حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

الإنهاك العسكري والمجاعة والضغوط الدولية تدفع أطراف الصراع نحو لحظة مفصلية

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
TT

حرب السودان... هل اقتربت لحظة التسوية؟

طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)
طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، يبدو السودان أمام لحظة مختلفة سياسياً وإنسانياً. ليس لأن المعارك توقفت، أو لأن أحد طرفي الصراع حسم المواجهة عسكرياً، بل لأن تكلفة استمرار الحرب أصبحت تتجاوز قدرة الجميع على الاحتمال؛ داخلياً وإقليمياً ودولياً.

ومع تصاعد الضغوط الدولية، والتحركات الإقليمية المكثفة، والانهيار الإنساني المتسارع، تتكرر الأسئلة ذاتها في الأوساط السياسية والإعلامية: هل اقتربت الحرب من لحظة التسوية؟ أم أن السودان الموبوء بالحروب يتجه نحو صراع طويل يشبه حروبه السابقة؟

التاريخ السوداني لا يقدم إجابات مطمئنة، فمعظم الحروب الكبرى في البلاد امتدت لعقود؛ الحرب الأهلية الأولى في الجنوب استمرت 17 عاماً (1955 - 1972)، والثانية 22 عاماً (1983 - 2005)، بينما استمرت حرب دارفور نحو 17 عاماً (2003 - 2020) وجميعها حُسِمت بالعودة إلى الحوار والتفاهم والسلام. لذلك يضع السودانيون قلوبهم بين أيديهم خشية أن تتحول الحرب الحالية إلى فصل جديد من تلك الحروب الطويلة والمفتوحة.

لكن ثمة من يرى أن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها.

فمنذ اندلاع المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، في أبريل (نيسان) 2023، راهن الطرفان على حسم عسكري سريع. غير أن دخول الحرب عامها الرابع كشف بوضوح حدود هذا الرهان؛ فالمعارك التي تمددت من الخرطوم إلى بورتسودان، ودارفور وكردفان ثم النيل الأزرق، لم تنتج انتصاراً حاسماً لأي طرف، لكنها دفعت البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومع تعقّد المشهد الميداني، بدأ المجتمع الدولي ينظر إلى الحرب السودانية باعتبارها تهديداً يتجاوز حدود السودان نفسه؛ فالتوترات المتصاعدة في البحر الأحمر، ومخاوف اتساع الفوضى في القرن الأفريقي، وتزايد موجات النزوح والهجرة غير الشرعية، كلها عوامل دفعت العواصم الغربية والإقليمية إلى تكثيف الضغوط من أجل الوصول إلى تسوية سياسية.

وفي هذا السياق، شكّل مؤتمر برلين الأخير محطة مهمة، بعدما أجمعت عشرات الدول والمنظمات الدولية على أن الأزمة السودانية «لا يمكن حسمها عسكرياً»، وأكدت دعمها الواضح لمسار تفاوضي شامل. كما كثفت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحركاتهما الدبلوماسية للدفع نحو وقف إطلاق النار؛ خصوصاً مع تزايد المخاوف من اتساع دائرة الفوضى في المنطقة.

المشاركون في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة الإنسانية في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)

ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول، تصريحات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الذي أكد أنه «لا وجود لحل عسكري للنزاع في السودان»، مشيراً إلى وجود «إجماع دولي» لدفع الأطراف نحو التفاوض ووقف إطلاق النار. كما تحدث عن جهود أميركية لدعم هدنات إنسانية تمهّد لوقف دائم للقتال.

صحيح أن هذا التحول الدولي لا يعني بالضرورة أن التسوية أصبحت وشيكة، لكنه يكشف عن قناعة متزايدة لدى القوى المؤثرة بأن استمرار الحرب قد يقود إلى انهيار الدولة السودانية بالكامل، وهو سيناريو تخشاه قوى إقليمية ودولية عديدة، خاصة دول الجوار.

وشهدت الأشهر الأخيرة حراكاً إقليمياً أكثر نشاطاً مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، حين وُصفت بأنها «الحرب المنسية»؛ فهناك تنسيق متزايد بين الاتحاد الأفريقي، ومنظمة «إيغاد»، وجامعة الدول العربية، إلى جانب تحركات خليجية ومصرية وأفريقية تهدف إلى منع تفكك السودان أو تحوله إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.

