غراهام بوتر مدرب حقق معجزات في السويد ولا تراه أندية إنجلترا

المدرب البريطاني قاد فريق أوسترسوند المغمور للدوري الأوروبي ويبحث عن فرصة في الدوري الممتاز

بوتر محمولاً من لاعبي فريق أوسترسوند بعد الفوز بكأس السويد
بوتر محمولاً من لاعبي فريق أوسترسوند بعد الفوز بكأس السويد
TT

غراهام بوتر مدرب حقق معجزات في السويد ولا تراه أندية إنجلترا

بوتر محمولاً من لاعبي فريق أوسترسوند بعد الفوز بكأس السويد
بوتر محمولاً من لاعبي فريق أوسترسوند بعد الفوز بكأس السويد

كان غرايم جونز يعرف أن هناك شيئاً غير معتاد في الظهير غراهام بوتر الذي تعاقد معه نادي بوستون يونايتد الذي كان يلعب في دوري الدرجة الثانية بإنجلترا آنذاك. كان ذلك في عام 2003 وكان هذا الشتاء، لأسباب مختلفة، يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للرجلين، فقد كان جونز هدافاً قديراً في الدوريات الدنيا بإنجلترا، لكنه كان قد وصل لعامه الثالث والثلاثين، وكان يفكر في الخطوة القادمة له بعد اعتزال كرة القدم، في حين كان بوتر أصغر منه بخمس سنوات، ولعب في أعلى مستويين مع برمنغهام وستوك سيتي وساوثهامبتون ووست بروميتش ألبيون.
كان هناك شعور بخيبة الأمل في بوتر، نظراً لأنه على مدى عشر سنوات كلاعب محترف لكرة القدم نادراً ما شُوهد مع زميل له بالفريق.
يتذكر جونز ما حدث قائلاً: «كنت أعرف أنه شخص مختلف، وهذا ما جذبني إلى شخصيته. لقد كان مختلفاً كصبي وكرجل، وقد استمتعت بذلك لأنني كنت من نفس الفصيلة. لقد أحببت حسه الفكاهي وذكاءه، وحدث تواصل بيننا على هذا المستوى».
أصبح الرجلان صديقين مقربين للغاية من بعضهما البعض، لكن كل منهما ذهب في طريق مختلفة بعيداً عن الآخر، فسيكون جونز في كأس العالم بروسيا الصيف المقبل كمساعد للمدير الفني لمنتخب بلجيكا روبرتو مارتينيز، أما بوتر فقد سطعت نجوميته لدرجة يصعب فهمها، اعتماداً على الحقائق التي نعرفها وحدها، فعندما تولى منصب المدير الفني لنادي أوسترسوند السويدي في ديسمبر (كانون الأول) عام 2010 كان الفريق مهلهلاً، ويلعب في دوري الدرجة الرابعة، لكن بعد سبع سنوات من العمل تأهل الفريق للدوري الأوروبي، وتغلب على فرق عريقة مثل غلاطة سراي التركي وباوك اليوناني وهيرتا برلين الألماني.
هذا أمر مثير ومذهل في حد ذاته، لكن قصة بوتر تعد مثالاً لما يمكن أن يحدث عندما تحصل المواهب على الفرصة المناسبة في التوقيت المناسب والمكان المناسب. لقد شعر بوتر، وفقاً لجونز، بأن قدراته الفنية يساء فهمها، لذا اعتزل كرة القدم بعد عامين من لقائه بجونز. عمل بوتر كمدرب لتطوير كرة القدم في جامعتي هال وليدز متروبوليتان، وحصل على درجة الماجستير في القيادة والذكاء العاطفي من جامعة ليدز متروبوليتان.
ويأتي في قلب التجربة التدريبية في نادي أوسترسوند، رئيس النادي دانيال كيندبيرج، وهو قائد كتيبة سابق في الجيش، وغالباً ما يطلق تصريحات خيالية على ما يبدو، إذ يقول في الوقت الحالي إن أوسترسوند يمكنه الفوز بلقب الدوري الأوروبي هذا الموسم، ثم دوري أبطال أوروبا بعد ذلك! وكانت لكيندبيرج أولويات أقل تواضعاً من ذلك عندما طلب في صيف عام 2006 من الدوري الإنجليزي الممتاز أن يوفر ثلاثة مديرين فنيين من إنجلترا للعمل مع أكاديمية الشباب بنادي أوسترسوند السويدي.
وكان جونز، الذي كان يشرف على قيادة فريق ميدلسبره تحت سن 14 عاماً، أحد المديرين الفنيين الثلاثة الذين أرسلهم الدوري الإنجليزي الممتاز إلى السويد. وسرعان ما اكتسب جونز ثقة مسؤولي نادي أوسترسوند، وبدأ اللاعبون والمدربون الذين يعرفهم يتدفقون للعمل في هذه المنطقة التي تضم نحو 50 ألف نسمة. كان كيندبيرج يثق في حكمة جونز، لكنه تردد في عام 2009 عندما تم ترشيح بوتر لتولي منصب المدير الفني لأوسترسوند. يقول جونز: «التقى به دانيال ولم يكن متأكداً من قدرته على قيادة الفريق. لكن بعد هبوط الفريق في نهاية هذا الموسم، قال لي: ما رأيك الآن؟ وأجبته: قلت لك إن أفضل شخص لهذا المنصب هو غراهام بوتر».
كان جونز يخشى من رفض بوتر للجلوس مع كيندبيرج مرة أخرى، لكن لحسن الحظ تم التوصل إلى اتفاق سريع، وقضى بوتر فترة طويلة بين جدران النادي، وأنهى دراسته وأصبح أباً.
