هل أزفت ساعة نهاية «البحبوحة» الأوروبية؟

الغضب الشعبي يتراكم على امتداد القارة على وقع الأوضاع الاقتصادية المتردية

TT

هل أزفت ساعة نهاية «البحبوحة» الأوروبية؟


حرق سيارات في أحد شوارع باريس يونيو الماضي (أ.ب)
حرق سيارات في أحد شوارع باريس يونيو الماضي (أ.ب)

منذ عقود والعالم ينظر إلى بلدان الاتحاد الأوروبي كواحة رخاء وأمان واستقرار، وكمصدر لفرص عمل كريمة وبناء مستقبل افضل في منأى عن الحروب والاضطرابات والأزمات المتوطنة التي أغرقت مواطني غالبية الدول النامية في حال من اليأس وانسداد الأفق؛ ما دفع بكثيرين منهم إلى ركوب كل المخاطر للوصول إلى الأرض الأوروبية الموعودة. لكن منذ سنوات، ثمة عواصف تعتمل في سماء المشهد الأوروبي وتعكّر صفاء البحيرة التي بدأت تتقاطع في مياهها تيارات الغضب والقلق التي ولّدها تعاقب الأزمات الاقتصادية والتغييرات الهيكلية التي باتت تهدد نظام الرفاه الذي يشكّل إحدى الركائز الأساسية للمشروع الأوروبي. بعد شتاء حافل بالاحتجاجات الحاشدة في المملكة المتحدة، والنمسا، وألمانيا والجمهورية التشيكية، شهدت أوروبا ربيعاً غاضباً، خاصة فرنسا التي ترفض القبول بأن ساعة «نهاية البحبوحة» قد أزفت، حسب تعبير إيمانويل ماكرون، في حين تشعر غالبية الأوروبيين بأن ركائز دولة الرفاه تتقوّض بسرعة، وتتدهور خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم الرسمي، في الوقت الذي أصبح المسكن ترفاً، والطبقة الوسطى على شفا الانهيار. كل ذلك تسبب في إضرابات عامة لم تشهدها أوروبا منذ سنوات كثيرة، كتلك التي عاشتها المملكة المتحدة أو الإضراب الذي شلّ قطاع النقل في ألمانيا مطلع الربيع الفائت، أو الاحتجاجات الحاشدة في عدد من المدن البرتغالية ضد ارتفاع تكاليف الإسكان، وعشرات المظاهرات ضد التضخم الجامح في معظم الدول الأوروبية.

ساحات حرب

مطلع الربيع الفائت تحولت شوارع باريس إلى ساحات حرب متنقلة بين قوات الأمن والمتظاهرين احتجاجاً على مشروع الرئيس إيمانويل ماكرون لتعديل نظام التقاعد الذي يشكّل أحد أعمدة دولة الرفاه بالنسبة للفرنسيين. وترافد في تلك الاحتجاجات أنصار الأحزاب المعارضة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، تعبيراً أيضاً عن السخط المتفشي في أوساط المجتمع الفرنسي الذي تتراكم عليه الازمات منذ سنوات، وانضمّت إليهم عناصر احترفت ركوب هذه الفرص لممارسة العنف ضد الممتلكات العامة ورموز الدولة.

إنه السخط المتنامي نفسه الذي أضرم نار الإضرابات في المملكة المتحدة والبرتغال وألمانيا واليونان. تختلف الشرارات التي تطلقه باختلاف البلدان، لكن سببه الأساسي واحد، هو السأم من حياة ترتفع تكاليفها وتزداد تعقيداً.

تكلفة المعيشة هي اليوم الهاجس الرئيسي الذي يقضّ مضاجع غالبية الأوروبيين الذين يراقبون بعجز وإحباط منذ سنوات كيف تتضاءل قدرتهم الشرائية أمام الارتفاع المطرد في الأسعار بسبب تداعيات الثورة الرقمية والتحوّل نحو الاقتصاد البيئي وازدياد عدد المسنين، ومؤخراً الحرب الدائرة في أوكرانيا وما نجم عنها من مضاعفات في سوق الطاقة والسلع الغذائية. في هذا السياق، كان لا بد من التساؤل: هل إن ما شهدته فرنسا، ولا تزال، هو نذير لما ينتظر البلدان الأوروبية الأخرى؟

محركات الموسم الاحتجاجي

الموسم الاحتجاجي الذي يجتاح أوروبا منذ أشهر وتتصاعد وتيرة العنف الذي يرافقه، ليست محركاته مقصورة على الأزمات الاقتصادية وما تولّده من صعوبة العيش لنسبة متزايدة من السكان، بل هو أيضاً نتيجة حتمية لسنوات من الاستياء المتراكم والاغتراب الذاتي، خاصة عند الشباب المتحدرين من أصول غير أوروبية كما هو الحال في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا، حيث أخفقت سياسات الاندماج في معالجة أزمة الانتماء والهوية التي يعانون منها. يضاف إلى ذلك، أن الغضب الشعبي الذي يعبر الحدود الآيديولوجية هو فرصة ذهبية لا تفوّتها الأحزاب المتطرفة، على يمين المشهد السياسي ويساره، لتوسيع دائرة نفوذها، ولا النقابات التي انحسرت قواعد مؤيديها في العقود المنصرمة.

تحرك احتجاجي في ألمانيا يوليو الماضي (أ.ف.ب)

إلى جانب كل ذلك، يتميّز جيل القرن الواحد والعشرين بنزعة انفرادية حادة، تجعله ينأى عن الانخراط في الجمعيات والتنظيمات الحزبية والنقابية حيث يتم اتخاذ القرارات بالتوافق، ويجنح بالتالي إلى عدّ كل نزاع أزمة هوية تستهدفه شخصياً ولا يتردد في الانفجار من غير مراعاة لتباين الأدوار والمهام في المجتمع، ويرفض استيعاب فكرة أنه من المستحيل أن يعيش مثلما عاش جيل آبائه.

الغضب الشعبي يتراكم على امتداد القارة الأوروبية، وهو إلى ازدياد على وقع الأوضاع الاقتصادية المتردية، وينتظر من يستغلّه عند أول شرارة احتجاجية. وفرنسا هي اليوم المرآة التي تنعكس على صفحتها الأزمة الاجتماعية المتنامية في أوروبا. أزمة الصراع بين التكنوقراط والذين خسروا معركة العولمة ويطالبون بعالم لم يعد موجوداً، ويقعون في قبضة الأحزاب الشعبوية المتطرفة.

فرنسا... «بلد الاحتجاجات»

ولا ننسى أنه إذا كانت فرنسا «بلد الاحتجاجات» بامتياز، فهي أيضاً نموذج سياسي بالنسبة للكثير من الأوروبيين، ومشكلاتها هي نفسها التي تعانيها اليوم معظم الدول الأوروبية التي يترقّب مواطنوها أدنى شرارة للاندفاع في مسيرات الغضب والاحتجاج التي يكثر الذين يصطادون في مياهها. ومن نافل القول تأكيد أن الحراك الاجتماعي حصل دوماً بغض النظر عن الجهة الحاكمة في فرنسا أكانت من اليمين أم اليسار؛ ما يعني أن الداء لا لون سياسياً له، بل هو كامن ومتجذر.

ويقول فرنسوا دوبيه، أستاذ العلوم السوسيولوجية في جامعة بوردو (جنوب غرب فرنسا): إنه منذ أحداث الشغب في ضواحي مدينة ليون «شهدنا عشرات عدة» من أنواع الحراك كافة. والخيط الجامع بينها «أن ساكني الضواحي والأحياء الشعبية يشعرون بالتهميش إن بسبب أصولهم أو ثقافاتهم أو دياناتهم». والثابت أيضاً، أن الجمعيات والحركات الاجتماعية المنبثقة عنهم وكذلك الأحزاب «لم تنجح في ترجمة النقمة والغضب إلى مطالب واضحة أو أن تفضي إلى مسار سياسي» بحيث إن الشعور العام هو الفراغ. وحدها أحداث «غينغيت» أفضت إلى شيء سياسي هو «المسيرة من أجل المساواة ورفض العنصرية» التي انطلقت من لوين ووصلت إلى باريس وكان لها وقع كبير على المجتمع.

ويلحظ الباحث الأكاديمي وجود «نمطية» محددة في تسلسل الأحداث التي تنطلق بعد سقوط جريح أو قتيل من هذه الضواحي أو الأحياء على أيدي رجال الأمن ما يثير حنقاً وحالة هياج تترجم فورياً بأعمال عنف تستهدف الإنشاءات العامة والمدارس والبلدية والمراكز الاجتماعية، ويتطور العنف إلى اشتباكات مع رجال الأمن وعمليات كرّ وفرّ، ثم يعقبها استهداف المحال التجارية وبعض السرقات. وينتج منها توقيف المئات من المتظاهرين ومن المشاغبين وتتبعها المحاكمات... وهكذا دواليك. أما ردود الفعل العامة فتنقسم تقليدياً، وفق الباحث، بين التنديد بعنف رجال الأمن وأجواء العنصرية المسيطرة بما فيها التعامل التمييزي مع شباب الضواحي الذين يقوى لديهم الشعور بالاستهداف معطوفاً على الفقر والبطالة والشعور بالتهميش. وبالمقابل، ثمة من يدين تكاثر الحضور الأجنبي والهجرات والتهديد الذي يلحق بتركيبة المجتمع وثقافته وعدم التلاؤم بين ثقافة المنشأ والثقافة الفرنسية وصعوبة الاندماج بما يحمله من تغيير في البنية المجتمعية وتهديد للهوية الفرنسية والسير نحو «أسلمة» البلاد وتحقق نظرية «الإحلال»، أي أن تأخذ موجات الهجرات القادمة من أفريقيا ومن بلدان المغرب مكان الفرنسيين. ويذهب كثيرون لإدانة تصرفات سكان الضواحي والأحياء الفقيرة المتسمة بـ«التوحش»، لا، بل إن الرئيس ماكرون لم يتردد سابقاً في التنديد بما سماه «الانفصالية الإسلاموية»، أي تبني ثقافات وتصرفات منقطعة عما هو فرنسي الطابع، في حين يتحدث آخرون عن مساحات خارجة عن الدولة الفرنسية، حيث لا تدخلها القوى الأمنية وتخضع عملياً لمهربي وتجار المخدرات. وما بين الطرفين، تجد الحكومات المتعاقبة نفسها عاجزة أكانت من اليمين أم اليسار.

أخطاء سنوات البحبوحة

حقيقة الأمر، كما يرى كثير من الباحثين، أن ما يحصل من «ثورات» اجتماعية منذ عقود عدة ليس سوى نتيجة تراكمات وأخطاء ارتكبت سابقاً. ومن بين الأخطاء، أن سنوات البحبوحة دفعت الشركات الفرنسية والأوروبية بشكل عام إلى استجلاب اليد العاملة رخيصة التكلفة وبأعداد كبيرة للعمل في المصانع والمزارع وملء فراغات المهن الصعبة أو التي يرفضها الفرنسي، وذلك زمن القفزة الاقتصادية ووضعتها في مجمعات في ضواحي المدن. وقد تحولت لاحقاً إلى «غيتوات» بطابع أجنبي يغلب عليها الفقر والجهل والبطالة وتجارة المخدرات والعنف والتهميش. وتبين الإحصائيات الحالية، أن نسبة البطالة في الضواحي والأحياء الشعبية تصل إلى 18 في المائة بينما معدلها العام لا يزيد على 7 في المائة.

حقائق

18% نسبة البطالة

في الأحياء الفقيرة في فرنسا

ويبلغ عدد هذه الأحياء التي تصنفها الحكومة بأن لها «الأولوية» في عملية الإنماء 1514 حياً. ومن الناحية السكانية، ثمة 22 في المائة من سكانها من الأجانب. واللافت، أن نسبة البطالة فيها للشباب دون سن الثلاثين تصل إلى 30.4 في المائة. ومن الناحية الجغرافية، تتوزع الضواحي الساخنة على جوار المدن الكبرى (باريس، وليون، ومرسيليا، وليل غرونوبل). والثابت، أنه إذا كانت سنوات البحبوحة لم تعرف «حراكاً» مطلبياً من هذه الضواحي فلأن المهاجرين الذين جيء بهم من الخارج كانوا في غالبيتهم من الأميين وهمّهم الوحيد كسب لقمة العيش ليس إلا وكانوا إما لا يشعرون بالمعاملة التمييزية أو أنهم كانوا يقبلونها. لذا؛ فإن الحراك بدأ مع الجيل الثاني وتوسع مع الجيل الثالث وكلاهما أكثر إحساساً بالتهميش والمعاملة التمييزية من آبائهم.

وخلال الأيام الماضية، كثرت الشهادات التي تبين أن العنصرية متفشية لدى الكثير من أفراد الشرطة الفرنسية. ويعيد الباحث إيمانويل بلانشار ذلك إلى التاريخ الاستعماري لفرنسا والرؤية الدونية لمن كانوا مستعمرين، ودليله على ذلك ما حصل مع الجزائريين والقمع الذي تعرّضوا له وعلى سبيل المثال ما حصل للمتظاهرين منهم يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) 1961، حيث تعرّضوا للقمع الشديد وسقط منهم الكثير من القتلى. ومما هو معروف أن كثيرين فضّلوا أن يرموا أنفسهم في نهر السين بدلاً من أن يقعوا بأيدي الشرطة. ودلّت تصريحات وبيانات صادرة عن نقابات الشرطة في الأيام الأخيرة على عنصرية كامنة، عادّة أن أفرادها في «حالة حرب مع مفسدين».