وتدرك هذه الأطراف أن استمرار الحرب لن يهدد السودان وحده، بل سيؤثر مباشرة على أمن البحر الأحمر، وحركة التجارة الدولية، واستقرار دول الجوار، بما يجعل التوصل إلى تسوية سياسية ضرورة إقليمية، وليس مجرد مطلب سوداني داخلي.

في الداخل السوداني، ورغم أن الجيش السوداني لا يزال متمسكاً بخطاب استمرار العمليات العسكرية، أبقى الباب موارباً أمام الحلول السياسية. ففي تصريحات بدت ذات دلالات سياسية، قال البرهان، أخيراً، إن «أي شخص وصل إلى قناعة ووضع السلاح، فإن حضن الوطن مفتوح له»، وهي رسالة فسّرها مراقبون باعتبارها محاولة لفتح الباب أمام تسويات محتملة أو تشجيع انشقاقات داخل «قوات الدعم السريع»، عبر تقديم ضمانات ضمنية للراغبين في العودة والانخراط في ترتيبات جديدة.

ومع ذلك، يواصل البرهان التأكيد في أكثر من مناسبة بأن الجيش «ماضٍ في استعادة الدولة ومؤسساتها»، في مؤشر يعكس تمسك المؤسسة العسكرية بسقفها السياسي والعسكري في أي مفاوضات مقبلة، وهو ما يشير إلى أن الطريق نحو تسوية شاملة لا يزال محفوفاً بتعقيدات كبيرة، رغم تزايد الضغوط لإنهاء الحرب.

ضغوط إنسانية

لكن العامل الأكثر ضغطاً على جميع الأطراف ربما لم يعد عسكرياً أو سياسياً، بل إنسانيّ. فقد حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات الغذاء الدولية من أن السودان يواجه حالياً واحدة من أكبر أزمات الجوع في العالم. ووفق تقرير «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)» الصادر في مايو (أيار) 2026. يعاني نحو 20 مليون سوداني مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما يواجه عشرات الآلاف خطر المجاعة، مع وجود مناطق عدة مهددة بكارثة إنسانية إذا استمرت الحرب.

وقالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين، إن «الجوع وسوء التغذية يهددان حياة الملايين»، داعية إلى تحرك عاجل لمنع تحوّل الأزمة إلى «مأساة كبرى».

أما المديرة التنفيذية لـ«اليونيسف»، كاثرين راسل، فقد وصفت الوضع الإنساني بأنه بلغ مرحلة مأساوية، مشيرة إلى أن أطفالاً يصلون إلى المرافق الصحية «وهم أضعف من أن يبكوا».

المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي سيندي ماكين حذرت من «كارثة إنسانية كبرى» في السودان (رويترز)

وفي الأوساط السودانية، بدأت تتسع دائرة الأصوات الداعية إلى إنهاء الحرب، رغم استمرار الانقسام حول شكل التسوية الممكنة. ويرى بعض المحللين المقربين من الجيش أن تراجع التأييد الشعبي لاستمرار الحرب لا يعني بالضرورة قبول بقاء «قوات الدعم السريع» كقوة موازية للدولة، ما يجعل أي تسوية مستقبلية مرتبطة بإعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة.

كما يرى مراقبون أن تصاعد الضغوط الدولية، إلى جانب الإنهاك العسكري والتدهور الإنساني، قد يدفع الأطراف المتحاربة إلى قبول تسوية سياسية خلال المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، قال الأمين السياسي لحزب المؤتمر السوداني، شريف محمد عثمان، إنه «لا حل عسكرياً ولا سلام دون قيادة مدنية حقيقية»، في إشارة إلى أن إنهاء الحرب يتطلب تسوية شاملة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها.

ويرى مراقبون آخرون أن المشهد السوداني يقف حالياً عند نقطة توازن معقدة بين احتمالات السلام واستمرار الحرب. ويقول المحلل السياسي محمد لطيف إن المعطيات الدولية والضغوط الخارجية ومعاناة المواطنين تجعل السلام «أقرب من أي وقت مضى»، لكنه يشير في المقابل إلى أن استمرار فتح جبهات جديدة للقتال، وتعقيدات المشهد الإقليمي لا تزال تدفع نحو إطالة أمد الصراع، ما يبقي كل الاحتمالات مفتوحة.