وسرعان ما قاد بوتر نادي أوسترسوند للترقي ثلاث مرات متتالية، كما يحمل الفريق الآن لقب الكأس المحلي، ويقدم كرة قدم جميلة تتسم بالمرونة والسرعة. ومن المهم أيضاً أن نلقي الضوء على الموارد التي اعتمد عليها بوتر لتحقيق تلك الإنجازات في ضوء الإمكانات المحدودة نسبياً، حيث يعتمد بشكل أساسي على إعادة الروح والثقة إلى لاعبين ينظر البعض إليهم على أنهم قد انتهوا تماماً من الناحية الكروية، لكنه بفضل «ذكائه العاطفي» ينجح في إعادة هؤلاء اللاعبين إلى مستواهم من جديد ويساعدهم على تقديم أفضل ما لديهم.
على سبيل المثال، كان قائد الفريق الحالي بنادي أوسترسوند، بروا نوري، قد وضع على القائمة السوداء للأندية السويدية، بعد ارتكابه عدداً من المخالفات، لكنه أصبح الآن المحرك الأساسي للفريق في الدوري الأوروبي، ووصف بوتر بأنه «واحد من أفضل الرجال الذين قابلتهم في حياتي». وهناك قصص نجاح أخرى، مثل جناح الفريق كورتيس إدواردز، الذي اعترف بنفسه بأنه «لم يتصرف بشكل صحيح» عندما جاء من ميدلسبره. وكان إدواردز يحمل كل الصفات السيئة التي يمكن أن تعيق لاعب كرة القدم عن استكمال مسيرته - الحانات والكحوليات والقمار والفتيات - لكن بوتر جعله الآن، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، لاعباً رائعاً يعتمد عليه الفريق بشكل كبير، وقد سجل هدفاً جميلاً في مباراة الفريق أمام أتلتيك بلباو الإسباني في الدوري الأوروبي الشهر الماضي، التي انتهت بالتعادل بهدفين لكل فريق.
وتكمن الفكرة في أنه كما أن اللاعبين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و21 عاماً ما زال يتعين عليهم تعلم الكثير في كرة القدم، فإنهم أيضاً ليسوا مكتملين من الناحية الشخصية والسلوكيات، ويجب أن يتعلموا المزيد أيضاً في هذه الناحية. يبدو هذا واضحاً بما فيه الكفاية، لكن النهج الذي يتبعه بوتر هو في الحقيقة أبعد ما يكون عن القاعدة المتبعة في إنجلترا، التي تدمر المواهب الشابة في هذه الفئة العمرية في كثير من الأحيان، ولا تصبر عليهم، وتعمل على تقويمهم. وخير مثال على ذلك الجناح جيمي هوبكوت، البالغ من العمر 25 عاماً، الذي استغنى عنه نادي يورك سيتي عام 2010 لكي يصبح أحد الأعمدة الرئيسية لنادي أوسترسوند، وكان أبرز لاعبي الفريق في مباراته أمام غلاطة سراي التركي في الدور التمهيدي الثاني المؤهل للدوري الأوروبي. وكان هوبكوت يلعب في نادي تادكاستر البيون عندما رأى بوتر ما لم يره الآخرون، وقرر ضمه للفريق السويدي.
ونتيجة لذلك، كان إدواردز محقاً تماماً عندما قال إن أوسترسوند يعد بمثابة نافذة رائعة لتلميع وعرض اللاعبين في أفضل صورة، مضيفاً: «سيكون من الرائع أن أعود للعب في إنجلترا، لكن إذا لم يحدث ذلك فلن أشعر بأنني فشلت. أنا سعيد في المكان الذي ألعب به الآن، لكني أريد أن أتطور وأتقدم للأمام، سواء هناك أو في أي مكان آخر». ولا يعد إدواردز هو اللاعب الوحيد الذي جذب الانتباه في صفوف النادي السويدي. ومن المتوقع أن تنهال العروض على لاعبي الفريق بعد نهاية مسيرته في البطولة الأوروبية، لكن السؤال الأكثر تعقيداً الآن يتعلق بقدرة الفريق على الاحتفاظ بخدمات بوتر نفسه.
وقد جذب بوتر أنظار العديد من الأندية، كما تردد اسمه في قائمة الترشيحات للعمل في أندية إيفرتون ووستهام وسندرلاند في الآونة الأخيرة بعد رحيل المديرين الفنيين لهذه الفرق. يقول جونز: «أعرف يقيناً أنه يمكنه العمل في أعلى المستويات، لكن المشكلة تكمن في أنه حصل على هذا الأمن الوظيفي في أوسترسوند: يسمح له بالعمل بحرية، ودانيال يثق به، ولا يمكنك حقاً أن تدرك مدى أهمية هذه الأشياء».
وهنا يبرز القول المأثور للمدير الفني الأسطوري لنادي مانشستر يونايتد السير أليكس فيرغسون بأنه يتعين على المدير الفني أن يختار رئيس النادي وليس النادي. ولذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يكون بوتر قادراً على العمل وتحقيق إنجازات في «ملعب سندرلاند» الذي تسيطر عليه الفوضى، على سبيل المثال؟ قد يشعر بوتر بالرغبة في خوض تجربة جديدة عند خروج أوسترسوند من الدوري الأوروبي؛ ولن يحدث هذا قبل العام الجديد في حال هزيمة نادي زوريا لوهانسك الأوكراني على ملعب «جامتكرافت أرينا» في 23 نوفمبر (تشرين الثاني)، وبعد فشل الفريق في التأهل للنسخة المقبلة من الدوري الأوروبي، بعدما احتل الفريق المركز الخامس في الدوري السويدي الممتاز في عام 2017.
يقول جونز: «أتحدث إلى غراهام طوال الوقت، فلدينا دائماً قضايا نتحدث عنها في كرة القدم، فضلاً عن المزاح سوياً كأصدقاء». ولذا فإن السؤال الآن يكمن فيما إذا كان أي من الأندية الإنجليزية ستثق في قدرات بوتر، ولو حدث ذلك، هل سيثق بوتر حقاً في تلك الأندية؟


