بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

كثرة الإنجازات غيَّرت المشهد العام للمدينة لكن صور المأساة لا تزال تطارد السكان

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
TT

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)
بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية. ورغم مرور 3 سنوات، لا تزال صور كارثة سبتمبر (أيلول) 2023 عالقة في أذهان السكان: مبانٍ مدمَّرة وجثث مدفونة تحت أطنان من الطمي، وهياكل سيارات تطفو فوق أمواج البحر.

قتلى وخسائر بالجملة

في الليلة الفاصلة بين 10 و11 من الشهر ذاته، تسبب هطول أمطار غزيرة في انفجار سدَّين متداعيين في أعالي درنة، ما أدَّى إلى تدفُّق طوفان من المياه على وسط المدينة البالغ عدد سكانها 120 ألفاً. وقد وصل ارتفاع منسوب المياه إلى 7 أمتار، ولقي ما لا يقلُّ عن 4 آلاف شخص حتفهم، بينما اعتبر عشرات الآلاف في عداد المفقودين، ونزح جرَّاء ذلك أكثر من 40 ألف شخص، وفق حصيلة تمَّ الإعلان عنها إثر الكارثة.

صورة التُقطت في 18 سبتمبر 2023 بعدما ضرب إعصار دانيال المدينة (أ.ف.ب)

وفقدت أسماء أحمد القزيّري (40 عاماً) أبناء عمتها وخالها، حالها حال آلاف في مدينة «درنة المترابطة»، كما تقول، وحيث «كل العائلات قريبة بعضها من بعض... وكلُّنا أنساب وأحباب وأقارب وجيران». وتضيف أسماء التي تعمل في دولة خليجية وتعود بانتظام لزيارة مسقط رأسها، إن هناك «تغييراً ملحوظاً جداً... مدينتي تتعافى».

وتمكَّنت «وكالة الصحافة الفرنسية» خلال جولتها في المدينة من معاينة عملية إعادة الإعمار عن قرب، مثل المستشفى الجديد الذي لا يزال قيد البناء، ويتسع لـ600 سرير، كما تمَّت إعادة تأهيل عشرات المدارس، وبُنيت جامعة جديدة وملعب كرة قدم.

تحاول درنة تناسي مأساتها بتشييد المرافق الصحية والمستشفيات والمنازل العصرية (أ.ف.ب)

وعلى مسافة 6.5 كيلومتر، يمتدُّ كورنيش بحري مجهَّز بالحماية اللازمة من عوامل الطقس. كما يمكن مشاهدة محطة لتحلية مياه البحر وجامع الصحابة الذي عاد جديداً. ولكن ذلك لا يُنسي أسماء القزيري المفقودين من عائلتها الذين لم يُعثر عليهم قط.

لذلك ترى أنَّ على السلطات أن تركِّز على الاهتمام بـ«كل من نجا من الإعصار. فقد نجا من نجا جسدياً؛ لكن تضرَّروا جداً نفسياً. فقدوا جزءاً كبيراً من عائلاتهم، والمفروض الاهتمام بقطاع الصحة النفسية وجعله من الأولويات في الوقت الحالي».

جانب من البنايات الحديثة التي عوَّضت المنازل المهدمة (أ.ف.ب)

وبالنسبة إلى أشرف التارقي البالغ من العمر 30 عاماً، وهو مشرف على ورش بناء، وفقد أيضاً كثيراً من أفراد عائلته الموسعة في الكارثة: «وراء كل شرٍّ عظيم تُبتلى به، يأتي خير عظيم بعده، وهذه ميزة من الله»؛ لكنه يتحسَّر على فقدان أقاربه الذين لقوا حتفهم في الفيضان، ويفضِّل لو أنه خسر منزله بدلاً من أحبائه. في الوقت نفسه، يجد أن «المساحات الخضراء» المنتشرة هنا وهناك «مفيدة جداً للصحة النفسية».

