيا مع والده، شون، الذي كان يعمل في السابق كضابط أمن، لكنه يتواصل بشكل مستمر مع والدته وأصدقائه في كينينغتون. ويشير سانشو إلى أنه يستمتع بالحياة في هذه «المدينة شديدة البرودة».
واعترف اللاعب الإنجليزي الشاب بأن تعلم اللغة الألمانية لا يزال يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة له، ويضيف: «لكنني أصبحت أعرف أساسيات اللغة بشكل جيد، وأحاول أن أتحدث اللغة الألمانية في التدريبات. إنني أفهم ما يقوله المدير الفني في التدريبات، وهو الشيء الذي يجعل الأمور أسهل بالنسبة لي وبالنسبة لباقي اللاعبين أيضاً، لأن هذه هي طريقة التواصل والتفاعل بين اللاعبين والمدير الفني».
ويضيف: «إنني أشعر بالراحة وأنا في الغربة لأنني أعيش دائماً بعيداً عن المنزل. لقد كان الأمر صعباً للغاية عندما ابتعدت عن منزلي للمرة الأولى، لأنني كنت معتاداً على الإقامة به وكنت أعيش دائماً مع أمي. لقد كانت السنوات الأولى للغربة صعبة للغاية، وعندما كبرت بدأ الناس يقولون لي إنه يتعين على أن أتحمل متاعب الغربة أو أن أعود إلى وطني. إنني أعشق كرة القدم، ولذا كان يتعين علي دائماً أن أتخذ القرار الصعب. وهذا هو السبب الذي يجعلني أشعر بالراحة في الغربة أكثر من الآخرين، ولذا أرى أنني شخص محظوظ».
وخلال الشهر الماضي، رفض نادي تشيلسي عرضاً من بايرن ميونيخ الألماني بقيمة 35 مليون جنيه إسترليني للتعاقد مع كالوم هودسون أودوي، وهي الصفقة التي كانت ستجعله أغلى لاعب إنجليزي شاب. ولا يزال نادي بايرن ميونيخ لديه ثقة كبيرة في أنه سيحصل على خدمات اللاعب في فترة الانتقالات الصيفية المقبلة. ولا يوجد أدنى شك في أن تألق سانشو مع نادي بروسيا دورتموند، بعد ارتدائه للقميص رقم سبعة الذي كان يرتديه النجم الفرنسي عثمان ديبملي في عام 2017. قد ساهم بشكل كبير في إصرار بايرن ميونيخ على ضم زميله السابق في منتخب إنجلترا تحت 17 عاماً.
وصرح المدير الرياضي بنادي بروسيا دورتموند، مايكل زورك، بأن النادي الألماني قد انتبه لقدرات وإمكانيات سانشو الكبيرة خلال إحدى المباريات الدولية للشباب، وبعد ذلك بذل النادي كل ما في وسعه لإقناع اللاعب الشاب بالرحيل عن مانشستر سيتي. وقد لعب سانشو أمام زميل الطفولة، ريس نيسلون، خلال مباراة بروسيا دورتموند أمام هوفنهايم يوم السبت الماضي، حيث يلعب نيلسون في صفوف هوفنهايم على سبيل الإعارة خلال الموسم الجاري قادما من آرسنال. وبعد نجاح تجربة سانشو مع بروسيا دورتموند، بدأ كثيرون من اللاعبين الإنجليز الشباب يفكرون في الرحيل إلى الخارج، في ظل صعوبة الحصول على فرصة المشاركة بصفة أساسية في الدوري الإنجليزي الممتاز.
ويقول سانشو إن الأمر استغرق بعض الوقت حتى يتأقلم مع الأجواء الجديدة بالخارج، ويضيف: «لم يكن الأمر سهلاً، وكان يتعين على العمل بكل قوة من أجل تحقيق ذلك. لقد ساعدني الجميع من حولي على أن أكون واقعياً وأن أركز بالكامل في كرة القدم. وأشعر بأن مستواي يتحسن كل يوم عن اليوم السابق، وأنظر إلى زملائي بالفريق ماركو رويس وماريو غوتزه وأكسل فيتسيل على أنهم قدوة ومثال يحتذى به، ونفس الأمر ينطبق على باقي زملائي بالفريق. إنه لشيء رائع حقاً أن يكونوا من حولي ويخبرونني بما يتعين علي القيام به. إنهم يساعدونني على حل مشكلات كان من الصعب للغاية أن أحلها بنفسي، ولذا فأنا سعيد للغاية».
ويضيف: «يفضل اللاعبون الشباب المجيء إلى ألمانيا من أجل الحصول على فرصة المشاركة في المباريات. وقد شعرت حقاً بأن بروسيا دورتموند هو النادي المناسب بالنسبة لي. لقد تحدثوا معي وقالوا لي الأشياء التي كنت أريد أن أسمعها، والآن هم ينفذون كل ما قالوه من قبل، ولذا فأنا أتوجه إليهم بجزيل الشكر». وشارك سانشو في أول مباراة دولية مع المنتخب الإنجليزي الأول أمام كرواتيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كما توجه ستيف هولاند، مساعد المدير الفني للمنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت، لزيارته الأسبوع الماضي في دورتموند. ومن المتوقع أن يكون سانشو ضمن قائمة المنتخب الإنجليزي في مواجهة هولندا في يونيو (حزيران) في إطار مباريات الدور نصف النهائي لدوري الأمم الأوروبية في البرتغال.
ويرى سانشو أن ابتعاده عن الأضواء في دولة أخرى قد ساعده كثيراً عن الابتعاد عن الضغوط الإعلامية الكبيرة التي كان سيواجهها في إنجلترا، ويقول: «في الحقيقة، لقد رأيت أشياء من هذا القبيل تكتب على (تويتر)، لكنني لا أهتم كثيراً بذلك وأركز فقط على كرة القدم وعلى ما أقوم به وأسعى للتطور بشكل مستمر». ويشير سانشو إلى أنه كان سعيداً للغاية بالعودة إلى إنجلترا مع فريقه لمواجهة توتنهام في دور الستة عشر بدوري أبطال أوروبا. وقد شهدت المباراة، التي انتهت بفوز توتنهام هوتسبير بثلاثية نظيفة، حضور 30 شخصاً من أفراد عائلته وأصدقائه المقربين في ملعب ويمبلي، لمعرفة ما إذا كان بروسيا دورتموند سيتمكن من الثأر ورد الاعتبار بعد الهزيمة أمام توتنهام هوتسبير في مباراتي الذهاب والعودة بدور المجموعات بدوري أبطال أوروبا الموسم الماضي. لكن بروسيا دورتموند خذلهم وخسر بثلاثية نظيفة، وهو الأمر الذي يصعب من مهمته تماماً في مباراة العودة.
يقول سانشو: «لقد كان شعوراً عظيماً، لأنني لعبت أمام عائلتي، وهو الأمر الذي كنت أسعى دائماً لتحقيقه منذ أن كنت طفلاً صغيراً. لقد تلقيت رسائل عديدة من أشخاص يطلبون مني إعطاءهم تذكرة لحضور تلك المباراة الكبيرة. وعلاوة على ذلك، فأنا سعيد للغاية لأنني ألعب في دوري أبطال أوروبا. إنه أمر عظيم بالنسبة لي، كما هو الحال بالنسبة لغيري من اللاعبين، لأن هذه هي البطولة الأقوى في عالم كرة القدم، وبالتالي يتعين علي أن أعمل بكل قوة، وأتمنى أن أحصل على مزيد من الفرص للمشاركة في هذه البطولة الكبرى».
ويمتاز سانشو بسرعته الفائقة وقدرته الكبيرة على التحكم في الكرة، وهو الأمر الذي يعزيه سانشو إلى خوض العديد من المباريات وهو طفل في كينينغتون. ويخطط سانشو للعودة إلى كرامبتون وهيرفيلد في نهاية الموسم الجاري، للإجابة على أسئلة التلاميذ، مشيراً إلى أن لديه رغبة كبيرة في رد الدين للمجتمع الذي ساعده على التألق.
ويقول سانشو: «إنني أحاول أن أعود إلى مدرستي القديمة أولاً. وأتمنى أن تتطور الأمور وأن أذهب إلى مدارس أخرى، لأن ذلك سيكون شيئاً جيداً. لقد كنت ذات مرة في نفس المكان الذي هم فيه الآن، وأريد أن أوجه لهم رسالة أتمنى أن تكون إيجابية بالنسبة لهم». ومن المؤكد أن سانشو، بلباقته وذكائه ومهاراته وإمكانياته الكروية الكبيرة، يعد مثالاً يحتذى به لأي طفل في القرن الحادي والعشرين.


