«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان - 8»... دورة رائعة رغم خيبات أمل تصل إلى خاتمتها

توقعات المحطة ما قبل الأخيرة

أعضاء لجنة تحكيم «مهرجان كان» في صورة جماعية (أ.ب)
أعضاء لجنة تحكيم «مهرجان كان» في صورة جماعية (أ.ب)
TT

«الشرق الأوسط» في «مهرجان كان - 8»... دورة رائعة رغم خيبات أمل تصل إلى خاتمتها

أعضاء لجنة تحكيم «مهرجان كان» في صورة جماعية (أ.ب)
أعضاء لجنة تحكيم «مهرجان كان» في صورة جماعية (أ.ب)

الليلة هي ليلة ختام الدورة 79 لمهرجان «كان». 11 يوماً من المشاهدات واللقاءات والنشاطات والتسكع بين المقاهي، أو السير عند رصيف ذلك الشاطئ الممتد ما بين نقطتين على مسافة نحو كيلومتر واحد. تبدأ بأحد أهم الفنادق (وأغلاها سعراً)، وتنتهي بقصر المهرجان حيث تُعرَض الأفلام في أقسامها المختلفة.

* المسابقة الرسمية

أحد هذه الأقسام وأكثرها مدعاة للترقّب والاهتمام هو قسم المسابقة الرئيسية: 23 فيلماً خاضت المنافسة، مستعرضة مواهب مخرجيها وممثليها وكاتبيها أمام أعين لجنة تحكيم يقودها المخرج الكوري الجنوبي بارك-تشان ووك، الذي سيضع ثقله بوصفه أحد أهم مخرجي السينما اليوم وراء تلك الاختيارات المنتظرة.

بارك-تشان ووك رئيس لجنة التحكيم (أ.ف.ب)

باقي أعضاء اللجنة (8) يتوزّعون بين كاتب السيناريو بول لافرتي، والممثلين ستيلان سكارغارد، وديمي مور، وروث نيغا، وإسحاق د بانكولي، والمخرجين لورا وندل، ودييغو كاسبيدس، وكلوي زاو.

كالعادة، لا يمكن معرفة حيثيات الاجتماع الأخير للجنة، وما يدور فيه من نقاشات وتبادل آراء ومواقف. كل ما هو معروف أن هذه المواهب ذات أساليب العمل والرؤى المختلفة عليها أن تخرج بنتائج تقرر مَن فاز وفي أي ركن (فيلم، تمثيل، إخراج، سيناريو إلخ...)، ولماذا.

أمر واحد ثابت في ظل هذا التعدد في الرؤى، هو أن المخرج بارك-تشان ووك ليس من النوع الذي ينصاع لغالبية، بل يناقش كل رأي مستنداً إلى خبرته المديدة. هو مَن قدَّم نفسه بقوّة سنة 2003 بفيلم «Old Boy»، وحققت أفلامه بعد ذلك (من بينها «Stoker»، و«The Handmaid») نجاحات نقدية عدة.

ميزة قيام مخرج بقيادة لجنة التحكيم هي أنه يستطيع قراءة ما قد لا يقرأه الآخرون في لجنته. نستطيع بسهولة افتراض أنَّ بارك-تشان ووك يتمعَّن في الأفلام من وجهة نظره بصفته صانع أفلام يعرف جوانب المهنة، وأين تكمن حسنات كل فيلم ونقاط ضعفه.

روسي خارج روسيا

خلال الأسبوع الأول من العروض اليومية، بدا كما لو أنَّ المهرجان وجد الأفلام التي ستثير القدر الأكبر من المداولات. البولندي بافل بافيلوفيسكي قدَّم «وطن»، والذي توقع كثير من النقاد أن يفوز بالجائزة الذهبية. لكن الحُكم على هذا النحو هو من نوع التكهنات غير العملية، كون الأيام التالية حبلى بالأفلام القادرة على منافسة متساوية.

من «على نحو مفاجئ» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي (أ آر تي فرانس سينما)

وبينما أخفق «ملاحظات ناغي» للياباني فوكادا كوجي في احتلال مكانة مميّزة، تربَّع الفيلم الياباني الآخر «على نحو مفاجئ (All of a Sudden)» في مقدِّمة تلك الأعمال التي ستبقى في البال لحين الاجتماع الذي سيقرِّر لمَن تذهب جوائز هذه الدورة.

