بيتر لوريمر... مهاجم كان لديه «ديناميت} في قدميه

هناك ذكريات كثيرة رائعة في ليدز يونايتد لكن ما قدمه اللاعب الاسكتلندي سيظل استثنائياً

كان لوريمر يسدد الكرة بسرعة تزيد على 100 ميل في الساعة
كان لوريمر يسدد الكرة بسرعة تزيد على 100 ميل في الساعة
TT

بيتر لوريمر... مهاجم كان لديه «ديناميت} في قدميه

كان لوريمر يسدد الكرة بسرعة تزيد على 100 ميل في الساعة
كان لوريمر يسدد الكرة بسرعة تزيد على 100 ميل في الساعة

كان النجم الاسكتلندي بيتر لوريمر يسدد الكرة بقوة مذهلة لدرجة تجعل البعض يشعر بالدهشة، لأن الكرة لا تترك آثاراً للبخار أثناء انطلاقها بلا هوادة نحو شباك المنافسين! وخلال أفضل فترات مسيرته الكروية مع نادي ليدز يونايتد، انضم لاعب خط الوسط المهاجم، الذي توفي عن عمر يناهز 74 عاماً، إلى نظرائه من الهدافين البارزين في ذلك الوقت، وأبرزهم بالطبع بوبي تشارلتون وفرنسيس لي، إلى زيارة برعاية إحدى الصحف إلى أحد مصانع الذخيرة في ميدلاندز. وكانت الفكرة هي إثبات أن لوريمر يمكن أن يسدد الكرة بشكل أقوى من أي شخص آخر، وأطلق هؤلاء اللاعبون عدداً من التسديدات التي تم اختبارها بواسطة آلة تُستخدم في الأساس لقياس سرعة الرصاص!
ومن المؤكد أن الهداف التاريخي لليدز يونايتد - سجل لوريمر 238 هدفاً في 705 مباريات خلال فترتين مع النادي - فاز بشكل مريح. وقال إيدي غراي، زميله السابق في ليدز يونايتد الذي كان حتى وقت قريب رفيقه في لعب الغولف: «كان بيتر أفضل مهاجم رأيته على الإطلاق في عالم كرة القدم». لكن لوريمر لم يكن يتسم بهذه القوة والشراسة خارج الملعب. وعلى ملعب «إيلاند روود»، لوحظ أن لوريمر كان يخرج من غرفة خلع الملابس في أيام المباريات لمشاهدة سباقات الخيل على شاشة التلفزيون في ردهة اللاعبين. وقبل بداية المباريات بعشر دقائق، كان أحد العاملين بالنادي يطلب منه العودة إلى صفوف الفريق لخوض المباراة.
وقال لوريمر عن ذلك: «كنت أشعر براحة أكبر من الآخرين. إنني أعشق كرة القدم، لكن إذا خسرت لم أكن أجعل ذلك يؤثر على عائلتي. وما زلت على هذا النحو، فلا أسمح لأي شيء بأن يزعجني». إن هذه القدرة النادرة على عزل نفسه عن الضغوط ربما تفسر سبب مشاركته في صفوف الفريق الأول لنادي ليدز يونايتد لأول مرة وهو في الخامسة عشرة من عمره في عام 1962، ليصبح أصغر لاعب يمثل الفريق الأول بالنادي عبر تاريخه الطويل. وقد ساعده ذلك على الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز مرتين، ولقب كأس الاتحاد الإنجليزي مرة واحدة، وكأس الرابطة الإنجليزية المحترفة مرة واحدة، في فترة أصبح فيها ليدز يونايتد، بقيادة دون ريفي، أحد أفضل الفرق في تاريخ كرة القدم الإنجليزية.
ولولا افتقار والديه إلى الجشع، لانضم لوريمر إلى أحد الأندية الأكثر قوة وهو في الخامسة عشرة من عمره. وفي تلك الفترة، انتشرت الأخبار بأن هناك لاعباً شاباً تطلق عليه ألقاب مثل «صاحب أحذية الرعد» و«صاحب التسديدة القوية» و«السوط»، يمتلك ديناميت في قدميه، وبالتالي دخل كشافو اللاعبين في منافسة شرسة للحصول على خدماته.
وذات يوم، تم ترك حقيبة منقوش عليها شعار نادي مانشستر يونايتد وتحتوي على 5000 جنيه إسترليني في منزل عائلة لوريمر. وفي عام 1962، كان مبلغ الـ5000 جنيه إسترليني يمثل مبلغاً كبيراً للغاية من المال، لكنه لم يكن كبيراً بالنسبة للاعب يمتلك إمكانات هائلة ويطلق تسديدات بسرعة تزيد على 90 ميلاً في الساعة، بل وصل الأمر إلى تسديده ركلة جزاء بسرعة تبلغ 107 أميال في الساعة. وقال لوريمر: «كان نحو 30 نادياً تريد التعاقد معي. لكن والديّ رأيا شيئاً في دون ريفي أقنعهما بأنه المدير الفني المناسب لي».
إن قرار المدير الفني لليدز يونايتد بزيارة منزل لوريمر في ضاحية «بروتي فيري» قد ترك انطباعاً بأن هذه الحقيبة قد أُعيدت سراً إلى مانشستر يونايتد مع رفض العرض بطريقة مهذبة. قال لوريمر عن ذلك: «كان والداي يستحقان الكثير من التقدير والثناء. كان مانشستر يونايتد هو أقوى فريق في البلاد في ذلك الوقت، لكنهما كانا يعتقدان أن دون ريفي لديه خطة واضحة وكان يحاول بناء شيء ما».
وللوهلة الأولى، تبدو المسيرة الدولية للوريمر ضعيفة للغاية ولا تتناسب مع لاعب بهذه القدرات والإمكانات، حيث لم يلعب سوى 21 مباراة دولية مع منتخب اسكتلندا، لكن يجب أن نعرف أن السبب في ذلك يعود إلى إيقافه عن اللعب مع منتخب بلاده في عام 1971، عندما تخلف عن معسكر المنتخب وقضى الصيف يلعب في مدينة كيب تاون في جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري. قال لوريمر عن ذلك: «ربما كنت ساذجاً، لكنني شعرت بعد ذلك بأنني خائن، وكان والداي مستاءين للغاية».
لكن تم استدعاء لوريمر في الوقت المناسب للمشاركة في نهائيات كأس العالم 1974 في ألمانيا الغربية، حيث شارك في المباريات الثلاث التي لعبها منتخب اسكتلندا، وسجل هدفاً من تسديدة مذهلة وبسرعة فائقة في مرمى زائير في المباراة التي انتهت بفوز اسكتلندا بهدفين دون رد. وفي عام 1979. انتقل لوريمر للعب في كندا مع ناديي تورونتو بليزارد، وفانكوفر وايتكابس قبل أن يعود مرة أخرى إلى ليدز يونايتد، الذي كان قد هبط آنذاك إلى دوري الدرجة الأولى.
اعتزل لوريمر كرة القدم وهو في الأربعين من عمره، لكن ليدز يونايتد ظل جزءاً لا يتجزأ من حياته، حيث جمع بين العمل كمدير لمقهى «ذا كوميرشيال» بالقرب من ملعب «إيلاند روود» والعمل كمحلل للمباريات في الإذاعة المحلية، كما كان يمثل الجماهير في مجلس إدارة النادي.
وكان زوار مقهى «ذا كوميرشيال» يجدون صعوبة كبيرة في كثير من الأحيان في تخيل أن هذا الشخص الذي يجلس بكل تواضع في المقهى كان أبرز لاعب في الفريق الرائع لليدز يونايتد بقيادة دون ريفي. لكن لورمير لم يكن يجد أي غضاضة في ذلك، وفي وقت لاحق من حياته بدا أن مصدر الألم الرئيسي بالنسبة له يتمثل في عدم قدرته على التلاعب بكرة الغولف بنفس السهولة التي كان يتلاعب بها بكرة القدم في السابق.
لقد تجلت موهبته الفذة في العديد من الأهداف الاستثنائية التي سجلها، لكن الهدف الذي سجله في مرمى مانشستر سيتي في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1971 يظل بشكل خاص رمزاً لمسيرته الكروية، حيث تسلم تمريرة بيلي بريمنر السيئة بكل براعة وتلاعب باثنين من لاعبي سيتي ورفع الكرة عالياً قبل أن يسددها بقوة من مسافة 25 ياردة لتدخل شباك جو كوريغان، الذي لم يتمكن من القيام بأي شيء. صحيح أن هناك العديد من الذكريات الرائعة في ملعب «إيلاند روود»، لكن ما قدمه بيتر لوريمر سيظل استثنائياً.