ليس من العدل بمكان رمي المسؤولية على جهة واحدة أكانت الدولة أم أجهزتها وتناسي مسؤولية الطرف الآخر. ورغم ما سبق، يمكن تأكيد أن أفضل حماية للمواطن أو للمهاجر في فرنسا أو في غيرها من الديمقراطيات عنوانها احترام القوانين، ومنها قوانين السير. وليس سراً أن نسبة الأجانب في السجون الفرنسية مرتفعة قياساً لنسبتهم السكانية داخل المجتمع الفرنسي. وتبين إحصائيات وزارة العدل لشهر أكتوبر عام 2021، أن 17198 أجنبياً كانوا في السجون، ما نسبته 24.5 في المائة من إجمالي السجناء، بينما نسبة الأجانب في فرنسا لا تتعدى 7 في المائة. وواضح أيضاً أنه يتعين على الأجانب التأقلم مع المجتمع الفرنسي وليس العكس، وأن الأعمال المخلّة بالأمن على أنواعها تسيء بالدرجة الأولى إلى سكان الضواحي والأحياء الفقيرة التي يتزايد تهميشها فيما الحرائق التي أضرمت أصابت بداية هذه المناطق والأحياء.

بريطانيا... فوضى غير مسبوقة

وقد تكون بريطانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية المنزلقة في منحدر شديد زادت حدته منذ خروجها من الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك؛ فإن أزمات المملكة المتحدة أقدم من «بريكست»، رغم أن الخبراء الاقتصاديين يتفقون على أنه من دون شك سرّع في انحدارها هذا.

 

جماهير غفيرة خلف سيارة تقلّ والدة نائل في مظاهرة نهاية يونيو الماضي (أ.ب)

وربما الأشهر الماضية كانت دليلاً على مدى تردي حالة البلاد وإشارة إلى مدى تراجع الكثير من الخدمات الأساسية فيها. فعلى وقع أزمة تضخم هي الأقسى منذ 40 عاماً، لفت الإضرابات بريطانيا وخرجت خدمات أساسية في قطاعات التنقل والتعليم والاستشفاء، عن الخدمة لأيام متتالية، لم تنته بعد وتحذر بالعودة في الأسابيع المقبلة. هؤلاء المضربون جميعهم، من أساتذة وأطباء وعمال سكك الحديد والبريد والمطارات وغيرهم، كلهم يطالبون برفع أجورهم لكي تتماشى مع نسبة التخضم التي ترتفع بشكل صاروخي.

ويقول ماريانو آغيرّي، الباحث في مركز «تشاتهام هاوس»: «إن حزب المحافظين البريطاني يدفع البلاد نحو الانهيار، في حين تكبّد بريطانيا سياسات (رئيس الوزراء السابق) بوريس جونسون والخروج من الاتحاد الأوروبي خسائر فادحة، والاقتصاد أشبه بسفينة توشك على الغرق في بحر اجتماعي شديد الهيجان».

وعشيّة مرور مائة يوم على وصول ريشي سوناك إلى داونينغ ستريت، أعلن عمال السكك الحديدية وموظفو قطاع التعليم، بما فيه الجامعات، أكبر إضراب في بريطانيا منذ 12 عاماً للمطالبة برفع الأجور وإلغاء التشريعات التي تلزم بتأمين الحد الأدنى من الخدمات. وفي أبريل (نيسان) الفائت، أضرب موظفو الأمن في المطارات عشرة أيام متتالية؛ مما تسبب في حال من الفوضى غير المسبوقة خلال عطلة عيد الفصح، في الوقت الذي هددت فيه قطاعات أخرى بموجة من الإضرابات إذا لم تحصل على ما يعوّض التضخم الذي زاد عن 11 في المائة منذ بداية هذا العام.

 

حقائق

330 ألف عامل

خسرتهم بريطانيا نتيجة خروجها من الاتحاد الأوروبي

وكان لخروج بريطانيا من التكتل الأوروبي أثراً مباشراً على العمالة، وأدى بحسب دراسة «معهد الإصلاحات الأوروبية» صدرت مطلع العام الحالي، إلى خسارة بريطانيا لقرابة 330 ألف عامل، معظمهم في قطاعات لا تتطلب مهارات عالية، مثل قطاعات البيع والنقل والخدمات في المطاعم والفنادق. وتحركت الحكومة في المقابل لتسهيل العمالة من خارج الاتحاد الأوروبي، خاصة من الهند، لملء الوظائف الشاغرة، ولكن في قطاعات تحتاج إلى مهارات عالية مثل النظام الحصي والتعليم وتكنولوجيا المعلومات والخدمات.

ألمانيا... أشهر حبلى

ورغم أن «بريكست» أبرز أزمة نقص العمالة في بريطانيا وفاقمها، فإن ألمانيا تعاني مثلها نقصاً كبيراً في العمالة يهدد كذلك سير الخدمات الرئيسية، خاصة في القطاع الصحي والتعليم. والسبب الرئيسي في نقص العمالة زيادة أعداد المتقاعدين مقابل عدم تدريب مختصين بشكل كافٍ في المهن التي تعاني من النقص.

ففي ألمانيا تعاقبت إضرابات قطاعات أساسية، مثل السكك الحديدية والنقل الجوي والمواصلات العامة، دائماً لطلب زيادة في الأجور تعوّض التضخم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، رغم أن الحكومة تطبق تدابير للتخفيف من آثار أزمة الطاقة منذ بداية الحرب في أوكرانيا. لكن إذا كانت ألمانيا لم تشهد حتى الآن نفس الفوضى التي عرفتها فرنسا والمملكة المتحدة والبرتغال؛ لأن المجتمع الألماني أكثر تنظيماً وقدرة على التكيّف مع الصعاب، ولأن التعاضد بين النقابات الألمانية الموزعة حسب القطاعات أقلّ منه بين الفرنسية الأكثر تطرفاً، فإن الأشهر المقبلة قد تكون حبلى بسلسلة من الإضرابات والاحتجاجات ما لم تسارع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لتصحيح الأجور بعد أن اقتربت نسبة التضخم من 8 في المائة.

فنقص الأطباء، مثلاً، بات يشكل قلقاً كبيراً للحكومة الحالية دفعت بوزير الصحة كارل لاوترباخ إلى الدعوة لخلق 5 آلاف مقعد إضافي في الجامعات لتعليم وتدريب أطباء في وقت تشير توقعات معهد روبرت بوش إلى أن 11 ألف وظيفة طبيب عائلة ستكون شاغرة بحلول عام 2035، خاصة في المناطق النائية البعيدة عن المدن الكبيرة. وبشكل عام، فإن واحدة من كل 6 مهن تعاني نقصاً في المهارات، ويشكو العاملون فيها من عدم قدرتهم على توظيف المهارات التي يبحثون عنها. وبحسب دراسة لوزارة العمل الفيدرالية، فإن 200 مهنة من أصل 1200 تعاني نقصاً في المهارات، وهو رقم ارتفع عن العام الذي سبق حين كان عدد المهن التي تنقصها مهارات 148. وأشارت الوزارة أيضاً إلى إمكانية انضمام 157 مهنة إضافية إلى لائحة المهن التي تعاني نقصاً في العثور على مهارات لملء الوظائف الشاغرة. ومن بين هذه المهن التمريض والتعليم والبناء وتكنولوجيا السيارات والمهندسين والصيادلة والمختصون بتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى سائقي الشاحنات والباصات والعاملين في قطاع الخدمات، مثل الفنادق والمطاعم والصناعات المعدنية.

 

وتحاول الحكومة التي يقودها الاشتراكيون ملء هذه الثغرات بجذب مهاجرين من خارج دول الاتحاد الأوروبي؛ إذ يشير متخصصون إلى أن ألمانيا بحاجة لـ٤٠٠ ألف مهاجر ماهر سنوياً للتعويض عن المجتمع الهرِم والعمالة الناقصة. وجال المستشار الألماني أولاف شولتز على الهند وغانا مطلع العام للإعلان عن نية حكومته تسهيل دخول العاملين الماهرين من الدولتين خاصة العاملين في مجال تكونولوجيا المعلومات، في حين يبحث وزير العمل في البرازيل عن مهارات لملء آلاف الوظائف الشاغرة في مجال التمريض ورعاية المسنين.

وقبل أسبوعين مررت ألمانيا قانون هجرة حديثاً وغير مسبوق يسهّل إجراءات الدخول للكفاءات من خارج الاتحاد الأوروبي ويخفض متطلبات اللغة الألمانية المطلوبة كشرط مسبق للحصول على التأشيرة. ويسمح القانون الجديد كذلك للباحثين عن العمل بالدخول إلى ألمانيا والمكوث لغاية عام بحثاً عن عمل، بشرط أن يكونوا من حملة شهادة جامعية أو خضعوا لتدريب في مهنة من المهن التي تعاني نقصاً في الموظفين في ألمانيا. ولا يشترط القانون الجديد معرفة اللغة الألمانية، بل يخير المتقدم بالألمانية او الإنجليزية، إضافة إلى شروط أخرى. وبعد الحرب الروسية في أوكرانيا، استفاد مرة جديدة من أزمة اللاجئين الأوكران ومن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم ومهاجمة الحكومة، خاصة لجهة خططها المتعلقة بالطاقة. ومررت الحكومة باقتراح من حزب الخضر المشارك فيها، قانوناً يمنع على مالكي الأبنية شراء سخانات تعمل فقط على الغاز، وإجبارهم بدءاً من عام 2024 على أن تكون السخانات الجديدة التي يتم تركيبها، تعمل بنسبة 60 في المائة بالطاقة المتجددة. وأثار القانون سخطاً كبيراً للتكلفة العالية التي تواجه أصحاب البيوت من دون تعويضات واضحة من الحكومة. واستفاد «البديل لألمانيا» من السخط ليهاجم الحكومة ويكسب أصواتاً إضافية. ورغم أن وصول «البديل لألمانيا» إلى السلطة على المستوى الفيدرالي مستبعدة لرفض كل الأحزاب الكبيرة العمل معه، فهو بدأ يحقق نجاحات تاريخية في بلديات صغيرة بشرق ألمانيا. والأسبوع الماضي انتخبت أول بلدة ألمانية في ولاية ساكوميا أنهالت رئيس بلدية من «البديل لألمانيا». وتستعد الولايات الثلاث الشرقية العام المقبل لإجراء انتخابات محلية تشير الاستطلاعات إلى أن الحزب المتطرف سيفوز بها.

قد تكون ألمانيا بدأت تتقبل أنها باتت مجتمع لاجئين من الناحية القانونية، ولكن الكثيرين يقولون بأنه من دون تغيير العقلية تجاه المهاجرين والغرباء والألمان من أصول مهاجرة، فإن القوانين المحدثة لن تنفع بجلب المهارات التي تحتاج إليها البلاد إلى دولة لا ترحب بهم وتميز ضدهم ولا تعدّهم متساوين.

الفقر والتهميش وشرارة أخطاء الشرطة

جماهير غفيرة خلف سيارة تقلّ والدة نائل في مظاهرة نهاية يونيو الماضي (أ.ب)

ليست المرة الأولى التي تعيش فيها فرنسا حالة من الاضطرابات الاجتماعية - الاقتصادية التي تفضي إلى أعمال عنف واسعة واشتباكات وسرقة ونهب وانقسامات آيديولوجية وسياسية حادة، في حين تجد السلطات نفسها عاجزة عن إطفائها إلا عن طريق اللجوء إلى القوى الأمنية، وأحياناً إلى فرض حالة الطوارئ ومنع التجول. وإذا كان الفقر والتهميش والمعاملات التمييزية تشكل الوقود الذي يغذي الاحتجاجات، فإن اخطاء الشرطة تشكل عادة الشرارة التي تشعله.

كذلك، ليست المرة الأولى التي يخرج فيها الشباب في ضواحي المدن والأحياء الشعبية لمواجهة رجال الشرطة بعد حادث كالذي أفضى إلى موت الشاب القاصر نائل مرزوق صبيحة يوم الثلاثاء 27 يونيو (حزيران) الماضي، على يد شرطي دراج أطلق النار عليه من مسافة قريبة بعد ملاحقة خطرة في شوارع مدينة نانتير الواقعة على مدخل باريس الغربي. الشرطي البالغ من العمر 38 عاماً والقابع حالياً في الحبس الاحتياطي، عدّ أن تصرف سائق السيارة المسروقة يشكل تهديداً له ما يعطيه الحق بإطلاق النار عليه، وهو ما فعله. السيناريو ليس جديداً، لا، بل هو مكتوب سلفاً وعشرات الأحداث المشابهة حصلت في العقود الأربعة الأخيرة. لكن الجديد فيها هذه المرة أن رواية الشرطي وزميله دحضهما تسجيل فيديو أظهر أن لا الشرطي ولا زميله كانا مهددين، وأن روايتهما الأصلية كانت مفبركة؛ ما ضاعف من غضب الشارع. وتفيد أرقام وزارة الداخلية، بأن 15 شخصاً قُتلوا منذ عام 2022 على أيدي الشرطة في حوادث تدقيق مروري شبيهة بما حصل مع نائل مرزوق. والسبب الرئيسي أن قانوناً صدر في عام 2017 وسّع دائرة الظروف التي تتيح لرجل الشرطة إطلاق النار.