تباعاً بعدها عُرضت أفلام أخرى لافتة بينها «المحبوبة» لرودريغو سوروغويَن، و«نمر من ورق» (إسبانيا) لجيمس غراي (الولايات المتحدة)، و«أمل» لنا هونغ-دجين (كوريا الجنوبية)، و«فجورد» (Fjord) لكرستيان مونغيو (رومانيا).

لاحقاً دخل فيلم آخر مهم وجيّد على خط هذه التوقعات، وهو «مينوتور (Minotaure)» للروسي أندريه زفاياغنتزف، ليزيد التنبؤات حول النتائج تعقيداً لا على الصعيد الفني فقط، بل على صعيد سياسي أيضاً. فالمخرج سبق أن قدَّم أعماله في «كان» ومنها «لوياثان (Leviathan)» سنة 2014، و«بلا حب (Loveless)» في 2017. حينذاك لم تكن الحرب الأوكرانية واردة، ووقتها فاز بجائزة لجنة التحكيم عن «بلا حب»، وبجائزة أفضل سيناريو عن «لياثان».

الآن الوضع يختلف ومهرجان «كان» مشارك في مقاطعة أوروبية لكل النشاطات الروسية (ثقافية، وفنية، وخلافهما). هذه المقاطعة ما زالت ساريةً رغم وجود «مينوتور» في المسابقة، وهو من بين أفضل أعمال زفاياغنتزف لليوم. لكن المخرج الروسي لجأ لتغطية مشوار فيلمه الجديد بتأمين تمويل من فرنسا وألمانيا ولاتفيا، مع قيامه بالتصوير في لاتفيا بداية من مطلع شهر يونيو (حزيران) في العام الماضي.

بين فيلمين جديرين

هل سيضمن له هذا الالتفاف جائزة؟ لجنة التحكيم لن تقرر موقفها بناء على ما إذا كان المخرج روسياً أم لا، والمهرجان لا يعارض إذا ما فاز هذا الفيلم على سواه أو كان من بين تلك الأفلام الفائزة. هذا مع العلم بأن المخرج الروسي يضع في خلفية ما يعرضه في فيلمه هذا نقداً للسياسة الروسية الحالية.

المخرج أندريه زفاياغنتزف (اليمين) خلال تصوير «مينوتور» (سي جي سينما)

الذي سيبدو مقلقاً بعض الشيء مصير «أمل»، وهو فيلم جيد التنفيذ (كتابة وإخراجاً) كونه فيلماً كورياً قُدّر له أن يمر في «فلتر» الأعمال المرشّحة الذهبية أو سواها، في سنة قيام مخرج كوري آخر برئاسة تلك اللجنة. إذا ربح قد يُنظَر إلى الأمر على أساس مباركة وطنية، وإذا لم يربح قد ينظر البعض إلى حقيقة أنه كان يستحق الفوز لولا الخوف من تضارب الاعتبارات.

ما قد يحُول ضد أن يفوز «أمل» بجائزة هو أنه، في نهاية المطاف، فيلم أكشن. جيد التنفيذ، رائع المخيلة، تصاميم فنية أخّاذة ومشاهد ذات إخراج بارع... لكنه في النهاية فيلم حركة وخيال وهذه قلّما تجد التقدير الذي تستحقه في مهرجان كبير مثل هذا.

بالنسبة لفيلم زفاياغنتزف الأمر يختلف

المنافسة الحادة المتوقعة هي بين فيلم «وطن» لبافل بافلوفيسكي وفيلم «مينوتور» لزفاياغنتزف. الأول يمتاز بقدرة ذلك المخرج على استعراض الخاص والعام في الحقبة التاريخية التي يدور فيها بمهارة، والثاني فيلم جيد التأسيس ويحاكي تلك الأعمال التي تبحث في العاطفة لكنها تتعامل مع الفكر وليس مع العاطفة (مستوحى من فيلم حققه الفرنسي كلود شابرول سنة 1969 بعنوان «امرأة خائنة La femme infidèle»).