مقالات ذات صلة

مبابي يعد باحتفال غير معتاد إذا سجل أمام السنغال

رياضة عالمية كيليان مبابي قائد منتخب فرنسا (أ.ب)

مبابي يعد باحتفال غير معتاد إذا سجل أمام السنغال

كشف كيليان مبابي عن احتفال غير تقليدي قد يظهره خلال مباراة فرنسا والسنغال في افتتاح مشوار المنتخب الفرنسي بكأس العالم.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عالمية ديديه ديشان المدير الفني للمنتخب الفرنسي (أ.ب)

«مونديال 2026»: ديشان ينتقد ازدحام جدول المباريات

انتقد الفرنسي ديديه ديشان، المدير الفني للمنتخب الفرنسي لكرة القدم، تزايد الأعباء الواقعة على لاعبي كرة القدم في أعلى المستويات.

«الشرق الأوسط» (بوسطن )
رياضة عالمية عثمان ديمبيلي مع قائد فرنسا كيليان مبابي (أ.ب)

ديمبيلي: الانتقادات ضد مبابي «تجاوزت الحدود»

دافع عثمان ديمبيلي، مهاجم المنتخب الفرنسي، عن قائد الفريق كيليان مبابي، قائلاً إن الانتقادات الموجهة لمهاجم ريال مدريد أصبحت مُبالغاً فيها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية كيليان مبابي قائد المنتخب الفرنسي (رويترز)

مبابي: الفوز بكأس العالم أهم من لقب الهداف التاريخي

يمكن أن يصبح كيليان مبابي، لاعب المنتخب الفرنسي لكرة القدم، الهداف التاريخي لكأس العالم، لكن النجم الفرنسي أكد أن الفوز بلقب آخر أكثر أهمية.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عالمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون يتوسطان المنتخب الفرنسي لكرة القدم خلال زيارة لملاعب تدريب المنتخب الوطني في كليرفونتين أون إيفلين جنوب غربي باريس 2 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

هل تستفيد شعبية ماكرون من إنجازات منتخب «الديوك» الفرنسي في «كأس العالم»؟

رغم دعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المتواصل لمنتخب بلاده، تشير التجارب إلى أن نجاحات «الديوك» المحتملة لن تنعكس على شعبيته السياسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.