يطول سرد وتفصيل تسلسل الأحداث التي عرفتها فرنسا في العقود الأربعة الماضية. والمتعارف عليه أن نقطة الانطلاق يمكن ردّها إلى نهاية السبعينات، وتحديداً لعام 1979، حيث شهدت ضاحية فول - فولين، اللصيقة لمدينة ليون (وسط فرنسا) أول أحداث أمنية عندما عمدت الشرطة إلى توقيف مراهق عمره 17 عاماً، اسمه حكيم، جزائري الأصل، بتهمة سرقة سيارة. وعندما شعر الأخير أن الشرطة على وشك القبض عليه، لم يتردد في جزّ أحد شرايين ذراعه ما لم يمنع الشرطة من سوقه مكبلاً؛ الأمر الذي أثار غضب سكان الحي الذين هاجموها بما توفر.

الغلطة الكبرى

هذا كان أول الغيث وتبعته في المنطقة نفسها أحداث مشابهة صيف عام 1981 في الحي المعروف باسم «غينغيت». أسابيع من الاشتباكات التي تمددت إلى مدينتي فينيسيو وفيلوربان القريبتين من ليون مع الشرطة بما يصاحبها من سيارات محروقة ومتاجر وممتلكات. والجديد فيها أنها الأولى من نوعها التي تلقى تغطية إعلامية واسعة من كافة الوسائل الإعلامية بما فيها التلفزة التي لعبت وقتها الدور الذي تلعبه حاليا وسائل التواصل الاجتماعي ما زاد من وقعها على المجتمع ولفت الأنظار لأوضاع الضواحي والأحياء الشعبية التي تحتضن نسبة مرتفعة من الأجانب المهاجرين.

إذا كانت الحكومات المتعاقبة منذ أربعين عاماً قد فضلت التعامل الأمني مع الأحداث، إلا أنها في الوقت نفسه سعت لتحسين أوضاع الضواحي من خلال خطط متنوعة منها عمليات تجديد الإنشاءات العامة والعمل لتوفير الخدمات وزيادة المدارس والمراكز الرياضية والمكتبات... إلا أن القبضة البوليسية لم تتراخ واستمر سكان الضواحي، خصوصاً الشباب منهم، في الشكوى من تعاطي الشرطة معهم ومن تعرّضهم للمتاعب والملاحقات التي ينسبونها لكونهم أجانب أو أفارقة أو مغاربة... بالطبع، لم تعرف موجات العنف السابقة بما فيها ما حصل في عام 2005 المدى الذي وصلت إليه الموجة الأخيرة التي طالت 500 مدينة على مجمل التراب الفرنسي. إلا أن عناصر الشبه بينها كثيرة وعميقة، وبالتالي انكب كثيرون من علماء الاجتماع على دراسة جذورها مسبباتها وكشف دقائقها وطرح خطط للتخلص منها. ومن جانبها، لم تبق الحكومات المتعاقبة يميناً ويساراً مكتوفة الأيدي. وثمة من ينتقد في فرنسا «السخاء الزائد» للدولة مع هذه الضواحي والأحياء. ولكن في أي حال، فإن النتائج لم تكن بمستوى الآمال، والدليل على ذلك ما حصل في الأيام الأخيرة. وهناك من يرى أن «الغلطة الكبرى جاءت في التركيز على البنيان المادي من دون السعي لتغيير الذهنيات والعقليات وهدم الصور النمطية»، بمعنى أن السياسات المتبعة «لم تنجح في خفض الرؤى والمعاملات التمييزية على أسس إثنية أو دينية أو اجتماعية» ولم تنجح في إعادة خلط السكان بحيث بقيت الأحياء الصعبة فقيرة وأكثر هشاشة وبقيت مراكز اجتذاب للمهاجرين.

 


مقالات ذات صلة

مصر تجدد طلبها باستكمال تنفيذ حزمة الدعم الأوروبي

شمال افريقيا مصر تعزز شراكتها مع الاتحاد الأوروبي (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

مصر تجدد طلبها باستكمال تنفيذ حزمة الدعم الأوروبي

جددت مصر تأكيدها على أهمية الإسراع في استكمال تنفيذ حزمة الدعم المالي والاقتصادي الأوروبية المخصصة لها، بما يسهم في تعزيز قدرة اقتصادها على مواجهة التحديات.

أحمد عدلي (القاهرة )
أوروبا جنود أوكرانيون يحملون قذيفة من «عيار 152 ملم» قبل إطلاقها باتجاه القوات الروسية في موقع على خط المواجهة بمنطقة زابوريجيا بأوكرانيا يوم 9 أبريل 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يدرس تقييد الحماية الممنوحة للأوكرانيين الذكور في سن القتال

يستفيد حاليا أكثر من 4.33 مليون شخص فروا من أوكرانيا من هذه التوجيهات، وفقا لبيانات مكتب إحصاءات الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)
المشرق العربي أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يقرّ حزمة دعم للجيش اللبناني بقيمة 100 مليون يورو

وافق الاتحاد الأوروبي، الخميس، على حزمة دعم جديدة للجيش اللبناني بقيمة 100 مليون يورو (116 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف خارج مقر المفوضية في بروكسل (رويترز)

مبادرة ألمانية فرنسية لتسريع انضمام دول غرب البلقان ومولدوفا إلى الاتحاد الأوروبي

من المقرر أن يتوجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الجمعة، إلى مونتينغرو (جمهورية الجبل الأسود) للمشاركة في قمة الاتحاد الأوروبي مع دول غرب البلقان.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد نموذج لخط أنابيب غاز طبيعي إلى جانب علمَي الاتحاد الأوروبي وروسيا (رويترز)

الكرملين: أوروبا بحاجة إلى النفط والغاز الروسيين لمواجهة أزمة الطاقة

قال المبعوث الاقتصادي للكرملين، كيريل دميترييف، إن أوروبا لا تزال بحاجة إلى النفط والغاز الروسيين لتجاوز أزمة الطاقة المتفاقمة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (سانت بطرسبرغ )

كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
TT

كيف دخلت طهران إلى الملف الفلسطيني؟

صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار
صورة نشرها موقع «نور نيوز» الإيراني للقاء سابق بين خامنئي والسنوار

تكفي قصة مثيرة لاستدراج الصحافي إلى البحث عن حاملها. ويزداد إلحاح البحث حين يكون الرجل حاملاً لقصتين مثيرتين. هذا ما حصل قبل سنوات طويلة. بدأت البحث عن أنيس النقاش. باكراً انتسب هذا الشاب اللبناني إلى «الكتيبة الطلابية» في حركة «فتح» وعمل لاحقاً تحت رعاية خليل الوزير «أبو جهاد» عضو اللجنة المركزية في الحركة.

شعرت بالفضول حين عرفت أن النقاش كان مساعد الفنزويلي الشهير كارلوس في عملية خطف وزراء «أوبك» في فيينا في 21 ديسمبر (كانون الأول) 1975. لم يسبق أن شهد العالم عملية من هذا النوع. تحول كارلوس نجماً عالمياً ما أثار غضب معلمه الذي أرسله في المهمة (وأقصد وديع حداد مسؤول «المجال الخارجي» في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»). وراودني شعور أن التحدث إلى النقاش سيسهل أيضاً الوصول إلى كارلوس، وهذا ما حصل.

لم يكتف النقاش بدوره في عملية فيينا. حين اندلعت التظاهرات المعارضة في إيران في 1978 حصل من «أبو جهاد» على إذن بتدريب إيرانيين معارضين لنظام الشاه في مراكز أقامتها «فتح» في لبنان. سيذهب النقاش أبعد من ذلك. قال في الحوار الذي أجريته معه إن فكرة إنشاء «الحرس الثوري» ولدت في لقاء جمعه في شقة في بيروت بحفنة من الأشخاص، وأن الفكرة نقلت إلى قادة الثورة فتبنوها على قاعدة «عدم الوثوق بالجيوش النظامية».

بعد انتصار الثورة ذهب النقاش إلى طهران. ذات يوم وفي حلقة ضيقة ناقش المشاركون خطورة الدور الذي يمكن أن يلعبه شهبور بختيار آخر رئيس وزراء في عهد الشاه من منفاه. تحدث مشاركون عن احتمال لجوء جهات معادية للثورة إلى دعم بختيار لزعزعة النظام الجديد أو إطاحته. روى النقاش أن فكرة التخلص من بختيار طُرحت. وكشف أن محكمة كانت قضت بإعدامه وأن الخميني أقر حكم المحكمة من دون إعلان ذلك، ما جعل الحكم شبيها بفتوى تبيح القتل.

كان بختيار مقيماً في فرنسا ويحظى بحراسة وحماية. ولم تكن طهران في تلك الأيام استكملت إعداد فرق للعمليات الخارجية. يقول النقاش إنه تطوع للقيام بالمهمة مع فريق صغير. حصل النقاش على رقم مقر إقامة بختيار وزعم أنه صحافي يريد إجراء مقابلة وفوجئ بإعطائه موعداً. ذهب إلى العنوان وأجرى الحوار الصحافي واستطلع المكان ونقاط ضعف الحراسات.

رئيس الوزراء الإيراني الأسبق شابور بختيار يصل إلى وزارة الخارجية في باريس غداة محاولة اغتياله في 1980 (أ.ف.ب)

في 18 يوليو (تموز) 1980، توجه النقاش مع فريقه لاغتيال بختيار. حال الباب المصفح دون مقتل بختيار وأدت العملية إلى مقتل شرطيين وسيدة فرنسية وإصابة النقاش واعتقاله.

وفي عقد الثمانينات ستتداخل مطالبة إيران بالإفراج عن النقاش بإقدام «منظمات مجهولة» على خطف فرنسيين في لبنان بغرض مقايضتهم بالنقاش. وبعد عشر سنوات أمضاها في السجن ستبرم فرنسا صفقة يفرج بموجبها عن النقاش.

سألت النقاش يومها عمن كان يعرف في إيران بخطة الاغتيال، فأجاب: «أطلعت محسن رفيق دوست مسؤول الأركان الإداري في الحرس ومحسن رضائي عضو الأركان».

التداخل اللبناني - الفلسطيني - الإيراني سيظهر في حالات أخرى. فعماد مغنية المكنى «الحاج رضوان» الذي اتهم بالضلوع في هجمات ضد الإسرائيليين والأميركيين وجهات عربية مر لفترة في حراسة ياسر عرفات قبل أن ينتقل إلى «حزب الله»، صلب البرنامج الإيراني في لبنان والمنطقة. ويقول النقاش إنه تولى تدريب مغنية بناء على طلب الأخير.

كان النقاش يتحدث بانبهار وثقة عن المشروع الإيراني وكنت مهتماً بالاستماع إلى شهادة هذا الرجل. قال إن المنطقة ستشهد تغييرات كبرى وإن إيران الثورة تعتبر أن مسؤوليتها تبدأ بـ«تحرير الشرق الأوسط من الاحتلال الأميركي صريحاً كان أم مقنعاً». قال إن «قادة الحرس يعتقدون أن الخيط الأميركي هو الذي يضمن استقرار واستمرار كثير من أنظمة المنطقة، وأن قطع هذا الخيط سيغير ملامح المنطقة وتوازناتها».

سألته إن كان الجنرال قاسم سليماني من هؤلاء فأجاب بأنه في طليعتهم وهو يعمل على تقويض الحضور الأميركي في المنطقة. استوقفني قوله إن الثورة الإيرانية لم تخف رغبتها في طرد أميركا من إيران والمنطقة وإن «الرسالة الأولى كانت احتجاز الأميركيين في سفارة بلادهم في طهران. أما الرسالة الثانية فكانت تفجير مقر المارينز في بيروت، وساهم الحاج عماد (مغنية) في إيصال رسائل أخرى».

قال النقاش وقتها أيضاً إن برنامج الأنفاق والصواريخ والمسيّرات يرمي إلى «خفض القيمة الاستراتيجية لحلفاء أميركا في المنطقة بإظهار أن خرائطهم مهددة وأن التحالف مع أميركا لا يكفي لإنقاذها، بل هو السبب في تعرضها للأخطار». وأضاف: «إذا كانت إسرائيل حاملة طائرات أميركية فماذا يبقى من هيبتها حين يتبين أن كل شبر منها يمكن أن تصل إليه صواريخ محور المقاومة؟».

فلسطنيون في خان يونس أعلى مركبة عسكرية إسرائيلية تم الإستيلاء عليها ضمن عملية «طوفان الأقصى» (د.ب.أ)

وأشار إلى أن «شخصية حسن نصر الله أكسبته ثقة المرشد علي خامنئي وأعطته دور الشريك في رسم سياسات إيران حيال العرب، خصوصاً في الدول المتاخمة لفلسطين... نصر الله وسليماني هما الأقرب إلى قلب المرشد».