مع وجود هذا التنافس بين الأفلام المذكورة أعلاه، فإنَّ الخسارة ستكون من نصيب معظم الأفلام المشتركة، طبيعياً. ومن أبرز الخاسرين اثنان، أحدهما هو أصغر فرهادي، المخرج الإيراني الذي أنجز فيلمه الفرنسي الثاني هذا العام، وهو «حكايات متوازية».

المخرج الآخر الذي يبدو أن فيلمه لن يصل إلى التصفيات النهائية هو الإسباني بدرو ألمودوفار الذي قدَّم في الأيام الثلاثة الأخيرة من المهرجان فيلمه الجديد «كريسماس مر (Bitter Christmas)». التأثير الذي تركه الفيلم بين النقاد كان جيداً بين الأوروبيين عموماً، وأقل من ذلك بين النقاد الأميركيين.

البلجيكية فيرجيني إفيرا مرشحة للفوز بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في «على نحو مفاجئ» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي (رويترز)

ممثلون وممثلات

إذا ربح «حكايات متوازية» جائزةً ما، فقد تكون من نصيب فيرجيني إفيرا التي تلعب دوراً رئيسياً في الفيلم (إلى جانب إيزابل أوبير). في الحقيقة قد تفوز إفيرا عن دورها في فيلم ثانٍ داخل المسابقة هو «على نحو مفاجئ» للياباني ريوسوكي هاماغوتشي. هناك تؤدي أيضاً دوراً يُحسب لها بجدارة.

كذلك الحال بالنسبة للممثلة ساندرا هولر عن دورها في «وطن».

الممثل الإسباني خافيير باردم مرشح للفوز بجائزة أفضل ممثل عن «المحبوبة» (رويترز)

في المقابل الرجالي، قد تُمنح جائزة أفضل تمثيل للإسباني خافيير باردم عن «المحبوبة».

كل ما سبق يشي بمفاجآت كثيرة. حتى ولو كانت التوقعات المدرجة هنا صحيحة، فالقرار الأخير بيد لجنة التحكيم، وهذه لا بد ستشهد تناقضاً شديداً بين الآراء.


مقالات ذات صلة

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

سينما مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت»، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه.

محمد رُضا (كان - فرنسا)
سينما شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

يقول المثل: «من راقب الناس مات همّاً»، لكن عند المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي يُنجز أفلامه في أوروبا، هذه المراقبة «بصبصة» تتيح للكاتبة الروائية سيلفي...

محمد رُضا (كان - فرنسا)
يوميات الشرق كاميرات نجت من الزمن لتروي ما بقي من صورة لبنان (الشرق الأوسط)

لبنان يُعيد جَمْع ذاكرته السينمائية المُبعثرة

«السينماتيك اللبنانية» محاولة لاستعادة سردية بلد لطالما عاشت صورته بين التمزُّق والغياب...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق الممثلة الألمانية ساندرا هولر في جلسة تصوير فيلم «وطن» بمهرجان «كان» (أ.ف.ب)

ساندرا هولر: لا أرفض أي فيلم أراه جيداً

التمثيل المسرحي شكل أرضية مهمة للألمانية ساندرا هولر لتكوين هويتها الفنية وتعليمها أن التمثيل ليس ترفيهاً فحسب، بل مسؤولية.

محمد رُضا‬ (كان)
يوميات الشرق الممثلة السودانية إسلام مبارك (حسابها على فيسبوك)

إسلام مبارك لـ«الشرق الأوسط»: دوري في «أسد» ساعدني إنسانياً

قالت الممثلة السودانية إسلام مبارك إن مشاركتها في الفيلم المصري «أسد» جاءت بعد مرحلة مهمة في مشوارها الفني.