ومن زاوية أمنية واستراتيجية، يرى الخبير العسكري العميد الدكتور جمال الشهيد أن السودان يقف أمام مفترق طرق بالغ الخطورة، بين تسوية سياسية تفرضها حالة الإنهاك العسكري والضغوط الدولية، والانزلاق إلى نموذج «الحرب الممتدة»؛ حيث لا يتمكن أي طرف من تحقيق حسم كامل، بينما تتآكل مؤسسات الدولة تدريجياً تحت وطأة الاستنزاف العسكري والاقتصادي والإنساني.

ويحذر الشهيد من أن عامل الزمن لم يعد في صالح السودان، وأن كل يوم إضافي من الحرب يضاعف تكلفة السلام مستقبلاً.

ورغم كل هذه المؤشرات، فإن الأسئلة الكبرى لا تزال مفتوحة: هل وصلت الحرب فعلاً إلى مرحلة الإنهاك التي تسبق التسويات؟ أم أن السودان لا يزال في بداية صراع طويل لم تتشكل ملامح نهايته بعد؟


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تجتمع في نيروبي لتطوير رؤية وقف الحرب

شمال افريقيا أطفال سودانيون نزحوا مع عائلاتهم إلى ليبيا يتلقون درساً في مدرسة للاجئين في تاجوراء شمال طرابلس (أرشيفية - أ.ب)

قوى سودانية تجتمع في نيروبي لتطوير رؤية وقف الحرب

تستعد قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة سودانية، غداً الجمعة، في العاصمة الكينية نيروبي، لبدء جولة جديدة من المشاورات بشأن الاتفاق على إطار تنسيقي لوقف الحرب.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها

العيد في السودان.. الأضحية ترف في زمن الحرب

تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في السودان، ومع دخول الحرب عامها الرابع، وحلول عيد الأضحى، فوجئ كثيرون بأسعار خرافية لخراف الأضحية، فاقت قدرات معظم الأسر.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا البرهان يترأس اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني مساء الثلاثاء (مجلس السيادة الانتقالي)

«مجلس الأمن والدفاع» السوداني يوجه بتقييد تحركات المسلحين داخل المدن

طالب «مجلس الأمن والدفاع» السوداني بتشديد الرقابة على الأفراد والعربات القتالية والخلايا الأمنية داخل المدن والأسواق بعد تداول معلومات عن حوادث انفلات أمني.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا القائد الميداني في «الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ«أبو لولو» يتوسط مقاتلين آخرين قرب الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز) p-circle

«قوات الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

نفت «قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) صحة أنباء متداولة بشأن إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
آسيا الدخان يتصاعد من الطائرات المحترقة داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات (أرشيفية - رويترز)

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

قتل 28 شخصاً على الأقل اليوم (الثلاثاء)، في هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطعماً وعربة مسلحة داخل سوق مكتظة بمدينة غبيش بغرب كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

مصر تتحوّط من تقلبات الأسواق بتنسيق دولي لتأمين إمدادات السلع

مصر تعزز جهود توفير مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية (رويترز)
مصر تعزز جهود توفير مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية (رويترز)
TT

مصر تتحوّط من تقلبات الأسواق بتنسيق دولي لتأمين إمدادات السلع

مصر تعزز جهود توفير مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية (رويترز)
مصر تعزز جهود توفير مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية (رويترز)

تتحوّط مصر من تقلبات الأسواق بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، عبر تنسيق دولي لتأمين إمدادات السلع الاستراتيجية، وبحث «حلول تمويلية»، وتسريع خطوات إنشاء «مركز الحبوب العالمي».

وتقول الحكومة إن تحركاتها بهدف تعزيز الشراكات الاستراتيجية مع كبرى المؤسسات والشركات العالمية العاملة في قطاع الحبوب والغلال، وتنويع مصادر إمدادات السلع الغذائية الاستراتيجية، وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطن باعتبار ملف الأمن الغذائي أحد المرتكزات الرئيسية للأمن القومي.