ولعل أهم ما سمعته من النقاش هو أن «الضربة الكبرى آتية مهما تأخرت. ستنهمر الصواريخ على إسرائيل من كل الجهات وسيندم عدد من الذين هاجروا إليها على قرارهم، وهذه الشكوك ستفتح الباب لنهاية هذا الكيان».

الكلام الذي سمعته من النقاش كان أكثر صراحة من الذي سمعته في مكاتب زعماء «الجهاد الإسلامي» و«حماس» و«حزب الله»، وإن كان يصب في الاتجاه نفسه. رمضان شلح الأمين العام لـ«الجهاد» كان واثقاً أن الضربة آتية، في حين كان خالد مشعل أكثر تحفظاً في الحديث عن الدور الإيراني. أما حسن نصر الله فلم يكن يشعر بالحاجة إلى إخفاء أن إيران هي مصدر تسليح «حزب الله» وتمويله وهي وسادته المضمونة.

إيران الثورة والهاجس الفلسطيني

كانت إيران الخميني تتطلع إلى الامساك بملفات عدة في المنطقة وكان الملف الفلسطيني هاجسها الأول.

لم يكن ياسر عرفات في وارد وضع القضية الفلسطينية في عهدة نظام الثورة الإيرانية. ولم يكن في وارد تسليم القرار الفلسطيني لأي قوة على وجه الأرض. من أجل إنقاذ استقلالية هذا القرار كان يحالف ويخاصم ويهاجر من عاصمة إلى أخرى هرباً من وطأة الذين يحاولون تحويل القضية الفلسطينية ورقة في مفاوضاتهم مع القوى الكبرى. معركته الطويلة مع الرئيس حافظ الأسد تندرج تحت هذا العنوان. وهو كان يردد: «فلسطين عندي قضية. أما عند الأسد فهي ورقة للاستخدام».

ياسر عرفات أول زائر رسمي لطهران بعد الثورة إلى جانب الخميني أمام حشد في جامعة طهران (غيتي)

لم يتأخر عرفات في إدراك أن الثورة الإيرانية تفتقر إلى «الواقعية والحسابات الدقيقة والكوابح»، على حد ما قال لبعض مساعديه. شعر أن أحلام بعض قادتها من قماشة الأوهام، خصوصاً لجهة إساءة تقدير قوة أميركا والاتحاد السوفياتي معاً. ولم يكن عرفات في وارد وضع «الثورة الفلسطينية» في عهدة «ثورة الخميني» لأنه شعر أن إيران الجديدة لن تتأخر في الاصطدام بجيرانها وبدول أبعد.

إطلالة عرفات من طهران بعد ستة أيام من انتصار ثورة الخميني كانت تاريخية، لكنها لن تدفع القائد الفلسطيني إلى مبايعة الخميني على غرار ما فعل آخرون. ابتعد عرفات عن التطابق. وحين احتجز الإيرانيون الأميركيين رهائن في سفارة بلادهم في طهران استكشف الزعيم الفلسطيني محاولات التوسط، لكن طهران لم توافق على دور له من هذا النوع. تماماً كما كان موقفها حين حاول التوسط بعد اندلاع الحرب مع العراق. ولهذا ستبحث إيران عن أصدقاء فلسطينيين آخرين وستقدم مساهمتها في تقويض سلطة عرفات.

لاحقاً كان المشهد أكبر من قدرة إيران الخمينية على الاحتمال. في 13 سبتمبر (أيلول) 1993 وقع اتفاق أوسلو وصافح ياسر عرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في حديقة البيت الأبيض وبرعاية الرئيس بيل كلينتون.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع اتفاق «أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

أطلق عرفات الزلزال الثاني وكان الرئيس أنور السادات أطلق الأول. كانت شرعية ياسر عرفات كاملة وصورته مرتبطة بالرصاصة الأولى التي أطلقتها «فتح» في منتصف الستينات معيدة إيقاظ القضية الفلسطينية.

شعرت إيران بتهديد جدي للجسر الذي كانت تراهن عليه لمخاطبة الشارع السني وتأليبه ضد «الشيطان الأكبر» وليس فقط ضد إسرائيل. ولهذا ضاعفت طهران رهانها على «الجهاد الإسلامي» و«حماس». افترقت حسابات عرفات عن حسابات أهل «الصمود والتصدي» وعن حسابات طهران أيضاً. بلغ الحقد على عرفات حد الرغبة العلنية في شطبه. كنت أحاور الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» أحمد جبريل في دمشق حين اتهم عرفات بالخيانة. سألته هل أرسلت أحداً لاغتياله فأجاب: «لا لكنني أفتح الإذاعة كل صباح آملاً أن تعلن ولادة إسلامبولي فلسطيني»، في إشارة إلى خالد الإسلامبولي الذي اغتال الرئيس المصري أنور السادات.

«عشت أكثر مما تصورت»

لم تستطع الثورة الإيرانية استدراج عرفات للإقامة تحت عباءتها لكنها لن تعدم فرصة العثور على حلفاء في وسط الإسلاميين الفلسطينيين. كان الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي» في فلسطين أول من فتح النافذة. جاء جاهزاً إلى طهران التي احتاجت إلى جهود لإقناع «حماس» بالاندراج في برنامج الأنفاق والمسيّرات والصواريخ الذي هندسه قاسم سليماني.

كانوا حفنة طلاب في جامعة الزقازيق في مصر وكانوا يقيمون داخل تيار «الإخوان» أو على أطرافه. في 1978 راحت إيران تغلي بالتظاهرات والشعارات. تمنى أفراد المجموعة على الرجل الأبرز بينهم، أي الشقاقي، أن يعد عرضاً من عشر صفحات عن الثورة في إيران. استهوت المهمة الشقاقي فغاص في المراجع الإسلامية وتعاليم الخميني والفكر «الإخواني». عاد الشقاقي من بحثه باستنتاج قاطع مفاده أن الثورة في إيران ثورة إسلامية وليست شيعية. وهكذا بدلاً من ملخص من عشر صفحات طلبه رفاقه منه عاد الشقاقي بكتيب عنوانه «الخميني... الحل الإسلامي والبديل».

نزل الكتيب إلى الاسواق بعيد انتصار الثورة الإيرانية فاستدعى الأمن المصري الشقاقي وأدخله السجن. وسيدخل الشقاقي السجن المصري مرة أخرى، وفي 1981 سيغادر مصر سراً بعدما كان مطلوباً مجدداً. وسيعتقل الشقاقي هذه المرة في غزة في 1983 ومرة أخرى في 1986 قبل أن تبعده السلطات الإسرائيلية إلى خارج فلسطين في أول أغسطس (آب) 1988.

غاب عن بال أجهزة الأمن الإسرائيلية أن إبعاد الشقاقي من فلسطين سيمكنه من الذهاب أبعد في العلاقة مع إيران و«حزب الله» اللبناني. ولم تبخل طهران على الشقاقي بالاهتمام، فقد استقبله الخميني في 1988 وأبلغه التزاماً بدعم «الجهاد» تسليحاً وتمويلاً. وهكذا شكلت «الجهاد الإسلامي» أول اختراق إيراني فعلي للحالة الفلسطينية.

رئيس تحرير «الشرق الأوسط» غسان شربل خلال إحدى مقابلاته مع قائد «الجهاد الإسلامي» الراحل رمضان شلح في ديسمبر 2002 (الشرق الأوسط)

إثر مشهد عرفات ورابين حصل تواصل بين الشقاقي ورمضان عبد الله شلح الذي سيتولى قيادة التنظيم بعد مقتله. كان شلح في أميركا مرتدياً ثوب الأكاديمي وفهم من اتصال الشقاقي أن «الوقت قد حان». شرح لي العبارة بأنها تعبير عن قرار «بالذهاب أبعد في العمل الجهادي». وستدوي لاحقاً أصداء العمليات الانتحارية.

في 21 يناير (كانون الثاني) 1995 وجهت «الجهاد الإسلامي» بقيادة أمينها العام الشقاقي ضربة موجعة إلى إسرائيل. نفذت عملية انتحارية مزدوجة في بيت ليد قرب تل أبيب أسفرت عن مقتل 20 جندياً إسرائيلياً. ورداً على العملية تعهد رئيس الوزراء إسحق رابين بمعاقبة من يقف وراء العملية حتى وإن كان وراء الحدود. ولم يكن سراً أن رابين أمر باغتيال الشقاقي. بعد أيام فقط دخلت مكتب الشقاقي في شقة متواضعة في دمشق. سارع إلى القول: «أنا ما زلت شاباً ولم يحن وقتي بعد لسلسلة يتذكر. أمامنا الكثير من العمل».

سألت الشقاقي عن تهديدات رابين فأجاب: «على المستوى الشخصي لا تهمني هذه التهديدات. أنا اعتقدت بأنني عشت أكثر مما أتصور. دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين ويصعد المواجهة ضد الاحتلال. لذلك نحن لسنا قلقين من مثل هذه التهديدات. وأقول في النهاية ما قاله الإمام علي، كرم الله وجهه، حارس العمر الأجل».

سألت الشقاقي عن التمويل الإيراني للحركة فأجاب: «هناك مساعدة من أصدقاء من أكثر من جهة ولا داعي لتحديد الجهات». كررت السؤال فقال: «قبل نحو أربع سنوات أصدر مجلس الشورى الإيراني قراراً بنصرة الانتفاضة الفلسطينية وتقديم مساعدة إليها وإلى شهدائها».

استوقفتني عبارة «عشت أكثر مما تصورت»، ومثلها عبارة «حارس العمر الأجل». خالجني شعور أن الحوار الأول مع الشقاقي قد يكون الأخير. فإسرائيل لا تغفر لمن يستهدف جنودها ويد «الموساد» طويلة ورابين لن يفرط بصورته وأوسمته.

في 26 أكتوبر (تشرين الأول) 1995، سيتمكن رابين من تصفية حسابه مع الشقاقي. اصطاد «الموساد» الشقاقي في مالطا وخلال عودته من ليبيا التي دعته إلى مؤتمر وتمنت عليه تمديد إقامته. وقد سمعت لاحقاً من رمضان شلح أن الشقاقي اغتيل بسبب اختراق إسرائيلي للأجهزة الليبية أتاح لـ«الموساد» معرفة الاسم الذي يستخدمه، وهو إبراهيم الشاوش، الذي كان سراً مغلقاً بين الشقاقي وشلح.

«إذا عاش فسيكون خميني العرب»

في بيروت عرف الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله باغتيال الشقاقي فسارع إلى دمشق. التقى شلح «ونصحنا أن نختار أميناً عاماً كما فعل الحزب حين اغتالت إسرائيل أمينه العام عباس الموسوي وأن يعلن الاسم الجديد في بيان نعي الأمين العام السابق. وكانت حجة نصر الله المحافظة على معنويات بيئة المقاومة». لكن نصر الله «لم يتدخل في عملية الاختيار فهذه مسألة تخص (الجهاد)، وحلفاء الحركة يثقون بخياراتها».

حسن نصر الله إلى جانب علي خامنئي (مكتب المرشد الإيراني)

وروى شلح أن الشقاقي كان معجباً بنصر الله. يقول: «كنت في زيارة لبيروت في نهاية 1989، وكان الدكتور فتحي، رحمه الله، عائداً من احتفال لحزب الله خطب فيه نصر الله. كان الدكتور فتحي يتحدث عنه بانبهار شديد ولم يكن نصر الله يومها أميناً عاماً بل مسؤولاً في المقاومة. أبديت للشقاقي استغرابي لفرط إعجابه بنصر الله فقال وبحضور عدد من الإخوة إن هذا الرجل إذا قدر له أن يعيش فسيكون خميني العرب».

سألت شلح عن النموذج الذي استوحته الفصائل الفلسطينية حين بدأت تنفيذ عمليات انتحارية فأجاب أنها استوحت النموذج الذي بدأته المقاومة اللبنانية حين نفذ «أبو زينب» عملية تفجير مقر المارينز في بيروت.

«حماس» وطريق طهران

لكن رغم هذه الاختراقات في الملف الفلسطيني، لا مبالغة في القول إن النجاح الكبير الذي حققته إيران تمثل في اجتذابها حركة «حماس» إلى برنامجها الإقليمي مستفيدة من حاجة الحركة إلى التسليح والتمويل.

كانت إيران تبحث عن فرصة لبناء علاقة مع «حماس» وسترتكب إسرائيل خطأ يسهل مهمة طهران. في الشهر الأخير من عام 1992 وإثر قيام عناصر من «كتائب القسام» بخطف ضابط إسرائيلي وقتله، نفذت إسرائيل عملية إبعاد جماعي لناشطين فلسطينيين من غزة والضفة. شملت عملية الإبعاد نحو 415 شخصاً أكثريتهم الساحقة من «حماس» وبينهم أسماء ستتولى لاحقاً مناصب قيادية مثل عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل هنية.

رفضت السلطات اللبنانية بالتنسيق مع «حماس» استقبال المبعدين فأقاموا طويلاً في منطقة مرج الزهور الحدودية وحولوا خيامهم إلى أماكن للندوات والصلوات واستقبال المتضامنين.