أحمد عدلي (القاهرة)

ركوب الدراجة يُعزّز صحة الدماغ ويُخفّف التوتّر

التوازن بين الجسد والعقل قد يبدأ من جولة يومية بالدراجة (جامعة ولاية بنسلفانيا)
التوازن بين الجسد والعقل قد يبدأ من جولة يومية بالدراجة (جامعة ولاية بنسلفانيا)
TT

ركوب الدراجة يُعزّز صحة الدماغ ويُخفّف التوتّر

التوازن بين الجسد والعقل قد يبدأ من جولة يومية بالدراجة (جامعة ولاية بنسلفانيا)
التوازن بين الجسد والعقل قد يبدأ من جولة يومية بالدراجة (جامعة ولاية بنسلفانيا)

أفادت دراسة أميركية بأنّ ركوب الدراجات يُعدّ وسيلة فعّالة وسهلة الوصول لتعزيز صحة الدماغ وتحسين الرفاهية العامة، إلى جانب دعم الصحة البدنية، وتحسين طريقة تفكير الأفراد ومشاعرهم وتفاعلهم الاجتماعي.

وأوضح باحثون من جامعتَي أوكلاهوما ولوما ليندا أن ركوب الدراجات يُسهم أيضاً في تقليل مستويات التوتّر وتحسين جودة الحياة بشكل عام؛ ونُشرت النتائج، الخميس، بدورية «فرونتيرز إن سبورتس آند لايفينغ».

ويشهد العالم في السنوات الأخيرة تزايداً في مشكلات الصحة النفسية، مثل القلق والاكتئاب، نتيجة ضغوط الحياة اليومية وتغيُّر أنماط العمل وضعف التفاعل الاجتماعي. وفي الوقت عينه، تتراجع مستويات النشاط البدني لدى كثير من الفئات بسبب الخمول والجلوس مدّة طويلة والاعتماد على وسائل النقل الحديثة، ممّا يرفع من المخاطر الصحية الجسدية والنفسية على السواء.

ووفق الدراسة، يُبرز هذا الوضع الحاجة إلى حلول بسيطة وفعّالة تُعزّز الصحة العامة وتُحقّق التوازن بين الجسد والعقل.

وخلالها، حلَّل الفريق نتائج 87 دراسة حول ركوب الدراجات في 19 دولة مختلفة، وأظهرت النتائج أنّ لهذه الرياضة تأثيرات إيجابية متعدّدة في الجوانب النفسية والاجتماعية والانفعالية والمعرفية.

كما بيَّنت النتائج أنّ ممارسة ركوب الدراجات بانتظام، خصوصاً في الهواء الطلق، ترتبط بتحسّن واضح في الوظائف الذهنية مثل الانتباه وسرعة الاستجابة والقدرة على التركيز، وهي مؤشّرات أساسية على كفاءة الأداء المعرفي للدماغ.

وأشارت الدراسة أيضاً إلى أنّ النشاط المعتدل الشدَّة يُحقّق أفضل النتائج على المستوى الذهني، في حين أنّ المجهود البدني العالي جداً قد يؤدّي إلى تأثيرات مؤقتة عكسية على التركيز بسبب الإجهاد البدني.

وعلى الصعيد النفسي، أفاد المشاركون في الدراسات بتحسُّن ملحوظ في المزاج العام وانخفاض مستويات التوتّر والقلق، إلى جانب زيادة الشعور بالراحة النفسية والرفاهية. كما أسهمت برامج ركوب الدراجات، خصوصاً الجماعية منها، في تعزيز الروابط الاجتماعية وتوسيع شبكات العلاقات بين الأفراد.

وأوضحت النتائج أنّ البرامج التي تعتمد على ركوب الدراجات في الهواء الطلق وعلى مدى جلسات متكرّرة أظهرت نتائج أكثر ثباتاً وفاعلية مقارنةً بالأنشطة الفردية أو قصيرة المدى، ممّا يعزّز أهمية دمج هذا النشاط في الحياة اليومية والمدارس والمجتمعات.

بالإضافة إلى الفوائد الصحية الجسدية المعروفة لركوب الدراجات، تشير النتائج إلى دوره في دعم تنظيم المشاعر، وتقليل التوتّر، وتعزيز الشعور بالانتماء الاجتماعي، وتحسين الأداء المعرفي. وتشمل التطبيقات العملية لذلك برامج ركوب الدراجات في المدارس، والرحلات الجماعية، واستخدام الدراجات الثابتة في الصالات الرياضية، وكذلك تشجيع التنقل اليومي بالدراجة.

