تُشير عبارة «أولاد البطة السوداء» في الثقافة الشعبية المصرية إلى ضحايا التمييز ممَّن لا ينالون حقوقهم ويتعرَّضون للظلم مقارنة بغيرهم، ويعيشون حياتهم بشعور أنهم ضحايا للعنصرية والتمييز طوال الوقت، حتى صارت بمثابة تعبير مجازي يلجأ إليه كلّ مَن يشعر بأنه عرضة للتهميش، على مستوى الأفراد أو الفئات الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، يبدو عنوان مسرحية «ولاد البطة السودا» أول ما يلفت النظر في العرض الذي يستضيفه مسرح «الهناجر» بدار الأوبرا المصرية. ومع تحويل الجملة إلى المحكية المصرية لتصبح أكثر شعبوية، فنحن بإزاء عمل ينحاز إلى كلّ مَن يشعر بعدم التقدير نتيجة ممارسات المجتمع.
وعدَّت مخرجة المسرحية عبير علي حزين العمل «إدانة كوميدية موسيقية غنائية ساخرة للفكر المتحجِّر الذي لا يقبل التنوّع ويرفض التسامح مع الآخر المختلف، مهما تعدَّدت أشكال هذا الاختلاف».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أردنا أن نكشف بوضوح عن أن الأفراد والجماعات يمارسون أحياناً نوعاً من التنمُّر الجماعي والقمع والتهميش ضدّ المختلفين عنهم، والذين يجدون أنفسهم في حالة غير إنسانية من العزلة والألم».
ورغم ما يوحي به الاسم من أجواء تميل إلى التراجيديا والميلودراما والشفقة على الذات، فإنّ العرض يسير في اتجاه معاكس تماماً، فهو مبني على البهجة وبثّ الطاقة الإيجابية من خلال عمل غير تقليدي يتجاوز فكرة الحبكة الدرامية المعتادة والقصة المُكتملة، من بداية ووسط تتخلّله عقدة ثم نهاية تتضمَّن الحل، ليتحول إلى حالة خاصة تجمع بين فنون الحكي، والرقص، والغناء، والتمثيل، والاستعراضات، ضمن حالة مسرحية مغايرة للمألوف.
ويقدّم العرض رصداً ساخراً لعدد من قضايا المجتمع المتنوّعة، معتمداً على مرونة الشكل الفنّي الذي أتاح التطرُّق إلى أكثر من قضية في وقت واحد، في صياغة مستمدّة من واقع حكايات الحياة اليومية المعاصرة ومنشورات متداولة عبر «فيسبوك» يحكي أصحابها قصصهم الحزينة مع التنمّر والعنصرية، بالإضافة إلى دمج حكايات الجدات والفلكلور الشعبي المستمدّ من البيئة المصرية.

وقُدّمت تلك الأجواء القصصية في قالب لوحات واستعراضات مرنة «اسكتشات» تعكس تفاصيل وضغوط المواطن المصري بأسلوب ضاحك يبتعد عن الطابع المباشر أو الوعظ، لتتحوّل خشبة المسرح إلى مساحة اعتراف جماعي تجمع بين المرارة والضحك في آن واحد، على نحو بدا أقرب إلى «الكوميديا السوداء» في بعض الأحيان، لا سيما فيما يتعلَّق بقضايا قبول الآخر وعدم التنمُّر أو التمييز ضدّ فئات مهمَّشة بعينها.
من جهته، رأى أحد الأبطال الرئيسيين للعمل، الفنان جمال عبد الناصر، أن تجربة «ولاد البطة السودا» كانت حالة من المتعة الخالصة بالنسبة إليه؛ إذ استنفرت جميع أدواته المختلفة من حكي يؤدّيه الممثل وهو يخاطب الجمهور، وتشخيص مَشاهد مع الرقص والغناء، فضلاً عن أداء مَشاهد «البانتومايم»، وهو التعبير بالجسد وملامح الوجه من دون نطق كلمة، مع التدرُّب الاحترافي على كلّ فنّ من تلك الفنون على حدة.
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «قدَّمت شخصية موظّف تقليدي يبتعد عن المشكلات بجميع أشكالها ويرفض الاشتباك الحادّ مع هموم مجتمعه، رغبة منه في تجنُّب إزعاج أي طرف، وذلك من خلال ثيمة المهرج، وهي الثيمة العامة التي تظهر من خلالها الشخصيات في العمل، بما يقتضيه ذلك من مساحيق ثقيلة وخفّة ظلّ وأداء ساخر».

وكان لافتاً أنّ صنّاع العمل قدّموا له على صفحته في «فيسبوك» بشكل طريف وغير تقليدي، محذّرين المتلقّي من أنّ «هذا العرض يمكن أن يتسبَّب له في ضحك مفاجئ أو ارتباك، أو يثير لديه أسئلة وجودية غريبة لم تكن لتخطر في باله من قبل». ورغم ما يتّسم به التحذير من طرافة وجاذبية، فإنه يعكس جوهر تلك التجربة الفنية التي لا تكتفي بإثارة الضحك، بل تهدف كذلك إلى دعوة المتفرّج لإعادة التفكير والتأمّل فيما حوله من مفارقات غير منطقية.
وشاركت في البطولة نخبة من الفنانين تجمع بين أصحاب الخبرة والمواهب الشابة، منهم محمد عبد المعز، وهمس شاكر، وولاء الجندي، وفرح رجب، ومحمد علي حزين، في حين جاء التدريب الغنائي بإشراف هاني عبد الناصر، فيما تولّى علي جيمي تصميم الاستعراضات.