مبعدو مرج الزهور بينهم إسماعيل هنية (المركز الوطني الفلسطيني للإعلام)

سارع «الحرس الثوري» الإيراني إلى التقاط الفرصة بالتعاون مع «حزب الله» وأمّن للمبعدين أغذية وأدوية وخياماً. وبعد بناء جسور التعارف تولى «الحرس» و«الحزب» تدريب عدد من المبعدين على صناعة المتفجرات والاتصالات الآمنة وتكتيكات قتالية.

في سبتمبر (أيلول) 1992 أعدت إيران استقبالاً لائقاً وعلى أرفع المستويات لوفد من المكتب السياسي لحركة «حماس» برئاسة موسى أبو مرزوق. رأى «الحرس الثوري» أن «حماس» تشكل فرصة لأن تمثيلها الشعبي أوسع بكثير من تمثيل «الجهاد». شابت العلاقة في البداية شكوك وحساسيات. لم تغب حساسيات سنية - شيعية عن ذهن أطراف في «حماس». وترددت «حماس» في البداية في قبول الدعم المالي خوفاً من أن يلزمها ذلك بالاندراج في البرنامج الإيراني الوافد من القاموس الشيعي. تراجعت الشكوك لاحقاً وانتظم الدعم الإيراني.

في 14 يونيو (حزيران) 2007 سيطرت «حماس» على قطاع غزة وطردت السلطة الفلسطينية منه. طرفان سيلتقطان الفرصة. إيران وتحديداً قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني و«حزب الله» اللبناني بقيادة حسن نصر الله. استقلال غزة عن «سلطة أوسلو» فرصة لإدماج «حماس» في «وحدة الساحات» والرهان على إشراكها في «الضربة الكبرى» ساعة حدوثها.

ستمر علاقة «حماس» مع إيران باختبارات ليست بسيطة خصوصاً بعدما فضلت قيادة الحركة مغادرة سوريا على التجاوب مع ضغوط نظام الأسد الابن لاتخاذ موقف معاد للثورة. وحملت أوساط إيرانية وسورية في تلك المرحلة على رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» خالد مشعل واتهمته بالسعي إلى الخروج من خط المقاومة الممانعة. خفضت إيران المساعدات لكنها لم تقطعها تماماً عن «كتائب القسام».

ظهر تباين آخر هو الدور الإيراني في اليمن وما قيل عن عمليات التشيع هناك. لكن حرص سليماني ونصر الله على الضلع الفلسطيني في «محور المقاومة» ساهم في عودة المياه إلى مجاريها. وكافأ سليماني الحركة ببرنامج تمويل وتسليح تضمن تصنيع أسلحة في قطاع غزة وعمليات تدريب مكثفة.

إيرانية تحمل ملصقاً يتصدره إسماعيل هنية خلال تشييعه في طهران وإلى جانبه قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس وفي طرفيه الأمين العام الراحل لـ«الجهاد الإسلامي» فتحي الشقاقي ومؤسس «حماس» الشيخ أحمد ياسين إضافة إلى القيادي الراحل في «حزب الله» عماد مغنية والعالم النووي الإيراني الراحل محسن فخري زاده (أ.ف.ب)

في 2012 انتخب يحيى السنوار الذي خرج قبل عام من السجن الإسرائيلي عضواً في القيادة السياسية في غزة. وبعد خمسة أعوام سيتولى رئاسة المكتب السياسي للحركة في القطاع. وفي العام نفسه (2017) تولى إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي للحركة خلفاً لخالد مشعل الذي تولى هذا المنصب على مدى 21 عاماً. رجحت كفة الجناح العسكري خصوصاً في ضوء العلاقة التي ربطت السنوار بـ«كتائب القسام» وقائدها محمد الضيف.

«طوفان السنوار»

في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 سيحقق السنوار والضيف حلمهما. أطلقا ما سمياه «طوفان الأقصى». وفي اليوم التالي لم يجد زعيم «حزب الله» اللبناني خياراً غير التجاوب مع رسالة «قادة الطوفان» فانضم إلى «إسناد غزة». فوجئ العالم بهشاشة إسرائيل في الساعات الأولى خصوصاً بعدما تبين أن الهجوم أدى إلى سقوط أكثر من ألف قتيل إسرائيلي واحتجاز عدد من الرهائن.

لكن بعد ساعات من الضياع استيقظت آلة القتل الإسرائيلية لإطلاق حرب على جبهات متعددة. اعتبر بنيامين نتنياهو أن «الطوفان» يحمل بصمات إيرانية ولهذا كان الثأر شديداً من «حزب الله» اللبناني وصولاً إلى المرشد الإيراني نفسه.

غيرّ «طوفان السنوار» ملامح غزة ولبنان، وتسبب أيضاً في اقتلاع نظام بشار الأسد. وللمرة الأولى انهالت القذائف الأميركية على المنشآت النووية الإيرانية وسيطرت الطائرات الإسرائيلية على أجواء طهران فيما سقطت الصواريخ الإيرانية على أهداف في الدولة العبرية. تجمع الهدير الإيراني وتحول حرباً أقلقت المنطقة والاقتصاد العالمي ولا تزال ذيولها مفتوحة.


حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
TT

حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)

بعد أسبوع من إعلان انتصار الثورة الإيرانية في 11 فبراير (شباط) 1979 ستطل من طهران صورتان تساعدان على فهم العواصف اللاحقة وصولاً إلى «طوفان السنوار» والبصمات الإيرانية عليه.

في الصورة الأولى يجلس على البساط رجلان لا يمكن كتابة قصة المنطقة من دون التوقف طويلاً عند قصتيهما. الأول مفجر الثورة الإيرانية آية الله الخميني، والثاني مفجر الثورة الفلسطينية الحديثة ياسر عرفات. وبين الواقفين قرب عرفات يمكن مشاهدة رجل الدين اللبناني السيد هاني فحص ورجل الدين الإيراني صادق خلخالي وأحمد الخميني نجل المرشد.

وبين من وقفوا قرب الخميني الجالس يمكن التعرف على محمود عباس (أبو مازن) رئيس السلطة الفلسطينية حالياً وهاني الحسن عضو اللجنة المركزية في حركة «فتح» وأول سفير فلسطيني لدى طهران الخمينية.

عرفات مع الخميني في بواكير الثورة ويبدو محمود عباس إلى جانب المرشد الإيراني

في الصورة الثانية يبدو عرفات وهو يلقي كلمة بعد رفع علم فلسطين على المبنى الذي كان يستضيف السفارة الإسرائيلية في طهران.

كان للصورتين وقع كبير في تلك الأيام. منذ إقامته الطويلة في النجف أدرك الخميني أن فلسطين هي الكلمة السحرية التي تسمح بالتسلل إلى ضمائر العرب والمسلمين. وقد يكون اعتقد أن الموقف من القضية الفلسطينية سيشكل جواز مرور للثورة الشيعية إلى البحر السني الواسع. كان من الطبيعي أن تحتفي طهران بالزائر الذي يحظى بشرعية كاملة بعدما تحول رمزاً لإيقاظ ثورة الحق الفلسطيني. وكان من الطبيعي أن يحتفي عرفات بانتقال دولة بأهمية إيران وحجمها وقدراتها من معسكر التأييد لإسرائيل والتعاون معها إلى معسكر الدعم الكامل للثورة الفلسطينية.

وكعادته لم يبخل عرفات بالثناء على مضيفه وبلاده. لكن التجربة أظهرت أن ثناء عرفات لا يدفعه أبداً إلى تسليم أوراقه. كان صاحب خبرة في التعامل مع الأقوياء الذين حاولوا الاتكاء على القضية الفلسطينية لترسيخ أنظمتهم أو لدفع أدوارهم إلى خارج خرائط بلدانهم.

لم تكن الجاذبية الفلسطينية ورقة عرفات الوحيدة. كان يقيم على حدود إسرائيل عبر جنوب لبنان الذي تحول حدوداً فلسطينية - إسرائيلية قبل أن يتحول لاحقاً إلى حدود إيرانية - إسرائيلية. وعلى رغم وقوع لبنان آنذاك في قبضة حافظ الأسد وجيشه وكراهيته لعرفات، كان الأخير يمسك بقرار الحرب والسلم في جنوب لبنان وهو قرار سينتقل لاحقاً إلى يد حسن نصر الله الأمين العام الراحل لـ«حزب الله».

صورة غير مؤرخة لنصر الله في شبابه (مكتب المرشد الإيراني)

باكراً أدرك عرفات حجم الحساسيات الكامنة في العلاقة مع إيران. ثورة شيعية في عالم سني. ثم إن الحديث عن «تصدير الثورة» يثير مخاوف دول قريبة وبعيدة. وحين اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية حاول عرفات لعب دور الوسيط وأعاد ترتيب أوراقه وحساباته التي كانت تترك مجالاً واسعاً لعلاقات جيدة مع الدول العربية في الخليج التي لم تبخل عليه بالدعم.

في قراءة أحداث عام 1979 وصوره عنصر لا يجوز تناسيه. ففي تلك السنة كانت مصر تستكمل إجراءات خروجها من الشق العسكري من النزاع العربي - الإسرائيلي وهو ما سيترجم عملياً بتوقيع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن اتفاق كامب ديفيد برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر. وكان التوقيع عملية استكمال للزلزال الذي أحدثه السادات في 1977 حين اختار الذهاب «إلى عقر دار العدو» الإسرائيلي عارضاً السلام. أحدث خروج مصر وما تبعه حالة من الفراغ في المنطقة، ما سهّل لثورة الخميني التقدم في الإقليم.

تلقت إيران بدءاً من عام 1990 ثلاث هدايا غير مقصودة. الأولى من صدام حسين حين غزت قواته الكويت وانشغل العالم بـ«الخطر العراقي». والثانية حين أمر أسامة بن لادن بتنفيذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن وانشغل العالم بإرهاب «القاعدة». والثالثة حين اقتلع الجيش الأميركي في 2003 نظام «البعث» العراقي ما أتاح للجمر الإيراني فرصة التدفق إلى داخل العراق والإقامة في مؤسساته وتركيبته.

وغاب عن بال كثيرين أن إيران كانت تلقت في الثمانينات هديتين بارزتين من الرئيس السوري حافظ الأسد. الهدية الأولى كانت حين وافق الأسد بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت في 1982 على السماح لمئات العناصر من «الحرس الثوري» الإيراني بالدخول إلى البقاع اللبناني لتدريب مجموعات إسلامية شيعية لبنانية كانت تتطلع إلى تنظيم جسم مقاوم للاحتلال الإسرائيلي. ومن هذه المجموعات سيولد لاحقاً «حزب الله».

وفي منتصف الثمانينات قدم الأسد لإيران هدية ثمينة حين قرر إخضاع «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) التي قادها الحزب الشيوعي اللبناني لمصلحة «المقاومة الاسلامية» بقيادة «حزب الله».

وكان منسق «جمول» إلياس عطالله روى لـ«الشرق الأوسط» قصة لقاء عاصف تبعته سلسلة اغتيالات استهدفت قياديين شيوعيين. قال عطالله إن مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان استدعاه والأمين العام للحزب الشيوعي جورج حاوي إلى لقاء عاجل في فندق في البقاع.

كان كنعان يتحدث باسم «السيد الرئيس»، وقال صراحة إن على «جمول» أن تنسق عملياتها مسبقاً مع المخابرات السورية. طالبها بأكثر من ذلك، وتحديداً بالتنسيق مع «حزب الله» حتى بالاندماج معه. لم يوافق الزائران على الطلب، فقد كان التوتر في ذروته بين الحزب الشيوعي و«حزب الله». سارع كنعان إلى إنهاء الاجتماع بعبارة تهديد هي «ستدفعون ثمناً غالياً». ردّ بحملة اغتيالات لم يخف توقيعه عليها بغض النظر عن أسماء منفذيها. وشارك ذات يوم في التعازي بأحد الذين اغتيلوا وقال لجماعة الحزب: «هل هكذا أفضل؟».

نجحت سوريا في توجيه ضربة قاصمة إلى نشاط «المقاومة اليسارية» فتفردت «المقاومة الإسلامية» بالمواجهة مع إسرائيل. وحصد «حزب الله» النتائج حين أرغمت القوات الإسرائيلية على الانسحاب في عام 2000 من جنوب لبنان تحت الرصاص ومن دون أن يقدم لبنان أي تنازلات. وهكذا صارت إيران موجودة على خط التماس مع إسرائيل عبر جنوب لبنان. وبعد اقتلاع نظام صدام فتحت الطريق بين طهران وبيروت عبر بغداد ودمشق، فولد ما سماه البعض «محور المقاومة» وسماه آخرون «الهلال الشيعي».

في بداية ثمانينات القرن الماضي ساد الاعتقاد أن حرب صدام حسين حاصرت جمر الثورة الخمينية داخل الخريطة الإيرانية. فجأة وفي يونيو (حزيران) 1982 ستفتح نافذة لن تتردد إيران في استغلالها. غزت القوات الإسرائيلية لبنان وحاصرت بيروت وأرغمت قوات منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة لبنان. كان مشهد العاصمة اللبنانية تودع ياسر عرفات قبل صعوده مع شارة النصر إلى سفينة أقلته إلى المنفى الجديد إيذاناً بنهاية مرحلة كاملة.