وأكد الباحثون أنّ توسيع الوصول إلى ركوب الدراجات يتطلَّب شراكات بين المؤسّسات البحثية والمنظمات غير الربحية والمجتمعات المحلّية، بهدف تقليل الفجوات وتعزيز أثر هذه الرياضة في الصحة العامة.

وأشاروا إلى أنّ توسيع انتشارها وإتاحتها على نطاق أوسع يمكن أن يُحدث تأثيراً يتجاوز كونها وسيلة للنقل أو الترفيه، ليشمل تحسين جودة الحياة وتعزيز الصحة النفسية بشكل أعمق وأشمل.


1.2 مليار شخص يعانون اضطرابات نفسية حول العالم

فجوات العلاج النفسي لا تزال واسعة في كثير من الدول (جامعة كوينزلاند)
فجوات العلاج النفسي لا تزال واسعة في كثير من الدول (جامعة كوينزلاند)
TT

1.2 مليار شخص يعانون اضطرابات نفسية حول العالم

فجوات العلاج النفسي لا تزال واسعة في كثير من الدول (جامعة كوينزلاند)
فجوات العلاج النفسي لا تزال واسعة في كثير من الدول (جامعة كوينزلاند)

كشفت دراسة دولية أنّ عدد الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية حول العالم تضاعف تقريباً منذ عام 1990، ليصل حالياً إلى نحو 1.2 مليار شخص.

وأوضح الباحثون، بقيادة معهد قياسات الصحة والتقييم التابع لجامعة واشنطن الأميركية، وبالتعاون مع جامعة كوينزلاند الأسترالية، أنّ هذا الارتفاع الكبير جعل الاضطرابات النفسية تتصدَّر أسباب الإعاقة عالمياً، متقدِّمةً على أمراض القلب، والسرطان، واضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي؛ ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية «ذا لانسيت».

وتشير الاضطرابات النفسيّة إلى مجموعة واسعة من الحالات التي تؤثّر في المزاج والتفكير والسلوك والقدرة على التفاعل مع الحياة اليومية، وتشمل أبرزها اضطرابات القلق، والاكتئاب، والفصام، واضطراب فرط الحركة، وتشتُّت الانتباه، والتوحّد.

وشملت الدراسة تحليلاً واسعاً لانتشار وتأثير الاضطرابات النفسية بين الجنسين، عبر 25 فئة عمرية و21 منطقة و204 دول وأقاليم، من 1990 إلى 2023، ممّا يجعلها من أكثر الدراسات شمولاً في هذا المجال.

وركّز الباحثون على 12 نوعاً من الاضطرابات النفسية، إذ جاء اضطراب القلق والاكتئاب الشديد ضمن أبرز المسبِّبات لعبء المرض والإعاقة بين 304 أمراض وإصابات عالمياً.

وأظهرت النتائج أنّ العبء النفسي أعلى في بعض مناطق الدخل المرتفع، مثل غرب أوروبا وأستراليا، مع تسجيل معدلات مرتفعة في دول مثل هولندا والبرتغال وأستراليا، بينما شهدت مناطق في غرب أفريقيا وجنوب آسيا زيادات ملحوظة أيضاً.

ووفق الدراسة، تسبَّبت الاضطرابات النفسية في فقدان نحو 171 مليون سنة من سنوات العمر المُحتملة المفقودة بسبب الإعاقة أو الوفاة المبكرة خلال عام 2023، لتصبح خامس أكبر سبب لعبء المرض عالمياً. كما شكّلت أكثر من 17 في المائة من إجمالي سنوات العيش مع الإعاقة على مستوى العالم، ممّا يعكس اتساع تأثيرها الصحي والاجتماعي.

وأشار الباحثون إلى أنّ الزيادة الأخيرة تعود بدرجة كبيرة إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب الشديد، إذ ارتفع انتشار الاكتئاب بنسبة 24 في المائة منذ عام 2019، بينما زادت اضطرابات القلق بأكثر من 47 في المائة، خصوصاً عقب جائحة «كوفيد-19».