درنة تنهض من جديد

تمرَّدت درنة على حكم الزعيم الليبي معمَّر القذافي في عام 2011، مع بدء الانتفاضة الشعبية ضده، ولكنها بعد سقوط هذا الحكم وموت القذافي، تحوَّلت إلى معقل لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» المتطرفَين. وفي 2018، سيطرت قوات المشير خليفة حفتر على المدينة بعد معارك دامية.

نموذج من المنازل الحديثة التي تم تشييدها بعد الإعصار (أ.ف.ب)

اليوم، تتمتع عائلة حفتر بصيت كبير في شرق ليبيا وجنوبها؛ حيث تقع غالبية الحقول النفطية والموانئ في بلد يضم ثروات نفطية كبيرة، وتدعم حكومة تتخذ من بنغازي مقراً وموازية للحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس (غرب).

ورافق عادل بوخشيم، المهندس المعماري والمسؤول المحلي عن صندوق إعادة الإعمار، الذي أُنشئ مطلع عام 2024، فريق «وكالة الصحافة الفرنسية» لزيارة أكبر ورش البناء في درنة، مفاخراً بـ«نسبة إنجاز تبلغ 80 في المائة»، و«إتمام الإنجاز خلال الأشهر السبعة أو الثمانية القادمة». ويقول إنه تمَّ بناء 3500 شقة، من بينها 2500 سُلِّمت بالفعل إلى المتضرِّرين، و9 جسور، من بينها 4 تعبر الوادي (مجرى النهر) الذي تحوَّل إلى مكان للتنزه. كما حصلت أيضاً أعمال ترميم في الأحياء التي نجت من إعصار دانيال؛ إذ تنتشر فيها أعمدة إنارة وأرصفة جديدة.

«انطلاقة جديدة»

يُبدي المصري أحمد شحاتة -وهو دهَّان يبلغ من العمر 31 عاماً وأب لأربعة أطفال- سروره من «توفُّر العمل» بسبب «حُمَّى البناء». ويقول: «هناك عمل في كل مكان، ولا يعجز عن إيجاده سوى من لا يستحق».

في أعقاب إعصار دانيال، كشف حجم المأساة ترهُّل وإهمال البنى التحتية، لا سيما السدود التي يعود تشييدها إلى سبعينات القرن الماضي. وقد أقدم سكان غاضبون حينها على إحراق منزل رئيس البلدية، والتنديد بالفساد في الإدارة.

نموذج من الجسور الحديثة المشيدة بعد إعصار دانيال (أ.ف.ب)

وشكَّلت هذه الاضطرابات دافعاً قوياً لعائلة حفتر، التي أنشأت بعد 6 أشهر صندوق إعمار خصَّصت له ملياري دولار، ووُضع تحت إشراف بلقاسم حفتر، نجل خليفة حفتر، الذي قرَّر أن يجعل من درنة مثالاً على قدرات الإدارة في الشرق.

في غضون عامين ونصف فقط، تغيَّر المشهد العام للمدينة بشكل كلِّي، ولكن صور المأساة لا تزال تطارد أهالي المنطقة.

منظر عام لدرنة الجديدة بعد بناء عدد كبير من البنايات والأبراج الحديثة (أ.ف.ب)

فقدْ فقدَ عادل بوخشيم، الممثل المحلي لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، نحو 15 شخصاً من عائلته، من بينهم شقيقته وزوجها وأطفالهما الأربعة. ويقول متأثراً: «لم يكن أحد يظن أننا سنعيش هنا مجدداً» بعد الكارثة.

لكن المشاركة في مشاريع إعادة الإعمار شكَّلت «نقطة انطلاق» لهذا المهندس البالغ من العمر 54 عاماً، والذي يؤكد: «عندما أنغمس في عملي، أقول لنفسي إن هذه الأرواح لم تذهب هباء».