في ظل الاجتياح الإسرائيلي، اتفق جورج حاوي وإلياس عطاالله ومحسن إبراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي وحفنة من رفاقهم على إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد الاحتلال الإسرائيلي. وأرغمت عمليات الجبهة الجيش الإسرائيلي على الانسحاب سريعاً من بيروت. وفي الوقت نفسه تداعت 3 مجموعات إسلامية شيعية متعاطفة مع الثورة الإيرانية إلى حوار بحثاً عن إطار موحد لإطلاق مقاومة إسلامية ضد الاحتلال الإسرائيلي. انتهى الحوار إلى ما عرف بـ«وثيقة التسعة» التي حملت إلى طهران ونالت مباركة الخميني الذي أمر «الحرس الثوري» بدعم وحدة هذه المجموعات التي ستذوب لاحقاً في «حزب الله». وقد روى نعيم قاسم الأمين العام الحالي للحزب قصة التأسيس في كتابه «حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل». ويشير قاسم إلى أعمدة التوجه الجديد وهي «الإسلام كمنهج ومقاومة إسرائيل كأولوية والولي الفقيه كمرجعية».

كان حافظ الأسد يتحدث أمام زواره عن أهمية التغيير الإيراني كتعويض عن خسارة مصر. لكن بعض العارفين يشيرون إلى حسابات أخرى لديه بينها عداؤه لصدام حسين واعتقاده أن قلق الدول الخليجية من إيران الجديدة سيجعله حاجة دائمة لهذه الدول مع ما يمكن أن يعنيه الدور من فوائد. ويضيف هؤلاء أن سماح الأسد بتنامي حضور «حزب الله» اللبناني يصب في سياق الحسابات نفسها.

حسن نصر الله متوسطاً علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني)

ولد «حزب الله» اللبناني تحت عباءة الولي الفقيه وعلى خط التماس مع إسرائيل وانتقل إلى خط التماس مع أميركا حين اقتحم انتحاري في 1983 مقر رجال المارينز في بيروت بشاحنة مفخخة وأرسل قافلة من الجثث إلى بلاد رونالد ريغان. لعبت سوريا دوراً بارزاً في استثناء «حزب الله» من قرار تسليم أسلحة الميليشيات بعد اتفاق الطائف. لم تبخل طهران بدعم الحزب، ما مكنه من بناء قوة متنامية ساعدته في التحول إلى اللاعب الأول على الساحة الشيعية في لبنان. ورعت عملياً مع دمشق ولادة «البيت الشيعي» اللبناني الذي يضم الحزب مع حركة «أمل» التي تولى رئيسها نبيه بري ومنذ عام 1992 رئاسة البرلمان. طوى الطرفان الصفحة القديمة بينهما وتحول بري إلى حاجة شبه دائمة للحزب تجنبه العزلة لكن من دون أن يتمكن من تعديل البرنامج العميق للحزب.

كان العقد الأول من القرن الحالي حافلاً بالمشاهد التي تتخطى آثارها مسرحها المباشر. في التاسع من أبريل (نيسان) 2003 اقتلعت مدرعة أميركية تمثال صدام حسين من ساحة الفردوس في بغداد. الرجل الذي كان العراقيون يشعرون بالرهبة لمجرد المرور قرب تماثيله لم تسمح له الآلة العسكرية الأميركية بخوض المنازلة التي كان يشتهيها. جيشه الذي قاتل إيران على مدى 8 سنوات تبخر سريعاً أمام الجيش الأميركي.

جنود بريطانيون يسيّرون دورية في البصرة 7 أبريل (نيسان) 2003 (أ.ف.ب)

كان صدام على مقربة من ساحة الفردوس حين تجرأ الجندي الأميركي على تمثاله. اختار السيد الرئيس طريق المقاومة مسيئاً تقدير حجم القوة الأميركية وحجم المعارضة العراقية لنظامه.

مشهد آخر سيطل من العراق. في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2003 سيسقط صدام في يد الأميركيين. أخرجه الجنود من حفرة صغيرة في مزرعة بمنطقة الدور قرب تكريت. وستحتل صورة عسكري أميركي ينقب في فمه شاشات العالم. لم يقاوم. ولم تصدق الروايات أنه يحتفظ دائماً لنفسه برصاصة أخيرة ليطلقها على رأسه تفادياً لذل الاعتقال.

نجح صدام حسين المصاب بهاجس موقعه في التاريخ في رسم صورة لنفسه فيه. أنكر شرعية المحكمة وراح يذكر بأنه الرئيس الشرعي للعراق وأن الاحتلال هو من جاء بالمحكمة. وسمعت من القاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن الذي ترأس الهيئة التي أصدرت حكم الإعدام بحقه أنه «كان صعباً ولم يطلب شيئاً لنفسه».

حافظ صدام على رباطة جأشه حين التف الحبل حول عنقه. ارتكبت السطات العراقية الجديدة خطأ فادحاً حين اختارت 30 ديسمبر (كانون الأول) 2006 موعداً لإعدام صدام وهو صادف اليوم الأول من أيام عيد الأضحى. خطأ كبير أعقب الإعدام فقد أخذ المنفذون جثة صدام وطرحوها أمام منزل رئيس الوزراء نوري المالكي في «المنطقة الخضراء» وألقى المالكي نظرة على الجثة وعاتب صاحبها كما أكد في حوار أجريته معه.

ساهمت مشاهد الاعتقال والمحاكمة والإعدام، إضافة إلى عوامل أخرى في إشعال خط التماس السني - الشيعي داخل العراق وتركت أصداء خارجه.

أيقظت ملابسات إعدام صدام حسين الحساسيات المذهبية في العراق ولبنان (أ.ف.ب)

وعلى رغم ارتكابات الرجل نظر قسم من العراقيين إلى الإعدام وكأنه عملية ثأر تنفيذاً لرغبة أميركا وإيران والمعارضة العراقية الموالية لها.

سيتولى قاسم سليماني مهمة زعزعة استقرار الوجود العسكري الأميركي، بمساعدة من بشار الأسد وحسن نصر الله. مشهد آخر سيطل هذه المرة من بيروت وسيترك آثاره على لبنان وتوازناته وعلى الدور السوري ومناخات المحور الذي بات يمتد من طهران إلى بيروت بعد المرور في بغداد ودمشق.

في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في زيارة لمسؤول سوري في دمشق. بعد اللقاء وجدت سيلاً من الرسائل على هاتفي. انفجار هائل في العاصمة اللبنانية أدى إلى تطاير جسد الرئيس رفيق الحريري. كان للأمر وقع الزلزال وتدفقت الحشود إلى الشارع مطالبة بانسحاب الجيش السوري المنتشر في لبنان منذ 1976. في آخر ذلك الشهر دخلت مكتب بشار الأسد ورحت أكرر سؤالي عن علاقة الأجهزة السورية بالحادث وكان يرد بصورة قاطعة أنه لا علاقة لسوريا من قريب أو بعيد. قلت له: لماذا تجزم، فقد تكون أجهزة استخبارات اخترقت الأمن السوري؟ فرد: لا علاقة لنا على الإطلاق. في طريق العودة إلى بيروت رحت أقلب أجوبته. هل يستخدم لهجة جازمة لأنه يعرف الطرف المنفذ؟

شكل اغتيال رفيق الحريري محطة أساسية في إدخال لبنان إلى القفص الإيراني (أ.ف.ب)

تاهت لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري طويلاً بين التدخلات والتضليل و«شهود الزور». افتقرت أسئلة محققيها إلى الاحتراف الكامل وقد لمست ذلك حين استمعت إليّ بسبب حوارات أجريتها مع الأسد والحريري والمدير العام للأمن العام اللبناني اللواء جميل السيد. لكن المحكمة انتهت إلى اتهام أعضاء في «حزب الله» اللبناني. وهنا تزايدت الأسئلة. هل قتل الحريري على خط التماس السني - الشيعي؟ هل قتل على خط التوتر الإقليمي؟ هل اعتبر عقبة أمام ما يعد من دور للبنان في الصراع الواسع؟ هل عوقب لأنه حاول إعادة لبنان دولة عادية بدلاً من البقاء منصة صواريخ في الحرب ضد إسرائيل؟

غيّر زلزال اغتيال الحريري المشهد في لبنان وسوريا معاً. تجرع بشار الأسد سم سحب قواته من لبنان الذي أقام طويلاً في قبضة والده. نجح الأسد الأب في تطويع معظم الطبقة السياسية اللبنانية وأرسى قواعد الزمن السوري. صارت الحكومات تولد حاملة بصمات مسؤول المخابرات السورية المقيم في عنجر وصار المجلس النيابي يستدعى ويوافق. دفع الزمن السوري العماد ميشال عون إلى المنفى ودفع الدكتور سمير جعجع إلى السجن. بقي الرجل الثالث واسمه رفيق الحريري الذي ارتضى العمل تحت المظلة السورية لكنه لم يغادر حلمه بلملمة شيء من حضور الدولة اللبنانية. أقلق ثقل الحريري الداخلي والعربي والدولي الحلقة الفئوية المحيطة بالأسد وأقلق لاحقاً «حزب الله».

أفسح التعاون السوري مع طهران الطريق أمام «حزب الله» للتفرد بالمقاومة في لبنان (مكتب المرشد الإيراني)

خسرت سوريا شرفتها اللبنانية التي كانت وسيلة لتعزيز دورها وإثراء ضباطها. سيقيم نظام الأسد الثاني من الآن فصاعداً داخل حدوده مع القبضة الحديدية والفشل الاقتصادي. سيقيم بين التوتر المذهبي في العراق والانقسام الحاد في لبنان بين حركة استقلالية اسمها «14 آذار» وحركة مضادة اسمها «8 آذار» يقودها «حزب الله».

خرجت سوريا من لبنان وأحدقت بـ«حزب الله» حالة تشبه العزلة عن المكونات الأخرى. ثمة من يعتقد أن هذا المشهد السوري واللبناني كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى حرب يوليو (تموز) 2006 في لبنان والتي رافقها الجنرال قاسم سليماني من مسرحها اللبناني. بعد الحرب سألت بشار الأسد عن دور سوريا فأكد على أهمية العمق السوري للمقاومة اللبنانية. ولم يتردد في القول إن جنوداً سوريين بثياب مدنية كانوا يتولون نقل الصواريخ إلى «حزب الله» وأحياناً إلى جنوب لبنان نفسه.

انتهت الحرب بصدور القرار 1701 لمجلس الأمن، الذي دعا إلى انتشار الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية إلى جانب قوات «اليونيفيل». أدخلت الحرب شيئاً من التعديل على المشهد الذي قام بعد اغتيال الحريري وعثر «حزب الله» على مبرر إضافي للاحتفاظ بسلاحه.

أخطأ عدد غير قليل من السياسيين اللبنانيين في فهم ظاهرة «حزب الله» وترسانته. اعتبروا أن انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان يشكل سبباً كافياً لتخلي الحزب عن سلاحه أسوة بما فعلت الميليشيات اللبنانية بعد اتفاق الطائف.

لم يتوقفوا عند البعد الإقليمي لهذا السلاح وعلاقته بالمشروع الإيراني الكبير لتغيير المنطقة. في الأسبوع الأول من مايو (أيار) 2008 تجرأت حكومة الرئيس الرئيس فؤاد السنيورة واعتبرت شبكة اتصالات الحزب الهاتفية غير شرعية. وسرعان ما جاء الرد. استخدم الحزب سلاحه في الداخل وسيطر عملياً على بيروت وكأنه يبعث برسالة مفادها أن هذه الترسانة وجدت لتبقى. تسببت ممارسات الحزب في إحداث جرح عميق في علاقة الحزب وطائفته بالمكونات اللبنانية الأخرى.

حين اندلعت الشرارة الأولى لـ«الربيع العربي» في تونس في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 لم يشعر بشار الأسد بالقلق. كان يعتقد أن «الوضع في سوريا مختلف وكذلك علاقة السلطة بالناس». أغلب الظن أن طمأنينته كانت نتاج شعوره أن أجهزة الأمن المتعددة والمفرطة القسوة لن تسمح لأحد برفع سبابته احتجاجاً. في 15 مارس (آذار) 2011، تصرفت أجهزة الأسد مع أطفال درعا انطلاقاً من قاموس القسوة المعتمد. انتشرت الاحتجاجات وتحولت ثورة عارمة. لم يحاول الأسد جدياً فتح نافذة للتسوية. واستحكمت عقدة الأقلية بسلوك جنرالاته. اعتبرت الاحتجاجات مؤامرة خارجية وبلغ عنف السلطة حد استخدام البراميل المتفجرة والغازات السامة.

حين اقتربت المعارضة من قصر الأسد الثاني سارع رجلان إلى إنقاذ نظامه. اسم الأول قاسم سليماني واسم الثاني حسن نصر الله. لم تكن إيران في وارد التسامح مع محاولة انتزاع الحلقة السورية من «محور المقاومة». نجح سليماني في إقناع الرئيس فلاديمير بوتين بإشراك سلاحه الجوي في عملية إنقاذ الأسد، وأرسل «حزب الله» في 2013 قواته إلى سوريا التي راحت تعج بالميليشيات التي يحركها سليماني.