مقالات ذات صلة

ناثانيال براون لاعب فرانكفورت يقترب من بايرن ميونيخ

رياضة عالمية الألماني الدولي ناثانيال برون يقترب من بايرن ميونيخ (أ.ف.ب)

ناثانيال براون لاعب فرانكفورت يقترب من بايرن ميونيخ

ذكرت تقارير صحافية أن نادي بايرن ميونيخ، بطل الدوري الألماني الممتاز لكرة القدم، اقترب من التعاقد مع المدافع الأيمن الألماني، ناثانيال برون.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية مانويل نوير (د.ب.أ)

نوير يسترجع ذكريات الـ«ووكمان» ويعترف بفارق الأجيال

أكد مانويل نوير، حارس مرمى منتخب ألمانيا لكرة القدم، أنه بات يشعر بتقدمه في العمر، بعدما كشف الحارس الذي يبلغ 40 عاماً أنه كان يستخدم جهاز «ووكمان» في الماضي.

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
رياضة عالمية كينيت آيشهورن (باير ليفركوزن)

باير ليفركوزن يتعاقد مع آيشهورن نجم هيرتا برلين الواعد

تعاقد نادي باير ليفركوزن الألماني، يوم الأربعاء، مع لاعب الوسط الواعد كينيت آيشهورن البالغ من العمر 16 عاماً قادماً من هيرتا برلين أحد فرق دوري الدرجة الثانية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
رياضة عالمية نادي ميونيخ 1860 يواصل السقوط بالهبوط للدرجة الرابعة (بوندسليغا)

المستثمر حسن إسميك ينهي اتفاقية التعاون مع نادي ميونيخ 1860

عرض المستثمر حسن إسميك قرار إنهاء اتفاقية التعاون مع نادي ميونيخ 1860، بطل الدوري الألماني لكرة القدم (بوندسليغا) سابقاً.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
رياضة عالمية كارليس مارتينيز نوفيل مدرب باير ليفركوزن الجديد (أ.ب)

مدرب ليفركوزن الجديد يتعهّد بتقديم كرة هجومية

قدَّم نادي باير ليفركوزن الألماني لكرة القدم مدربه الجديد كارليس مارتينيز نوفيل، الجمعة.

«الشرق الأوسط» (ليفركوزن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.