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية تتحرك لمعالجة أزمات الجنوب بـ«خطط عاجلة»

شمال افريقيا الزادمة خلال اجتماعه مع وزراء ومسؤولين بحكومة «الوحدة» لبحث أزمات الجنوب (منصة «حكومتنا»)

«الوحدة» الليبية تتحرك لمعالجة أزمات الجنوب بـ«خطط عاجلة»

وسط معاناة الجنوب الليبي الممتدة منذ سنوات، تقول حكومة «الوحدة» إنها «تسعى إلى إيجاد حلول جذرية ومستدامة لإعادة إعمار البنية التحتية هناك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات أمام مقر «مفوضية اللاجئين» بحي السراج بالعاصمة (أ.ف.ب)

«النواب» يرفض اتخاذ ليبيا «موطناً بديلاً» للمهاجرين غير النظاميين

حذر مجلس النواب الليبي على لسان لجنته للدفاع والأمن القومي «من مغبة اتخاذ أي إجراءات أو تبني أي مبادرات أو تستهدف تغيير البنية السكانية للمجتمع الليبي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المظاهرات التي شهدتها طرابلس رفضاً لـ«توطين المهاجرين غير الشرعيين» (رويترز)

البعثة الأممية تدين دعوات العنف ضد موظفيها في ليبيا

نفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صحة المزاعم المتداولة بشأن وجود برامج لتوطين المهاجرين بالبلاد، مؤكدة أن جميع الادعاءات بهذا الشأن «عارية من الصحة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر يتوسط قيادات عسكرية وحكومية خلال افتتاح مقر لجنة إعادة إعمار وسط البلاد ومنطقة الصابري في بنغازي (القيادة العامة)

حفتر يربط تحقيق «المعيشة الراقية» لليبيين بفرض الأمن

قال القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، المشير خليفة حفتر، إن بلده «ليس مكاناً للفوضى، أو التخريب، أو الإضرار بالمواطنين، بل يجب أن يعيش مواطنوه حياة راقية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من المحتجين بعد تجاوزهم الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في جنزور غرب ليبيا (من مقطع فيديو)

ليبيون يقتحمون أسوار «البعثة الأممية» تنديداً بـ«توطين المهاجرين»

اقتحم ليبيون أغلبهم من فئة الشباب الأسوار الخارجية لمقر البعثة الأممية في غرب ليبيا، تزامناً مع احتجاجات أخرى أمام مقر «مفوضية اللاجئين» وإغلاقه بسواتر رملية.

جمال جوهر (القاهرة)

السعودية ومصر لتعزيز الأمن الغذائي في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد

وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
TT

السعودية ومصر لتعزيز الأمن الغذائي في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد

وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)
وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)

تعزز المملكة العربية السعودية ومصر تعاونهما في الأمن الغذائي لمواجهة إضرابات سلاسل الإمداد بسبب الحرب الإيرانية.

وأجرى وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري، علاء فاروق، محادثات في السعودية، السبت، مع وكيل وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمملكة، الدكتور أسامة فقيه «لبحث سبل تعزيز آفاق التعاون المشترك بين البلدين الشقيقين في مجالات الزراعة والأمن الغذائي وحماية البيئة».

وتحدث فاروق عن «عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين مصر والسعودية»، مشيراً إلى «استمرار التنسيق والعمل الدؤوب لتحقيق التكامل الزراعي والبيئي بما يخدم خطط التنمية المستدامة في البلدين».

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري»، السبت، أكد الجانبان «أهمية توحيد وتنسيق المواقف بين مصر والسعودية في المحافل الدولية، لا سيما فيما يتعلق بتنفيذ بنود (الاتفاقية الدولية لمكافحة التصحر)، وبما يخدم المصالح المشتركة للدولتين والمنطقة العربية. وكذا أهمية تشكيل لجنة فنية مشتركة ودائمة بين وزارتي الزراعة في البلدين، تهدف إلى المتابعة المستمرة لجميع مجالات التعاون، فضلاً عن توليها مهام الإعداد والتنسيق للمشاركة في مؤتمر مكافحة التصحر المقرر عقده في منغوليا خلال العام الحالي».