حسن نصر الله متوسطاً علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني)

نجحت عملية إنقاذ نظام الأسد ولكنها كانت باهظة التكاليف. تركت العملية جروحاً عميقة في العلاقات الشيعية - السنية، يمكن اليوم ملاحظتها من تعليقات السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي.

في باريس التي لجأ إليها بعد انشقاقه عن نظام بشار، سيقول عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري) إن حافظ الأسد لم يتوقع بالتأكيد أن يصل النفوذ الإيراني في لبنان إلى هذا الحد وأن يحتاج نجله إلى عملية إنقاذ على يد ميليشيات إيرانية الهوى بينها «حزب الله». راجت في تلك الأيام عبارة أن الحزب تحول قوة إقليمية لا تتسع لها المعادلة اللبنانية. وتذكرت ما سمعته من الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قبل انقضاء العقد الأول من القرن. فخلال حوار معه وبأسلوبه المعروف سألني: «لماذا يأخذ (حزب الله) شباناً من الحوثيين إلى دمشق ويمررهم إلى لبنان من دون علامات على جوازاتهم ويتولى تدريبهم في معسكرات في البقاع؟».

حين أطلق «حزب الله» حرب إسناد «طوفان السنوار» وحديثاً حرب إسناد إيران، تذكر كثيرون أن لبنان يعيش منذ الثمانينات على الهدير الإيراني. وفي العقد الثاني من القرن الحالي راح يتردد في أروقة الممانعة حديث «الضربة الكبرى» التي يعتقد كثيرون أن يحيي السنوار حلم بتسديدها مع مطر من الصواريخ والمسيرات من خرائط عدة.


ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
TT

ثلاث هدايا ثمينة لطهران من صدام وبن لادن وبوش الابن

الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)
الخميني ينزل من طائرة تابعة لـ«إير فرانس» أقلّته إلى طهران في الأول من فبراير (شباط) 1979 بعد 15 عاماً في المنفى (غيتي)

معظم أهل الشرق الأوسط ولدوا بعد ذلك التاريخ. يغيب عن بالهم أنه ترك بصماته المكلفة على بلدانهم واستقرارهم وأيامهم. أنجب عواصف وحروباً وزعامات تجاوزت أحلامها وأخطارها حدود الخرائط التي أطلت منها. وثمة من يعتقد بوجود رابط حقيقي بين ذلك التاريخ وما يشهده مضيق هرمز حالياً بعد الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران وترسانتها.

إننا نتحدث عن عام 1979 الذي يصعب العثور بعده على عام ينافسه في أهميته أو خطورته. في ذلك العام نزلت طائرة الخميني في طهران آتية من باريس. لم يتأخر مفاعل الثورة الإيرانية في إرسال إشعاعاته خصوصاً بعد تكريس مبدأ «ولاية الفقيه».

وفيه أيضاً سقط قصر الرئاسة العراقي في يد الرجل القوي صدام حسين ودفع الرئيس أحمد حسن البكر إلى التقاعد تحت أوجاع الشيخوخة، وربما الندم.

وفي العام نفسه وقّع الرئيس المصري أنور السادات اتفاق كامب ديفيد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن في واشنطن برعاية الرئيس جيمي كارتر.

وستختلط تلك التطورات بحدث دولي كبير. ارتكب القيصر الروسي ليونيد بريجنيف خطيئة غزو أفغانستان. وقع في الفخ ومن صفوف المقاتلين هناك سيخرج أسامة بن لادن الذي سيفتتح لاحقاً القرن الجديد بـ«غزوتي نيويورك وواشنطن» ممهداً الطريق من دون أن يقصد لاقتلاع نظام صدام حسين.

في 16 يناير (كانون الثاني) 1979 كان المشهد معبراً. على دوي الاحتجاجات والتظاهرات غادر الشاه محمد رضا بهلوي بلاده وتركها في عهدة حكومة شهبور بختيار. حاول المحيطون به تقديم المغادرة في صورة «إجازة» لكنها كانت في الواقع بطاقة سفر بلا عودة بعدما تخلى الحليف الأميركي عن حليفه.

الخميني مع قادة في المعارضة الإيرانية في مقر إقامته في بونتشارتران (غرب باريس) عام 1978(أ.ف.ب)

لن يتأخر المشهد - المنعطف في الحدوث. ففي اليوم الأول من فبراير (شباط) هبطت في مطار مهرباد طائرة آتية من باريس تحمل زائراً غير عادي هو آية الله روح الله الخميني بعد أربعة عشر عاماً في المنفى. كان الاستقبال الحاشد صريحاً في رسالته. سقط نظام الشاه وانتصرت الثورة.

راقب أصحاب القرار في المنطقة والعالم المشهد وكان أكثرهم قلقاً «السيد النائب» في عراق «البعث» واسمه صدام حسين. ستتسارع التطورات في طهران مع إعلان «الجمهورية الإسلامية» وتكريس مبدأ ولاية الفقيه وتضمين الدستور نصاً يؤكد «تصدير الثورة» بحجة «نصرة المستضعفين».

صدام يرفض اغتيال الخميني

كان يمكن لكل ذلك ألا يحدث أو أن يحدث بطريقة أخرى. خلال إقامته في النجف كان الخميني صعباً ويحاول دائماً التفلت من الضوابط التي تفرضها شروط الاستضافة. في 6 مارس (آذار) 1975 وقع محمد رضا بهلوي وصدام حسين اتفاق الجزائر برعاية الرئيس هواري بومدين. وكان مقرراً بعد التوقيع أن يمتنع كل طرف عن دعم معارضي الطرف الآخر.

راجعت الأجهزة العراقية الخميني لكنه كان يتنصل عملياً من التعهد بالامتناع عن أي نشاط ضد نظام الشاه. ذات يوم اقترحت الأجهزة على صدام ترتيب عملية اغتيال للخميني واتهام أجهزة الشاه بالوقوف وراءها. وكانت المفاجأة أن صدام استغرب العرض قائلاً: «ألا يعرف أصحاب هذا الاقتراح أن العراق لا يغدر بضيوفه». هكذا بقي الخميني حياً.

قنبلة في وسادة المرشد

تغيرت الأشياء بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية، وتحوّل اغتيال الخميني هاجساً يلازم مدير المخابرات العراقية برزان التكريتي. ولم يكن الوصول إلى الخميني سهلاً لكن إيران لم تكن في 1981 أحكمت بناء مؤسساتها الأمنية. أقامت المخابرات العراقية علاقات مع «الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني» و«مجاهدي خلق» ونسقت عملية تفجير كبرى لمجلس الشورى الإيراني قتلت عشرات القياديين وتبعها استهداف علي خامنئي بعبوة وضعت في آلة تسجيل وأدت إلى إصابته في يده.

ألح برزان على استهداف الخميني وتمكنت الأجهزة من الوصول إلى رجل دين مقرب منه وزرعت عبوة صغيرة في وسادة الوبر التي تخصه لكن العبوة انفجرت وهو بعيد عنها. وقد سمعتُ هذه الرواية من سالم الجميلي مدير شعبة أميركا في جهاز المخابرات العراقي في عهد صدام.

لعبت المصادفات دورها في رحلة الخميني. لم يكن أمامه غير الانصياع لرغبة الدولة العراقية بمغادرتها. في باريس وبعد انشقاقه عن نظام بشار الأسد، قال النائب السابق للرئيس السوري عبد الحليم خدام إن مقربين من الخميني حاولوا استمزاجه حول إمكان مجيء الخميني إلى سوريا. وأوضح خدام أن الرئيس حافظ الأسد لم يكن في وارد قبول زائر من هذا النوع يمكن أن تتسبب إقامته ليس فقط في أزمة بين العراق وسوريا بل ربما في حرب بينهما.

لهذا أسديت إلى المقربين نصيحة باستكشاف إمكان قبول الجزائر باستضافة الخميني. لم يتحمس الرجل المعني للفكرة معتبراً أن الجزائر بعيدة وأن القيود قد تكون شديدة. ويقول خدام إنه فوجئ بقبول فرنسا باستضافة الخميني وتوفير منبر دولي له. خلال إقامته في «نوفل لو شاتو» توافد كثيرون لزيارته.

حاولت السطات العراقية اختبار نوايا الرجل الذي أثبت قدرته على تحريك الشارع الإيراني عبر التسجيلات التي كان أنصاره يوزعونها سراً. كان علي باوه المسؤول في المخابرات العراقية عن العلاقة مع الخميني خلال إقامته في العراق وكان يقدم له التسهيلات. من هنا ولدت فكرة إرسال علي باوه إلى باريس.

ويقول رجال المخابرات في عهد صدام إن باوه اصطحب معه شخصاً آخر يرتدي ساعة قادرة على تسجيل المحادثة. استقبل الخميني الزائرين من دون أن يظهر أي مرونة. سأله الزائر عن برنامجه للمرحلة المقبلة فرد بعبارة تشبه القنبلة. قال إنه بعد إسقاط الشاه سيكون الهدف التالي «إسقاط نظام البعث الكافر».

هاجس صدام «ولاية الفقيه»

حين أطل الخميني من طهران محاطاً بحشود غير مسبوقة أدرك السيد النائب أن العاصفة لن تتأخر في الهبوب على العراق. قال أحد الذين عملوا في قصر الرئاسة العراقي إن المسألة التي استوقفت صدام طويلاً وأقلقته هي مسألة «ولاية الفقيه» التي بلورها الخميني.

صدام حسين يتفقد جنوداً في شمال العراق خلال الحرب مع إيران عام 1980 (غيتي)

اعتبر صدام أن «ولاية الفقيه» تعني أن من حق شخص غير عراقي أن يطالب العراقي الشيعي بالولاء له. ورأى في ذلك اختراقاً يهدد وحدة العراق. احتفظ صدام في مكتبه بكراس صغير عن الولي الفقيه وصلاحياته كما يفهمها الخميني. في سبتمبر (أيلول) 1980 استقبل وزير الدولة للشؤون الخارجية حامد الجبوري ودار الحديث عن إيران وأعطاه الكراس.

شعر صدام أن الحرب آتية وأن الخميني يريد فتح الطريق للتوغل في العالم العربي عبر إسقاط الجدار العراقي. اعتبر أنه إذا اختار الانتظار سيضطر إلى مقاتلة النظام الإيراني الجديد في شوارع بغداد إن لم يبادر إلى قتاله على الحدود بين البلدين وعبرها. وهناك من يعتقد أن الشعور باقتراب الحرب زاد قناعة صدام بأن العراق يحتاج في قصر الرئاسة إلى صانع القرار الكبير، وأن إحالة الرئيس أحمد حسن البكر إلى «التقاعد» صارت ضرورية.

بعد عودة «البعث» إلى السلطة في 1968 اختار صدام موقع «الرجل الثاني» للإفادة من شرعية البكر في الجيش والحزب وبانتظار استكمال إعادة صياغة المؤسسات العسكرية والمدنية تحت زعامة القائد الجديد. في 16 يوليو (تموز) 1979 سقط البكر كثمرة ناضجة بعدما كان تحول منذ سنوات أسيراً برتبة رئيس للجمهورية. بدأ عهد صدام.

ويروي الجبوري أن إشكالاً حصل بينه وبين صدام في 1974 فقصد قصر الرئاسة واستقبله البكر. قال للرئيس إنه جاء لتقديم استقالته وسأتركه يروي: نهض البكر وأشار إلى كرسيه قائلاً: «أبول على كرسي رئاسة الجمهورية التي لا تحفظ حتى كرامة الرئيس». عاد البكر إلى كرسيه وظهرت الدموع في عينيه، وقال: «الاستقالة شيلها من ذهنك. ليس باستطاعتي قبول استقالتك. من يقبل استقالتي أنا؟ نحن أسرى ولا نملك حق الاستقالة».

«سنكسر رؤوس الإيرانيين»

اتخذ صدام حسين قرار الحرب على إيران قبل توليه الرئاسة. كان صلاح عمر العلي إلى جانب صدام حين حاصر القياديون «البعثيون» قصر الرئيس عبد الرحمن عارف في 1968، وأرغموه على المغادرة. دخل مجلس قيادة الثورة والقيادة القطرية لحزب «البعث» وتولى مسؤوليات وزارية.

في سبتمبر 1979 شارك صدام الرئيس في قمة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الكوبية. استقبل الرئيس العراقي وزير خارجية إيران الخمينية إبراهيم يزدي. كان الحديث بناء وإيجابياً على رغم الإشكالات المتكررة على حدود البلدين.

أسرى حرب إيرانيون ينتظرون دورهم للحصول على الطعام في معسكر اعتقال بالرمادي خلال الحرب العراقية - الإيرانية عام 1987 (غيتي)

يقول صلاح العلي إن رغبة راودته في تعميق المناخ الإيجابي فتحدث إلى صدام الذي خرج بعد الاجتماع إلى الحديقة. شدد العلي على أهمية الحلول السلمية للخلافات وضرورة التركيز على التنمية. استمع صدام بانتباه ثم رد قائلاً: «يا صلاح انتبه هذه الفرصة قد لا تتاح إلا مرة كل مائة سنة. الفرصة متاحة اليوم. سنكسر رؤوس الإيرانيين وسنعيد كل شبر احتلوه وسنعيد شط العرب». وأضاف بلهجة حازمة: «هذا الكلام عن حل سلمي وحل إنساني وتصفية المشاكل مع إيران لا أريده أن يتكرر على لسانك إطلاقاً. حضر نفسك في الأمم المتحدة. اسمع ما أقوله لك. سأكسر رؤوس الإيرانيين وأرجع كل شبر من المحمرة إلى شط العرب». وبعد عام من لقاء هافانا سيطلق صدام حربه على إيران.