مقالات ذات صلة

الصحافة الإسبانية تُحذر: السعودية ليست الرأس الأخضر... و«لا روخا» مطالَب بالرد

رياضة عالمية منتخب إسبانيا خلال التدريبات في مدرسة بايلور (أ.ف.ب)

الصحافة الإسبانية تُحذر: السعودية ليست الرأس الأخضر... و«لا روخا» مطالَب بالرد

بدأت الصحافة الإسبانية بالتحذير من خطورة المواجهة المرتقبة بين إسبانيا والسعودية في الجولة الثانية من كأس العالم 2026.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عالمية ميسي وهو يمرر حذاءه فوق ربلة ساق ماندي (د.ب.أ)

هل استفاد ميسي من معاملة تفضيلية بعدم طرده بالبطاقة الحمراء أمام الجزائر؟

رغم أن ليونيل ميسي خطف الأضواء بثلاثية تاريخية قاد بها الأرجنتين إلى الفوز على الجزائر 3-0 في افتتاح مشوارها بكأس العالم 2026، فإن الإنجاز لم يكن الحدث الوحيد.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عالمية برناردو سيلفا (أ.ف.ب)

ريال مدريد يضم برناردو سيلفا بعد رحيله عن السيتي

أعلن نادي ريال مدريد، المنافس في دوري الدرجة الأولى الإسباني لكرة القدم، اليوم (الأربعاء)، تعاقده مع لاعب الوسط الدولي البرتغالي برناردو سيلفا.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية يوليان ناغلسمان (رويترز)

ناغلسمان: لا وقت للاسترخاء قبل موقعة كوت ديفوار

أنهى يوليان ناغلسمان، المدير الفني للمنتخب الألماني لكرة القدم، فترة الراحة والاستجمام للفريق بعد البداية القوية والمبهرة في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
رياضة عالمية رالف رانغنيك (أ.ب)