وأكدت الدراسة أنّ عبء الاضطرابات النفسية يبلغ ذروته بين الفئة العمرية من 15 إلى 19 عاماً، وكذلك بين النساء، مرجِّحة أن يعود ذلك إلى تأثيرات الضغوط المرتبطة بالجائحة، إلى جانب عوامل هيكلية طويلة الأمد مثل الفقر، وانعدام الاستقرار، والعنف، والإساءة، وتراجع الروابط الاجتماعية.

وبيَّنت النتائج اختلاف أنماط الإصابة وفق الفئة العمرية؛ ففي الطفولة المبكرة تبرز اضطرابات مثل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتُّت الانتباه واضطرابات السلوك والإعاقات الذهنية، مع معدلات أعلى لدى الذكور. ومع الانتقال إلى مرحلة المراهقة، يصبح القلق والاكتئاب الشديد الأكثر انتشاراً وتأثيراً.

وشدَّد الباحثون على أن تأثير هذه الاضطرابات لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يمتدّ إلى الأُسر، ومقدِّمي الرعاية، وسوق العمل، والأنظمة الصحية، والموارد الحكومية.

وفيما يتعلق بالعلاج، قدَّرت الدراسة أن نحو 9 في المائة فقط من المصابين بالاكتئاب الشديد يتلقّون الحد الأدنى من الرعاية المناسبة، بينما تقلّ نسبة الحصول على علاج كافٍ عن 5 في المائة في 90 دولة. كما أظهرت البيانات أنّ عدداً محدوداً من الدول مرتفعة الدخل، مثل أستراليا وكندا وهولندا، تتجاوز فيها تغطية العلاج 30 في المائة، ممّا يكشف وجود فجوات عالمية كبيرة في خدمات الصحة النفسية.

وشدَّد الباحثون على أن توسيع الوصول إلى خدمات الصحة النفسية، خصوصاً في الدول منخفضة ومتوسّطة الدخل، يمثل ضرورة مُلحّة للحد من تفاقُم هذه الأزمة عالمياً وتحسين جودة الرعاية والنتائج الصحية.


«ولاد البطة السودا»... كوميديا مصرية تسخر من العنصرية والتهميش

الإضاءة لعبت دوراً بارزاً في العرض (مخرجة المسرحية)
الإضاءة لعبت دوراً بارزاً في العرض (مخرجة المسرحية)
TT

«ولاد البطة السودا»... كوميديا مصرية تسخر من العنصرية والتهميش

الإضاءة لعبت دوراً بارزاً في العرض (مخرجة المسرحية)
الإضاءة لعبت دوراً بارزاً في العرض (مخرجة المسرحية)

تُشير عبارة «أولاد البطة السوداء» في الثقافة الشعبية المصرية إلى ضحايا التمييز ممَّن لا ينالون حقوقهم ويتعرَّضون للظلم مقارنة بغيرهم، ويعيشون حياتهم بشعور أنهم ضحايا للعنصرية والتمييز طوال الوقت، حتى صارت بمثابة تعبير مجازي يلجأ إليه كلّ مَن يشعر بأنه عرضة للتهميش، على مستوى الأفراد أو الفئات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، يبدو عنوان مسرحية «ولاد البطة السودا» أول ما يلفت النظر في العرض الذي يستضيفه مسرح «الهناجر» بدار الأوبرا المصرية. ومع تحويل الجملة إلى المحكية المصرية لتصبح أكثر شعبوية، فنحن بإزاء عمل ينحاز إلى كلّ مَن يشعر بعدم التقدير نتيجة ممارسات المجتمع.

وعدَّت مخرجة المسرحية عبير علي حزين العمل «إدانة كوميدية موسيقية غنائية ساخرة للفكر المتحجِّر الذي لا يقبل التنوّع ويرفض التسامح مع الآخر المختلف، مهما تعدَّدت أشكال هذا الاختلاف».

أزياء لافتة تُميّز العمل (مخرجة المسرحية)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أردنا أن نكشف بوضوح عن أن الأفراد والجماعات يمارسون أحياناً نوعاً من التنمُّر الجماعي والقمع والتهميش ضدّ المختلفين عنهم، والذين يجدون أنفسهم في حالة غير إنسانية من العزلة والألم».