شعر صدام حسين بالقلق من «ولاية الفقيه» والصدى الذي يمكن أن تتركه لدى الشيعة العراقيين. لاحظ أن ثورة الخميني وضعت أميركا في موقع العدو. وأن الاتحاد السوفياتي يقلق من امتداد الرياح الإيرانية إلى بعض جمهورياته الإسلامية. وأن دول الخليج العربي مستهدفة هي الأخرى من قبل الثورة الخمينية. رأى في الحرب على إيران مهمة قومية لا بد من أن تحظى بتعاطف عربي ودولي، وأن العراق وحده يستطيع كسر الموجة التي تهدد المنطقة واستقرارها.

رجل آخر شعر بأن ثورة الخميني ستهز المنطقة وخرائطها هو الملك حسين. اعتقد صدام أن تفكك الجيش الإيراني سيوفر له فرصة النصر السريع، خصوصاً وأن إيران كانت تعيش مرحلة مخاض واضطراب. أساء تقدير رد فعل الإيراني العادي على دخول الجيش العراقي الأراضي الإيرانية وامتزاج المشاعر القومية بالدينية.

في بدايات الحرب دعت وزارة الإعلام العراقية مؤسسات صحافية لمواكبة ما يجري. أوفدتني «النهار» اللبنانية. كان لا بد من التوجه إلى عمان ومنها براً إلى بغداد. نظمت وزارة الإعلام رحلة إلى البصرة. وخلال وجودنا هناك أغارت الطائرات الإيرانية على أطرافها. سمح لنا المنظمون بالدخول إلى الأراضي الإيرانية التي اجتاحها الجيش العراقي. وفي بلدة مهران الحدودية شاهدت جنديين عراقيين يقتادان رجلاً إيرانياً إلى «مكان آمن»، كما قالوا، بعدما بدت على وجهه أمارات الرعب. سألت نفسي في تلك اللحظة عما سيحدث للعراق حين يتيسر لإيران أن تثأر. وقد أتيحت لها الفرصة لاحقاً.

لم تتحقق أحلام صدام من الحرب التي شنها على إيران. فلا النظام سقط ولا البلاد تفككت. رسخ الخميني بلا رحمة نظام «الولي الفقيه» من دون أي شريك من كوكتيل القوى التي ساهمت في إسقاط نظام الشاه. كان أفضل ما حصل عليه صدام هو اتفاق لوقف النار. ابتهج لأنه عاش حتى سمع الخميني يتحدث عن تجرع السم. لكن حين بلغه نبأ وفاته أمر بعدم إبداء الابتهاج لأن «الشماتة ليست من عاداتنا».

وزير الدفاع ورئيس الأركان آخر من يعلم

في السنوات اللاحقة تلقت إيران سلسلة هدايا. أحياناً يكاد الصحافي لا يصدق ما يسمع. كان الفريق أول ركن نزار الخزرجي رئيساً لأركان الجيش العراقي وسأتركه يروي قليلاً عن الغزو العراقي للكويت في صيف 1990. قال: «كنت نائماً في منزلي ليلة الأحداث. اتصل بي في الصباح الباكر سكرتير عام القيادة العامة الفريق علاء الجنابي وطلب أن أذهب إلى القيادة العامة وحين دخلت مكتبه قال: أكملنا احتلال الكويت. سألته كيف؟ فرد: الحرس الجمهوري والقوة الجوية وطيران الجيش أنهوا احتلال الكويت. بعد ربع ساعة وصل وزير الدفاع عبد الجبار شنشل وتم إبلاغه بالطريقة نفسها. تصور أن الجيش يدفع في مغامرة من هذا النوع من دون علم وزير الدفاع ورئيس الأركان».

بعد ثلاثة أو أربعة أيام استدعى صدام كلاً من شنشل والخزرجي، وقال إنه لم يبلغهما كي تكون العملية مفاجئة ثم «إنني حررت الكويت بالقطعات التابعة لي مباشرة وليس قطعاتكم».

بئر نفطية أحرقتها القوات العراقية أثناء انسحابها من الكويت في فبراير (شباط) 1991 (غيتي)

اعتبر الخزرجي خطوة صدام سلوكاً متهوراً قاده إليه غرور الاعتقاد أنه خرج منتصراً من حربه مع إيران. جيش كبير يشعر بالانتصار وبلاد مثقلة بالديون وقائد يخطئ في قراءة موازين القوى. توهم صدام أن الغرب لن يعارض أن يكون قسم كبير من نفط المنطقة في يد رئيس قادر على صناعة الاستقرار وضمان تدفق النفط. ويقول الخزرجي إن صدام الذي كان معجباً بصلاح الدين وستالين قد يكون توهم أن أميركا ربما تقبل به شريكاً في شؤون المنطقة.

كانت الهدية كبيرة لورثة الخميني. انشغل العالم ومعه دول المنطقة بـ«الخطر العراقي» وتراجع اهتمامه بـ«الخطر الإيراني». أخرجت «عاصفة الصحراء» صدام من الكويت فأقام جريحاً ومحاصراً في حين كانت إيران تلتقط أنفاسها وتستعد لاستئناف مشروعها الكبير في الإقليم.

هدية أسامة بن لادن وجورج بوش

في 1979 بدأت قصص كثيرة وتشابكت. اجتاح «الجيش الأحمر» أفغانستان بذريعة إنقاذ النظام الموالي له. كانت المرة الأولى التي يخرج فيها الاتحاد السوفياتي جيشه في تدخل خارج مجال الكتلة الاشتراكية. دقت أجراس الإنذار في العواصم الغربية الكبرى. اتخذت أميركا قراراً صارماً بتدفيع الاتحاد السوفياتي ثمن ما فعل. توافد «المجاهدون» إلى أفغانستان من أنحاء مختلفة في العالم العربي والإسلامي. وستوظف أميركا التي شجعت «المجاهدين» وسلحت بعضهم مشاعر الغضب الإسلامي لاستهداف بلاد ستالين. وكان بين من توافدوا إلى أفغانستان شاب اسمه أسامة بن لادن ابن عائلة ثرية سعودية. وعلى أرض أفغانستان سيولد تنظيم «القاعدة».

في 11 سبتمبر (أيلول) 2001 سيهتز العالم. نقل بن لادن حربه إلى الأرض الأميركية نفسها عبر «غزوتي واشنطن ونيويورك». استخدمت الطائرات المدنية في تدمير برجي مركز التجارة العالمي وسقط آلاف القتلى والجرحى. مشهد أخطر بكثير من «طوفان يحيى السنوار» وعواقبه أشد.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

أصيبت أميركا في صميم رموز هيبتها ونجاحها. وانتظر العالم رد الإمبراطورية الجريحة. هندس الرئيس جورج بوش الابن وبنصائح المؤسسة العسكرية والأمنية وتشجيع «المحافظين الجدد» رداً بدأ بإسقاط نظام «طالبان» في أفغانستان ثم انتقل ليشمل غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين.

رأى جنرالات «الحرس الثوري» أنفسهم أمام مشهد يصعب تصديقه. النظام الأفغاني المعادي لإيران أسقط على يد الأميركيين، والأمر نفسه بالنسبة لنظام صدام الذي كانت إيران فشلت في إسقاطه. ولم تتردد إيران في تسهيل إسقاط النظامين أو عدم عرقلة عملية الإسقاط على الأقل.

ابتهج النظام الإيراني بتساقط الأعداء من حوله لكنه رأى قوات «الشيطان الأكبر» ترابط على حدوده من جهتين. هنا ستبدأ مرحلة جديدة في العلاقات الإيرانية - الأميركية. سيرعى ضباط من «فيلق القدس»، في مقدمهم قاسم سليماني، مهمة تقويض الوجود العسكري الأميركي خصوصاً في العراق ومن دون الانزلاق إلى صدام مباشر مع أميركا.

ومن دون أن يقصد قدم أسامة بن لادن لإيران هدية ثمينة. انشغل العالم بعد «غزوتي واشنطن ونيويورك» بخطر «القاعدة»، ثم اتجهت أنظاره إلى خطر صدام الذي قامت آلة الاعلام الغربية بتضخيمه والمبالغة في خطورته على المنطقة والعالم. وساهم بن لادن أيضاً ومن دون أن يقصد في تبرير إسقاط نظام صدام.

وجهت إدارة بوش الابن إلى نظام صدام حسين اتهامات كثيرة لتبرير عمل عسكري حاسم ضده. اتهمته بالاستمرار في اقتناء أسلحة دمار شامل وعرقلة عمل المفتشين الدوليين. اتهمته أيضاً بأنه لم يطَلّق الحلم النووي، ويبدو أن حسين كامل صهر صدام أوحى خلال فترة انشقاقه أن النظام لم يتغير في هذين الملفين. لكن أخطر ما حدث هو محاولة إيجاد علاقة بين النظام العراقي السابق و«القاعدة»، تحديداً بين صدام حسين وأسامة بن لادن.

لم يقم أي تعاون بين نظام صدام و«القاعدة»، لكن الرئيس العراقي ارتكب خطأ استطلاع إمكان التعاون. خلال وجود أسامة بن لادن في الخرطوم وبوساطة من الزعيم الإسلامي السوداني الدكتور حسن الترابي استقبل أسامة بن لادن مسؤولاً في المخابرات العراقية هو فاروق حجازي. كان النقاش طويلاً وصعباً. وبعد عودته نصح حجازي، صدام، بطي الصفحة وتوقفت الاتصالات. وقد سمعت هذه الرواية من سالم الجميلي مدير قسم أميركا في المخابرات العراقية آنذاك، وهو كان وراء أول محاولة اتصال مع بن لادن عبر وسيط سوري لكنها لم تنجح.

زيارة الأسد القلق

حدث آخر ترك بصماته على المرحلة اللاحقة. قبل أيام من الغزو الأميركي للعراق هبطت في طهران طائرة الرئيس السوري بشار الأسد. كان القلق من الحرب المقتربة العنوان الوحيد لمحادثاته مع الرئيس محمد خاتمي ولقائه المرشد علي خامنئي. اتفق الجانبان على أن أي استقرار للقوات الأميركية في العراق قد يشجعها على نقل التجربة إلى سوريا أو إيران. وهكذا اتفق على المسارعة إلى استنزاف الوجود الأميركي عبر «المقاومة». وشارك في بعض تلك اللقاءات الضابط الإيراني قاسم سليماني. واستناداً إلى ذلك الاتفاق راحت سوريا تسهل مرور «المجاهدين» والمقاومين إلى العراق، وراح سليماني يبني ببراعة شبكات المقاومة.

بشار الأسد مستقبلاً قاسم سليماني

راهنت إيران على الجغرافيا وربحت. وافقت على دخول حلفائها العراقيين مجلس الحكم والحكومات المتعاقبة خصوصاً بعد انتقال الصلاحيات إلى منصب رئيس الوزراء الذي بات بحكم العرف شيعياً. في ديسمبر (كانون الأول) 2011 انسحب آخر جندي أميركي من العراق، وتحولت إيران شريكاً لا بد منه في الشأن العراقي. ستحمل الحكومات العراقية بصمات سليماني وستحمل بصمات إسماعيل قاآني من بعده.

البغدادي والفتوى و«الحشد»

حدث آخر سيرسخ البصمات الإيرانية على المصير العراقي. في يوليو (تموز) 2014 أطل أبو بكر البغدادي زعيم «داعش» من الموصل التي كانت قد شهدت قبل أسابيع انهيار وحدات الجيش العراقي فيها. التقط قاسم سليماني الفرصة. أرسل فوراً شحنتي سلاح، واحدة إلى بغداد والأخرى إلى أربيل. أعلنت المرجعية العراقية ممثلة بآية الله السيستاني «الجهاد الكفائي»، ونجحت إيران في تحويله لاحقاً مبرراً لولادة «الحشد الشعبي» ثم تحويله مؤسسة شرعية تابعة لرئيس الوزراء بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة.

سليماني خلال إشرافه على عمليات في الموصل

وهكذا اكتمل تسرب إيران إلى البرلمان والحكومة والجيش و«الحشد». وقبل أسابيع أقدمت تنظيمات «ولائية» تقيم على أطراف «الحشد» على إطلاق صواريخها ومسيراتها في اتجاه الدول العربية في الخليج بذريعة تعرض إيران لهجوم أميركي - إسرائيلي. وبدا واضحاً أن إيران التي خسرت الجسر السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد ازدادت تمسكاً بالجار العراقي وبلبنان «حزب الله» الذي يضمن لها وجوداً على حدود إسرائيل وإطلالة على المتوسط. غيرت إيران ملامح العراق. وغيرت ملامح لبنان. وغيرت المشهدين الفلسطيني واليمني أيضاً.