مدرب النمسا بعد الفوز على الأردن: لا يوجد مُنافِس سهل في كأس العالم

أشاد رالف رانغنيك، مدرب النمسا، بجودة المنتخبات التي تسجل ظهورها الأول في كأس العالم لكرة القدم ​بعد أن حالف فريقه التوفيق ليفوز 3-1 على الأردن، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة
TT

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

لا ترحم ملاعب كرة القدم الكبرى عثرات البدايات، ولا تشفع السير الذاتية لأعتى المدارس التدريبية أمام هدير الغضب الجماهيري وضغوط الإدارات، إذ تظل البطولات العالمية والقارية بمثابة حقل ألغام يعجل بنهاية مغامرات فنية لم تكد تبدأ.

إن الإقالة الفورية التي تعرض لها الفرنسي التونسي صبري لموشي مع منتخب تونس في قلب المونديال الحالي، لم تكن سوى امتداد لظاهرة كروية تاريخية تُعرف بـ«الإطاحة السريعة وسط المنافسات»، حيث تصبح التضحية برأس المدير الفني الخيار الأوحد لمحاولة إنقاذ السفينة من الغرق المبكر قبل فوات الأوان.

زلزال مونديال 2026: لموشي يدفع ضريبة «خماسية السويد» ورينارد طوق النجاة

صبري لموشي (رويترز)

وقد سطر الفرنسي من أصول تونسية، صبري لموشي، اسمه باعتباره أحدث وأسرع المدربين المبعدين في تاريخ كأس العالم الحديث خلال شهر يونيو من عام 2026. وجاء هذا القرار الحاسم والدراماتيكي من قِبل الاتحاد التونسي لكرة القدم عقب انتهاء المباراة الافتتاحية لـ«نسور قرطاج» في دور المجموعات أمام منتخب السويد، حيث فجّرت الخسارة الثقيلة والمذلة بنتيجة خمسة أهداف مقابل هدف واحد، والأداء الدفاعي الكارثي، موجة غضب عارمة عجلت بصدور قرار الإقالة، ليسارع الاتحاد بالتعاقد مع الخبير المونديالي الفرنسي هيرفي رينارد بديلاً له، ليتولى قيادة المنتخب في المباراتين المصيريتين المتبقيتين بدور المجموعات أمام اليابان وهولندا.

هيرفي رينارد (أ.ف.ب)

فرنسا 1998: بيريرا يغادر «الأخضر» بقرار في منتصف الطريق

المدرب البرازيلي كارلوس ألبرتو بيريرا (إكس)

هذا السيناريو القاسي يعيد إلى الأذهان ما حدث في يونيو من عام 1998، عندما شهد المونديال الفرنسي إقالة المدرب البرازيلي المخضرم كارلوس ألبرتو بيريرا من تدريب المنتخب السعودي. ورغم تاريخ بيريرا العريض وتتويجه باللقب العالمي مع البرازيل، فإن الصبر الإداري لم يدم طويلاً، فبعد تجرع خسارة أولى أمام الدنمارك بهدف نظيف، جاء السقوط أمام صاحب الأرض والجمهور المنتخب الفرنسي برباعية نظيفة في الجولة الثانية، ليعلن الاتحاد السعودي إقالة بيريرا فوراً وقبل خوض المباراة الثالثة والأخيرة ضد جنوب أفريقيا، معوضاً إياه بالمدرب الوطني محمد الخراشي الذي قاد المواجهة الختامية في محاولة عاجلة لترميم المعنويات المنهارة.

محمد الخراشي مدرب المنتخب السعودي في مونديال 98

مفارقة تونسية: كاسبرتشاك يذوق مرارة المقصلة مبكراً

المدرب البولندي هنري كاسبرتشاك (ويكيبيديا)

المفارقة التاريخية تكمن في أن المنتخب التونسي نفسه ذاق مرارة هذا الإجراء الاستثنائي في التوقيت ذاته وخلال مونديال فرنسا في يونيو 1998، حين أطيح بالمدرب البولندي هنري كاسبرتشاك في منتصف دور المجموعات. وجاء قرار الاستغناء عن كاسبرتشاك بعد تلقي الفريق خسارتين متتاليتين أمام إنجلترا بهدفين نظيفين ثم كولومبيا بهدف دون رد، حيث رأت الإدارة التونسية حينها أن النهج الفني للمدرب بات عقيماً ولا يلبي تطلعات الجماهير، ليتم استبعاده على الفور وتكليف مساعده المحلي علي السلمي الذي حل بديلاً عنه لتولي المهمة في المباراة الأخيرة للمجموعات أمام رومانيا.