ورغم ما يوحي به الاسم من أجواء تميل إلى التراجيديا والميلودراما والشفقة على الذات، فإنّ العرض يسير في اتجاه معاكس تماماً، فهو مبني على البهجة وبثّ الطاقة الإيجابية من خلال عمل غير تقليدي يتجاوز فكرة الحبكة الدرامية المعتادة والقصة المُكتملة، من بداية ووسط تتخلّله عقدة ثم نهاية تتضمَّن الحل، ليتحول إلى حالة خاصة تجمع بين فنون الحكي، والرقص، والغناء، والتمثيل، والاستعراضات، ضمن حالة مسرحية مغايرة للمألوف.

ويقدّم العرض رصداً ساخراً لعدد من قضايا المجتمع المتنوّعة، معتمداً على مرونة الشكل الفنّي الذي أتاح التطرُّق إلى أكثر من قضية في وقت واحد، في صياغة مستمدّة من واقع حكايات الحياة اليومية المعاصرة ومنشورات متداولة عبر «فيسبوك» يحكي أصحابها قصصهم الحزينة مع التنمّر والعنصرية، بالإضافة إلى دمج حكايات الجدات والفلكلور الشعبي المستمدّ من البيئة المصرية.

الملصق الدعائي للمسرحية (فريق العمل)

وقُدّمت تلك الأجواء القصصية في قالب لوحات واستعراضات مرنة «اسكتشات» تعكس تفاصيل وضغوط المواطن المصري بأسلوب ضاحك يبتعد عن الطابع المباشر أو الوعظ، لتتحوّل خشبة المسرح إلى مساحة اعتراف جماعي تجمع بين المرارة والضحك في آن واحد، على نحو بدا أقرب إلى «الكوميديا السوداء» في بعض الأحيان، لا سيما فيما يتعلَّق بقضايا قبول الآخر وعدم التنمُّر أو التمييز ضدّ فئات مهمَّشة بعينها.

من جهته، رأى أحد الأبطال الرئيسيين للعمل، الفنان جمال عبد الناصر، أن تجربة «ولاد البطة السودا» كانت حالة من المتعة الخالصة بالنسبة إليه؛ إذ استنفرت جميع أدواته المختلفة من حكي يؤدّيه الممثل وهو يخاطب الجمهور، وتشخيص مَشاهد مع الرقص والغناء، فضلاً عن أداء مَشاهد «البانتومايم»، وهو التعبير بالجسد وملامح الوجه من دون نطق كلمة، مع التدرُّب الاحترافي على كلّ فنّ من تلك الفنون على حدة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «قدَّمت شخصية موظّف تقليدي يبتعد عن المشكلات بجميع أشكالها ويرفض الاشتباك الحادّ مع هموم مجتمعه، رغبة منه في تجنُّب إزعاج أي طرف، وذلك من خلال ثيمة المهرج، وهي الثيمة العامة التي تظهر من خلالها الشخصيات في العمل، بما يقتضيه ذلك من مساحيق ثقيلة وخفّة ظلّ وأداء ساخر».

شخصية المهرّج الساهرة نمط متكرِّر (مخرجة المسرحية)

وكان لافتاً أنّ صنّاع العمل قدّموا له على صفحته في «فيسبوك» بشكل طريف وغير تقليدي، محذّرين المتلقّي من أنّ «هذا العرض يمكن أن يتسبَّب له في ضحك مفاجئ أو ارتباك، أو يثير لديه أسئلة وجودية غريبة لم تكن لتخطر في باله من قبل». ورغم ما يتّسم به التحذير من طرافة وجاذبية، فإنه يعكس جوهر تلك التجربة الفنية التي لا تكتفي بإثارة الضحك، بل تهدف كذلك إلى دعوة المتفرّج لإعادة التفكير والتأمّل فيما حوله من مفارقات غير منطقية.

وشاركت في البطولة نخبة من الفنانين تجمع بين أصحاب الخبرة والمواهب الشابة، منهم محمد عبد المعز، وهمس شاكر، وولاء الجندي، وفرح رجب، ومحمد علي حزين، في حين جاء التدريب الغنائي بإشراف هاني عبد الناصر، فيما تولّى علي جيمي تصميم الاستعراضات.