وأشار كل من فقيه وفاروق إلى «أهمية استمرار انعقاد اللجنة التنسيقية المشتركة بين البلدين برئاسة وزيري الزراعة في السعودية ومصر لمتابعة المستجدات، والتنسيق المشترك في جميع الأمور المتعلقة بالقطاع الزراعي بما يسهم في تحقيق التكامل، وتحقيق الأمن الغذائي لكلا البلدين».

ووجّه وزير الزراعة المصري الدعوة للمسؤولين والفنيين والمستثمرين السعوديين، للاطلاع ميدانياً على المنشآت والمزارع المصرية المخصصة للتصدير سواء الحاصلات الزراعية أو الدواجن، والوقوف على مدى تطبيقها لأعلى معايير الجودة والأمان الحيوي، لافتاً إلى «أهمية تعزيز الاستثمارات بين البلدين الشقيق في الأنشطة الزراعية المختلفة».

والثلاثاء الماضي، عُقد في القاهرة الاجتماع التحضيري لـ«المجموعة الأفريقية للمفاوضين» التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، وذلك في إطار الاستعدادات للدورة السابعة عشرة لمؤتمر «كوب 17». وتحدث مشاركون حينها عن أن «مكافحة التصحر لا تمثل قضية بيئية فحسب، بل تُعد أيضاً أولوية تنموية واقتصادية ترتبط بشكل مباشر بتحقيق الاستقرار، وتحسين سبل معيشة المجتمعات المحلية».

المحادثات السعودية - المصرية السبت تناولت سبل تعزيز آفاق التعاون (مجلس الوزراء المصري)

وبحسب إفادة«مجلس الوزراء»، شدد الوزير فاروق خلال المحادثات التي حضرها نائب رئيس «مركز البحوث الزراعية» بمصر، المشرف على العلاقات الزراعية الخارجية، الدكتور سعد موسى، على «الأهمية الاستراتيجية لتعزيز الاستثمار الزراعي المشترك في القارة الأفريقية، بالنظر إلى ما تمتلكه من مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة ووفرة في الموارد المائية».

ولفت إلى أن «توجيه الاستثمارات المصرية والسعودية نحو القارة السمراء يمثل خطوة ركيزة لتحقيق الأمن الغذائي الإقليمي، ومواجهة التحديات العالمية، الناجمة عن تغير المناخ واضطراب سلاسل الإمداد»، كما أكد أن التكامل بين الخبرات الفنية المصرية ورؤوس الأموال والاستثمارات السعودية في أفريقيا «من شأنه خلق شراكات تنموية مستدامة تعود بالنفع على المنطقة بأسرها».

واتفق الجانبان السعودي والمصري على «المضي قدماً في إجراءات تجديد اتفاقية التعاون المشترك في مجال الخدمات البيطرية، بما يضمن تسهيل حركة التجارة وحماية الثروة الحيوانية في كلا البلدين، فضلاً عن إمكانية التعاون المشترك في تحسين سلالات الماشية والأغنام والماعز، إضافة إلى الاستفادة من التجربة المصرية في مجال استصلاح الأراضي».


توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني لإطلاق مسار سياسي يُنهي الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

سجّلت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً، بتوصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تُمهّد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي للحكم الديمقراطي، عقب مداولات استمرت يومين.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتُباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضمّ «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني. وأكّد البيان أهمية وقف الحرب ضمن 3 مسارات؛ إنسانية وأخرى أمنية.

ويُعدّ هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب، مثل تحالف «صمود»، و«الكتلة الديمقراطية» الداعية لاستمرارها.

وشارك في الاجتماعات وفد من تحالف «تأسيس» وهو من أذرع «الدعم السريع»، غير أنه لم يكن ضمن الاتفاق بسبب اعتراضات بعض أعضاء «الكتلة الديمقراطية».ورجّح مراقبون أن تكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في الاجتماع جاءت بضوء أخضر من قادة الجيش السوداني. كما تمت الموافقة على استبعاد التيار الإسلاموي ممثّلاً في حزب «المؤتمر الوطني» المعزول من أي مشاركة في العملية السياسية.


توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

توافق سوداني على وضع أسس انتقال سياسي للحكم الديمقراطي

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

حققت قوى سياسية ومدنية سودانية متباينة اختراقاً سياسياً مهماً بعد توصلها إلى رؤية مشتركة لإطلاق عملية سياسية تمهد لإنهاء الحرب، ووضع أسس انتقال سلمي نحو الحكم المدني الديمقراطي، عقب مداولات استمرت عدة أيام.

وأصدرت هذه القوى، التي كانت يوماً تحت مظلة واحدة قبل أن تفرقها الحرب وتباعد مواقفها، بياناً مشتركاً ضم التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود) بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش السوداني، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، إلى جانب أحزاب وقوى سياسية أخرى وشخصيات ومنظمات مدنية ونسوية وشبابية.

وأكد البيان توافق الأطراف على مسار سياسي جديد يهدف إلى تحقيق سلام شامل وإنهاء الحرب، ووضع أسس حل سلمي يحافظ على وحدة السودان وسيادته. ويُعد هذا التوافق الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023؛ إذ يجمع بين قوى مناهضة للحرب (تحالف صمود) و«الكتلة الديمقراطية» التي تُعد أكبر تحالف سياسي داعم للجيش السوداني.

وسلمت القوى السودانية، فجر الجمعة، «الآلية الخماسية» الدولية، التي تضم الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا (إيغاد)، مسودة الرؤية التي تم التوصل إليها بالإجماع.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

وجاء الاتفاق بعد تعذر انعقاد الاجتماع الرسمي الذي دعت إليه «الآلية الخماسية»؛ ما دفع القوى السياسية والمدنية إلى الانخراط في مشاورات جانبية مكثفة للتوافق على أسس عملية سياسية جديدة. وقالت القوى الموقعة إن هذا التوافق يعكس إرادة سياسية ومدنية مشتركة لوضع حد للاقتتال، وفتح الطريق أمام تسوية سلمية شاملة.

وشاركت في الاجتماعات إلى جانب الكتلة الديمقراطية، وتحالف صمود، تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، إلا أن المفاوضات التي جرت كانت بين الكتلة الديمقراطية وتحالف «صمود»، حيث رفض أعضاء في الكتلة الديمقراطية الجلوس مع وفد «تأسيس».

وشدد البيان المشترك على ضرورة تصميم عملية سياسية متكاملة تتصدر أولوياتها معالجة الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، وتوسيع الفضاء المدني، وتهيئة المناخ اللازم لإنجاح الحوار الوطني. كما أكد أهمية المحاسبة على جرائم الحرب وتحقيق العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية لمعالجة الآثار الاجتماعية والنفسية التي خلفها النزاع.

لجنة لصياغة الأجندة

واتفقت الأطراف على تشكيل لجنة تحضيرية لا يتجاوز عدد أعضائها 40 عضواً وعضوة، تمثل مختلف أطراف العملية السياسية، مع مراعاة التعدد السياسي والتوازن الجغرافي والتمثيل الاجتماعي والمهني والنسوي والشبابي، فضلاً عن تمثيل المتأثرين بالحرب من النازحين واللاجئين.

وستتولى اللجنة تحديد أطراف العملية السياسية، وفق معايير متوافق عليها، وصياغة أجندة الحوار ومبادئ الحل السياسي ومرتكزاته، والإشراف على إجراءات تهيئة المناخ، إضافة إلى وضع منهجية الحوار، وتحديد زمان ومكان انعقاده وتنسيق العلاقة مع الوسطاء والضامنين الإقليميين والدوليين.