المدرب التونسي علي السلمي (إكس)

زلزال في سيول: الإطاحة بأسطورة كوريا الجنوبية بعد خماسية الطواحين

أسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون (ويكيبيديا)

ولم تتوقف مقصلة مونديال 1998 عند حدود المنتخبات العربية، بل امتدت لتطيح بأسطورة كرة القدم الآسيوية تشا بوم-كون من تدريب منتخب كوريا الجنوبية. فبعد مشوار تصفيات مثالي خاضه الأخير، انهار المنتخب الكوري في النهائيات بخسارة أولى أمام المكسيك بثلاثية، ثم هزيمة كارثية بخماسية نظيفة أمام هولندا، مما دفع الاتحاد الكوري لإصدار قرار طرده فوراً في العشرين من يونيو وسط صدمة الشارع الرياضي، وتكليف مساعده كيم بيونغ-سوك بإنهاء المشوار في المباراة الختامية أمام بلجيكا.

الولايات المتحدة 1994: الصدام يطيح بهنري ميشيل من عرين الكاميرون

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

ولم تكن القارة الأفريقية بعيدة عن هذه العواصف التدريبية في المنافسات العالمية، إذ شهدت نهائيات كأس العالم بالولايات المتحدة الأميركية في يونيو من عام 1994 نهاية مأساوية لولاية الفرنسي المخضرم هنري ميشيل مع منتخب الكاميرون. ورغم الآمال العريضة التي عُقدت على «الأسود غير المروضة»، فإن الانقسامات الداخلية الحادة بين المدرب واللاعبين حول التشكيل والمكافآت، والتي تزامنت مع تعادل مخيب أمام السويد بهدفين لمثلهما وسقوط ثقيل أمام البرازيل بثلاثية نظيفة، دفعت بمسؤولي الاتحاد الكاميروني إلى الإطاحة بميشيل من منصبه بقرار صارم في أوج معمعة البطولة، وإسناد المهمة بشكل عاجل وثنائي للمدربين المحليين جان مانغا أونغوين وجول نيونغا، اللذين قادا المواجهة الأخيرة التي انتهت بخسارة تاريخية أمام روسيا.

سويسرا 1954: أندي بيتي يستقيل في المعسكر ويترك اسكوتلندا بلا قائد

أما الجذور التاريخية لهذه الإقالات الطارئة فتعود إلى مونديال سويسرا عام 1954، عندما شهدت البطولة أقرب الحالات إلى مفهوم الانتحار التدريبي مع الاسكوتلندي أندي بيتي.

بيتي، الذي وجد نفسه مقيداً بقائمة هزيلة ومقننة من 13 لاعباً فقط أرسلها اتحاد بلاده لخوض المنافسات، لم يحتمل تبعات الخسارة الافتتاحية أمام النمسا بهدف نظيف، فتقدم باستقالته على الفور في قلب البطولة وغادر المعسكر غاضباً، تاركاً لاعبي «جيش التارتان» يواجهون مصيرهم بمفردهم ليتجرعوا بعدها هزيمة تاريخية قاسية أمام أوروغواي بسبعة أهداف دون رد.


عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: ميسي وكلوزه في الصدارة... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: ميسي وكلوزه في الصدارة... ومبابي يهدد إرث الأساطير
TT

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: ميسي وكلوزه في الصدارة... ومبابي يهدد إرث الأساطير

عرش الهدافين التاريخيين للمونديال: ميسي وكلوزه في الصدارة... ومبابي يهدد إرث الأساطير

تحتفظ ذاكرة كأس العالم بصفحات خالدة سطّرها جيل من المهاجمين الأفذاذ، الذين لم تكن أهدافهم مجرد أرقام في لوحات الملاعب، بل تحولت إلى صكوك دخلوا بها تاريخ الساحرة المستديرة من أوسع أبوابه. وفي صراع «الأحذية الذهبية» عبر العقود، يظل السؤال الأزلي يتردد مع كل نسخة مونديالية: من يجلس على العرش العالمي؟ ومن يهدد عروش السابقين؟

ميروسلاف كلوزه (المركز الأول - 16 هدفاً)

لم يكن الألماني ميروسلاف كلوزه أكثر المهاجمين موهبة في جيله، لكنه كان الأكثر فاعلية وحسماً أمام الشباك، حيث نجح عبر مشاركته في أربع نسخ متتالية (2002-2014) في اعتلاء قمة الهرم المونديالي، متوجاً مسيرته بلقب نسخة 2014 التي شهدت تحطيمه الرقم القياسي التاريخي في معقل البرازيل بالذات، مدفوعاً بذكاء تموقعه داخل منطقة الجزاء وإتقانه الأسطوري للضربات الرأسية.