كما تؤكد أن «لديها سيناريوهات تعمل على تطبيقها لضمان استقرار الأسواق»، وتوجّه بشكل متكرر رسائل طمأنة للمواطنين فيما يتعلق بالأسعار.

وقال وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال محادثات، الجمعة، مع وفد رفيع المستوى من الوكالة الدولية لضمان الاستثمار (MIGA) التابعة لمجموعة البنك الدولي، إن «الدولة المصرية في ضوء التحديات الإقليمية والدولية الراهنة تضع توفير الإمدادات السلعية، وتحقيق الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، على رأس أجندة أولوياتها الاستراتيجية».

وتحدث رستم عن استمرار التنسيق بين الحكومة والشركاء الدوليين لـ«توفير آليات تمويلية مدعومة بضمانات قوية، بما يعزز جهود تأمين إمدادات السلع الأساسية»، موضحاً أن «هذا النهج يتيح مرونة أكبر لإدارة المخاطر والتحوط ضد تقلبات الأسواق».

وبحسب إفادة لـ«مجلس الوزراء»، أكد ممثلو الوكالة الدولية لضمان الاستثمار «التزام الوكالة بدعم برامج التنمية الاقتصادية المصرية عبر آليات تعزز الشفافية، وتوسع قاعدة المنافسة بين المؤسسات المصرفية الدولية، بما يخدم المصالح التنموية للدولة».

أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق والمؤسس لكلية النقل الدولي، محمد علي إبراهيم، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «تحوّط مصر من تقلبات الأسواق شيء مهم جداً وواجب؛ لأنه لا بد أن يتوفر مخزون كافٍ للاحتياجات السكانية، خاصة من السلع الاستراتيجية».

وتوقع إبراهيم أن «تشهد الفترة المقبلة ارتفاعاً في أسعار السلع الغذائية»، ودلّل على ذلك بأن «ثلث أسمدة العالم يُنتج في المنطقة التي بها اضطرابات بمضيق هرمز، وبالتالي فالإنتاج متوقع أن يكون أقل من الموجود خلال السنوات السابقة»، كما يضيف أنه على «الحكومة أن تتحوّط وتقوم بشراء آجل الآن قبل ارتفاع الأسعار».

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري الأربعاء الماضي (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

وطمأن متحدث رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، المصريين، خلال تصريحات متلفزة، مساء الأربعاء، بقوله إن «الدولة تمتلك مخزوناً استراتيجياً كافياً من السلع الأساسية يتجاوز 6 أشهر، ويصل في بعض السلع إلى عام كامل».

وحول إجراءات الحكومة «التحوطية» لتجاوز تأثيرات الحرب، يرى إبراهيم أن الحكومة أعلنت منذ فترة أنها «تحوطت» في مسألة الغاز والبترول والقمح، وتحدثت عن مخزون يكفي لأكثر من 6 أشهر، وهو ما انعكس على الأسعار؛ إذ لم ترتفع بالشكل المتوقع وفق الخبراء. لكنه يقول: «مع طول أمد الحرب لا بد أن يكون هناك إجراءات أخرى من أجل تأمين الإمدادات خلال الفترة المقبلة، وخصوصاً أن الدولة لديها مشكلة في النقد الأجنبي، وهناك أزمة عالمية أخرى محتملة تتمثل في نقص الحاصلات الزراعية على الأقل بمستوى من 20 إلى 30 في المائة الفترة المقبلة».

وشهدت مصر أزمة سابقة في العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء». وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات؛ ما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه»، ليرتفع بعده سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 52.90 جنيه، الجمعة.

وزير التخطيط المصري خلال محادثات الجمعة مع وفد «الوكالة الدولية لضمان الاستثمار» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

وفي سياق التحركات المصرية، واصل وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، الجمعة، لقاءاته على هامش «المنتدى الروسي الخامس للحبوب» بمدينة سوتشي بهدف «تعزيز التعاون في مجال الأمن الغذائي»، حيث التقى ديمتري سيرغييف، المدير التنفيذي لشركة «OZK» (شركة الحبوب المتحدة)، رئيس اتحاد مُصدّري ومنتجي الحبوب الروسي.