وتتضمن الرؤية 3 مسارات متزامنة للعملية السياسية. ففي المسار الإنساني، دعت القوى إلى فك الحصار عن المدن والمعسكرات في دارفور وكردفان وغيرها من المناطق المتضررة، وفتح الممرات الآمنة لإيصال المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين، مع التزام الأطراف المتحاربة بتسهيل عمل المنظمات الإنسانية دون قيود.

البرهان أعلن قبل أيام إطلاق حوار سياسي شامل وسط توقعات بأنه لم يمانع مشاركة قوى موالية له في اجتماعات أديس أبابا (فيسبوك)

أما في المسار الأمني، فقد اشترطت التوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار يستند إلى بنود «إعلان جدة»، وتحت رقابة إقليمية ودولية وأممية، بالتزامن مع انطلاق العملية السياسية، بما يمهد للوصول إلى وقف دائم وشامل لإطلاق النار.

وفي المسار السياسي، نصت الرؤية على إطلاق حوار سوداني شامل بين القوى السياسية والمدنية لمعالجة جذور الأزمة الوطنية والوصول إلى عقد اجتماعي جديد يؤسس للتحول المدني الديمقراطي.

كما دعت الوثيقة إلى اتخاذ إجراءات لبناء الثقة قبل بدء العملية السياسية، تشمل إطلاق سراح المحتجزين والأسرى والمختطفين، وإنشاء آليات للبحث عن المفقودين، وإلغاء الإجراءات التعسفية ضد القوى المدنية والسياسية، وضمان حرية النشاط السياسي والمدني، ووقف المحاكمات المرتبطة بالحرب ذات الطابع السياسي.

وأكد المشاركون في اجتماعات أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على استبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية المقبلة، بوصفه أحد الثوابت التي حظيت بإجماع واسع بين الأطراف المشاركة.

وأكد المشاركون في الاجتماعات التي جرت في أديس أبابا، يومي الأربعاء والخميس، على إبعاد حزب المؤتمر الوطني المعزول بثورة 2018، وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية.

ولا يستبعد على نطاق واسع أن يكون مشاركة «الكتلة الديمقراطية» في اجتماع أديس أبابا، وما تم التوصل من توافق، كان بإيعاز من من قادة الجيش السوداني.

ومن بين المبادئ التي تضمنتها الرؤية التأكيد على وحدة السودان وسيادته، والربط بين المسارات الإنسانية والأمنية والسياسية ضمن حزمة متكاملة تقود إلى إنهاء الحرب، واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين (إكس)

وكانت «الآلية الخماسية» قد دعت القوى السودانية، بما في ذلك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» المرتبط بـ«قوات الدعم السريع»، إلى اجتماع استكشافي يهدف إلى تقريب وجهات النظر، وفتح مسار سياسي جديد لإنهاء النزاع المستمر في البلاد. وبحث إمكانية تشكيل آلية موحدة للمساهمة في جهود وقف الحرب، والتفاوض بشأن الترتيبات الانتقالية، تمهيداً لإطلاق حوار سياسي شامل بين السودانيين.

وقال مبارك أردول، رئيس «التحالف الديمقراطي للعدالة الاجتماعية» وأحد أبرز قيادات «الكتلة الديمقراطية»، إن المشاورات التي جرت في أديس أبابا تمثل خطوة كبيرة منذ اندلاع الحرب، مشيراً إلى أن المشاركين توصلوا إلى موقف مشترك بشأن اللجنة التحضيرية للعملية السياسية والبيان الختامي، مع التمسك برفض مشاركة تحالف «تأسيس» في العملية السياسية.

وتضم «الكتلة الديمقراطية» عدداً من الحركات المسلحة والقوى السياسية، من أبرزها «حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«مؤتمر البجا»، و«الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل»، إلى جانب مكونات سياسية أخرى.

من جانبه، قال الأمين العام لحزب «الأمة» القومي، الواثق البرير، إن لقاء أديس أبابا استهدف التوافق على أسس وآليات التحضير لعملية سياسية سودانية شاملة، مؤكداً تمسك حزبه برفض عودة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي في مرحلة ما بعد الحرب.