مهاجم منتخب ألمانيا السابق ميروسلاف كلوزه (د.ب.أ)

ليونيل ميسي (المركز الأول مكرر - 16 هدفاً)

في مباراته الـ200 مع المنتخب الأرجنتيني، سجل ​ليونيل ميسي ثلاثية قاد بها منتخب باده للفوز (3-صفر) على الجزائر، ⁠الأربعاء، وذلك في بداية ⁠مشوار منتخب بلاده للدفاع عن لقب كأس العالم لكرة القدم، ⁠ليعادل بذلك الرقم ‌القياسي ‌لأكبر ​عدد ‌من الأهداف ‌للاعب في البطولة متساوياً مع الألماني ميروسلاف ‌كلوزه برصيد 16 هدفاً لكل ⁠منهما.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

رونالدو نازاريو (المركز الثاني - 15 هدفاً)

جسّد البرازيلي رونالدو مفهوم «المهاجم المتكامل» أو «الظاهرة» الذي يجمع بين السرعة الخارقة والمهارة الفائقة والإنهاء القاتل، وتمكّن عبر ثلاث بطولات فعلية شارك بها من كتابة التاريخ، لا سيما في مونديال 2002 عندما قاد «السامبا» لرفع الكأس الذهبية وتُوّج هدافاً للبطولة، ليبقى رقمه صامداً لسنوات بوصفه رمزاً للرعب التهديفي الذي عانت منه أعتى دفاعات العالم.

رونالدو نازاريو (أ.ف.ب)

غيرد مولر (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

عُرف الألماني غيرد مولر بلقب «المدفعجي» وكان بمثابة الثقب الأسود داخل منطقة جزاء الخصوم، إذ تميّز بقدرة خارقة على التسجيل من أشباه الفرص وبمختلف أجزاء جسده، تاركاً بصمة تاريخية لا تُمحى في نسختي 1970 و1974، حيث أحرز هدف التتويج بلقب كأس العالم الأخير في شباك هولندا، ليظل نموذجاً كلاسيكياً للمهاجم القناص الذي يطوّع المساحات الضيقة لخدمة الشباك.

غيرد مولر (1945-2021) هو أسطورة كرة قدم ألماني وأحد أعظم الهدافين في التاريخ (ويكيبيديا)

كيليان مبابي (المركز الثالث مكرر - 14 هدفاً)

مبابي يحمل كأس العالم بعد فوز منتخب فرنسا عام 2018 (أ.ف.ب)

يمثّل الفرنسي كيليان مبابي الإعصار الحديث الذي يهدد العروش المونديالية السابقة؛ إذ نجح في غضون نسختين فقط (2018) و(2022) في الوصول إلى هدفه الثاني عشر وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، مستنداً إلى سرعته النفاثة وثلاثيته التاريخية «الهاتريك» في نهائي ملعب «لوسيل» بقطر، مما يجعله المرشح الأول في السنوات المقبلة للانفراد بصدارة هذا السجل التاريخي.

وقد شهدت افتتاحية مباريات «الديوك» الفرنسية في مونديال (2026) حدثاً تاريخياً غير مسبوق، عندما فجّر «الفتى الذهبي» طاقته التهديفية في شباك السنغال، فبعد أن هز الشباك في الدقيقة (66) ليفك الشراكة مع «الملك» بيليه ويرتقي مؤقتاً إلى المركز الرابع مكرر برصيد (13) هدفاً واضعاً نفسه على مسافة واحدة مع مواطنه الأسطوري جاست فونتين، عاد مبابي ليرفض البقاء في تلك المرتبة طويلاً بتسجيله الهدف الثاني له في المباراة، وهدفه الـ14 تاريخياً ليتجاوز فونتين، ويقتحم منصة التتويج التاريخية بالصعود إلى المركز الثالث مكرر، ليتساوى مع «المدفعجي» مولر، ليصبح على بُعد هدفين فقط من معادلة «الظاهرة» رونالدو (15) هدفاً، و3 أهداف من الصدارة.

القفز من الثالث إلى الخامس... حجب المرتبة الرابعة

ومن عتبة المركز الثالث المشترك حالياً بين غيرد مولر وكيليان مبابي برصيد 14 هدفاً، تقفز الحسابات الرياضية التراكمية مباشرة إلى المركز الخامس لتلغي المرتبة الرابعة تماماً لعدم وجود أحد فيها، إذ إن المركز الثالث مشغول بـ«اسمين»، فقد استهلكا الخانتَين الحسابيتَين (3 و4)، ليحل من يليه في الرصيد وهو فونتين بـ13 هدفاً في المركز الخامس.

جاست فونتين نجم كرة القدم الفرنسي الراحل (ويكيبيديا)

جاست فونتين (المركز الخامس مكرر - 13 هدفاً)

حقق الفرنسي الراحل جاست فونتين إعجازاً كروياً عصياً على التكرار في تاريخ المستديرة، عندما سجل جميع أهدافه الثلاثة عشر في نسخة واحدة فقط وهي بطولة السويد 1958، ليمنح بلاده مركزاً متقدماً ويعلن عن نفسه بوصفه صاحب أعلى معدل تهديفي في بطولة منفردة، في محطة تاريخية تقف شاهدة على عبقرية هجومية سبقت عصرها بكثير.

وبالصرامة الحسابية ذاتها، يتحرك قطار التوثيق من عتبة المركز الخامس المشترك مع فونتين (13 هدفاً)، ليتجاوز الترتيب المرتبة السادسة المحجوبة تماماً ويحط الرحال عند المركز السابع، حيث يبرز اسم «الملك» البرازيلي الراحل بيليه وحيداً برصيد 12 هدفاً.

بيليه (أ.ف.ب)

بيليه (المركز السابع - 12 هدفاً)

بينما يظل بيليه «الملك» واللاعب الوحيد المُتوّج بثلاثة ألقاب لكأس العالم، فإن أهدافه الاثني عشر كانت بمثابة اللوحات الفنية التي صاغت أمجاد البرازيل الكروية، حيث بدأ مسيرته مراهقاً مذهلاً في 1958 وختمها بعبقرية مطلقة في 1970، مسجلاً في المباريات النهائية الكبرى، ومثبتاً أن النجومية ترتبط بالحضور الحاسم في المواعيد التي تصنع التاريخ.

تستمر قائمة العظماء بأسماء حفرت مكانتها بمداد من ذهب:

ساندور كوتشيس (المركز الثامن- 11 هدفاً)

يُعد المجري ساندور كوتشيس صاحب الومضة الهجومية الأكثر رعباً في خمسينات القرن الماضي، حيث سجل أهدافه الأحد عشر في نسخة واحدة فقط (سويسرا 1954) وخلال خمس مباريات، بفضل ارتقاءاته الخيالية التي منحت لقب «الرأس الذهبي»، ليدون أول ثنائية «هاتريك» في تاريخ البطولة،ت قبل أن تنهي الظروف السياسية مسيرة جيله الذهبي مبكراً.

لاعب منتخب المجر السابق ساندور كوتشيس (ويكيبيديا)

يورغن كلينسمان (المركز الثامن مكرر - 11 هدفاً)

سطر الألماني يورغن كلينسمان قصة نجاح ممتدة على مدار عقد كامل في الملاعب المونديالية، نجح خلالها في توزيع أهدافه الأحد عشر على ثلاث نسخ متتالية بدأها في إيطاليا 1990 بثلاثة أهداف أسهمت في قيادة الماكينات لرفع الكأس العالمية، ثم بلغ ذروة توهجه في أميركا 1994 محرزاً خمسة أهداف، من بينها مقصيته الشهيرة في شباك كوريا الجنوبية، قبل أن يختتم مشواره في فرنسا 1998 بثلاثة أهداف أخرى. وقد تميز كلينسمان بأدائه بوصفه مهاجماً شاملاً يجمع بين السرعة والذكاء التكتيكي العالي والقدرة على حسم الهجمات من مختلف الوضعيات، فضلاً عن احتفاليته الأيقونية بالارتماء على العشب، ليظل واحداً من الرموز الخالدة التي صاغت أمجاد الهجوم الألماني في العصر الحديث.

الألماني يورغن كلينسمان (ويكيبيديا)

لغز الترتيب المحجوب... كيف ألغت حسابات «الفيفا» المركز التاسع؟

في عالم الأرقام والإحصاءات المونديالية، كثيراً ما تفرض «لعبة الكراسي الموسيقية» أحكاماً رقمية صارمة تلغي مراكز بأكملها من لوائح الشرف، وهو تماماً ما يتجلى في هذا المنعطف من سباق الهدافين التاريخيين لكأس العالم، حيث يختفي «المركز التاسع» تماماً من المشهد. يعود السبب في هذا التواري الإحصائي إلى القواعد الدولية المعتمدة التي تقضي بأنه في حال تعادل لاعبين في مرتبة واحدة كما هو الحال مع كلينسمان وكوتشيس اللذَيْن يتقاسمان المركز الثامن برصيد 11 هدفاً فإن المرتبة الرقمية التي تليها تُحجب تلقائياً لتكافؤ الفرص الشاغرة.

ومن هذا المنطلق الحسابي، يتجاوز قطار التاريخ محطة الرقم تسعة، ليقذف بنا مباشرة إلى «المركز العاشر»، وهو المركز الأكثر ازدحاماً وصخباً في الأرشيف المونديالي، حيث يتشارك في ثناياه ستة فرسان من أساطير اللعبة الذين اصطدمت طموحاتهم بجدار الأهداف الـ10، ليرسموا معاً لوحة كروية امتدت عبر مختلف الأجيال والمدارس الكروية.

غاري لينيكر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

النجم الإنجليزي غاري لينيكر (أ.ب)

يبرز الإنجليزي غاري لينيكر بوصفه أحد أذكى قناصي منطقة الجزاء في تاريخ الكرة البريطانية، حيث نال الحذاء الذهبي في مونديال 1986 برصيد 6 أهداف وأضاف 4 أخرى في نسخة 1990، متميزاً ببرود أعصابه أمام المرمى وسجله الأخلاقي الناصع، إذ اعتزل كرة القدم دون أن يتلقى بطاقة صفراء أو حمراء واحدة طوال مسيرته الدولية والمحلية.

توماس مولر (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الألماني توماس مولر (ويكيبيديا)

أعاد الألماني توماس مولر تعريف مركز المهاجم في العصر الحديث من خلال ابتكاره لدور «صائد المساحات»، حيث فجر طاقته بخمسة أهداف في مونديال 2010 نال بها الحذاء الذهبي، ثم كرر الرقم ذاته في مونديال 2014 ليقود بلاده لمنصة التتويج، معتمداً على تحركاته الذكية الخالية من الكرة وتوقعه المثالي لأخطاء المدافعين.

غابرييل باتيستوتا (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا (ويكيبيديا)

حمل الأرجنتيني غابرييل باتيستوتا لقب «باتي غول» لشدة وقوة تسديداته المدمرة التي لم ترحم حراس المرمى، ودخل التاريخ كونه اللاعب الوحيد في أرشيف كأس العالم الذي نجح في تسجيل ثلاثية (هاتريك) في نسختين متتاليتين من البطولة (1994 ضد اليونان و1998 ضد جامايكا)، مجسداً بقميص «التانغو» ذروة القوة البدنية والإنهاء الشرس.

تيو فيلو كوبيلاس (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو (ويكيبيديا)

يعد تيو فيلو كوبيلاس الجوهرة السمراء لبيرو وأحد أعظم لاعبي خط الوسط الهجومي في تاريخ أميركا الجنوبية، حيث وزع أهدافه العشرة بالتساوي بإحرازه 5 أهداف في مونديال 1970 و5 أخرى في مونديال 1978، مبهراً العالم بمهارته الفائقة في المراوغة وتنفيذه للركلات الحرة الملتفة التي سكنت شباك كبار حراس المرمى.

غرزيغورز لاتو (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

الجناح السريع لمنتخب بولندا غرزيغورز لاتو (ويكيبيديا)

قاد الجناح السريع غرزيغورز لاتو منتخب بولندا إلى عصرها الذهبي في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وتوج هدافاً لمونديال 1974 برصيد 7 أهداف ليقود بلاده للمركز الثالث، قبل أن يعزز رصيده في نسختي 1978 و1982، مستغلاً سرعته النفاثة وانطلاقاته من الأطراف لضرب الدفاعات والتسجيل بكفاءة المهاجم الصريح.

هلموت ران (المركز العاشر مكرر - 10 أهداف)

يحتل الألماني هلموت ران مكانة أسطورية مقدسة في الذاكرة الكروية لبلاده، فهو المدفعجي الذي سجل هدف الفوز التاريخي في نهائي مونديال 1954 ضد المجر في المباراة الشهيرة بـ«معجزة بيرن»، وتابع توهجه في مونديال 1958 برصيد 6 أهداف كاملة، ليؤكد إرثه كلاعب المواعيد الكبرى الذي يظهر عندما يحتاجه الوطن في اللحظات القاتلة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.