وتناول اللقاء سبل تعزيز التعاون الاستراتيجي بين مصر وروسيا في مجال تجارة الحبوب، واستعراض آليات إبرام عقود توريد طويلة الأجل لشحنات القمح الروسي، بما يسهم في تحقيق الاستقرار لسلاسل الإمداد الاستراتيجية لمصر، ويعزز جهود الدولة في بناء مخزون استراتيجي آمن ومستدام من السلع الأساسية في ظل المتغيرات العالمية الراهنة.

وأكد فاروق «متانة العلاقات الاقتصادية المصرية - الروسية خاصة في مجال الأمن الغذائي»، وأشار إلى أن «روسيا تُعد أحد أهم مورّدي القمح» لبلاده. وأوضح أن «المحادثات تأتي في إطار توجيهات القيادة السياسية في البلدين نحو تعزيز التعاون الاقتصادي، وتنويع مصادر الإمداد، وتطوير البنية التحتية للتخزين والنقل، وبحث فرص إقامة (مركز لوجستي إقليمي لتجارة وتخزين الحبوب) بالموانئ المصرية».

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أبريل (نيسان) الماضي إن بلاده «تدرس إنشاء مركز للحبوب والطاقة داخل مصر»، وأكد حينها أن «روسيا ستؤمّن إمدادات الحبوب للجانب المصري».

وزير التموين المصري يواصل لقاءاته الجمعة على هامش «المنتدى الروسي الخامس للحبوب» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

كما لفت وزير التموين، الجمعة، إلى اهتمام مصر بتعزيز الشراكات مع الكيانات الدولية الكبرى العاملة في قطاع الحبوب، والاستفادة من الخبرات العالمية في تطوير منظومة تداول وتخزين السلع الاستراتيجية، بما يدعم جهود تحقيق الأمن الغذائي المستدام.

في حين أعرب سيرغييف عن تطلع اتحاد مُصدّري ومنتجي الحبوب الروسي إلى تعزيز التعاون مع الجانب المصري، مشيراً إلى «المكانة المحورية التي تمثلها السوق المصرية باعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم، وإحدى أهم الوجهات الرئيسية لصادرات الحبوب الروسية».

وبشأن التأثيرات المستقبلية للحرب الإيرانية على الدول بعد انتهائها، يقول أستاذ الاقتصاد: «حتى بعد الحرب لن يتم التعافي مباشرة، وهناك بعض الدول حتى تعود لمستوى إنتاجها تحتاج من 3 إلى 5 سنوات، ودول أخرى تحتاج لأشهر، فلا نتوقع بعد انتهاء الحرب أن تعود الأمور إلى طبيعتها، فالأمر يحتاج لمزيد من الوقت».


صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
TT

صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

صدر في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ 14 يونيو (حزيران) 1830 حتى الخامس من يونيو 1962، وآثاره المباشرة وغير المباشرة التي استمرت بعد ذلك.

واشتمل القانون، الذي وقّعه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، على 4 فصول و21 مادة، والمؤرخ في 12 مايو (أيار) 2026، وصدر في الجريدة الرسمية رقم 37.

ويعرف القانون الاستعمار الفرنسي للجزائر على أنه «جريمة دولة تنتهك المبادئ والقيم الإنسانية والسياسية والاقتصادية والثقافية، المكرسة في القوانين والمواثيق والأعراف الوطنية والدولية».

وعدد جرائم الاستعمار في جملة من الأفعال والممارسات، منها العدوان على الدولة الجزائرية، والقتل العمد، وتعمد توجيه الهجمات العسكرية ضد السكان المدنيين، واستخدام الأسلحة غير التقليدية والمحرمة دولياً، والتجارب الكيماوية والتفجيرات النووية. إضافة إلى الإعدام خارج إطار القانون، والنهب الممنهج للثروات، وإخضاع الجزائريين دون سواهم لقوانين استثنائية، وتجميع السكان المدنيين في محتشدات، وجعلهم دروعاً بشرية. إضافة إلى الاغتصاب والاستعباد الجنسي، وإلحاق الألقاب المشينة بالجزائريين، والاعتداء على حرمة الموتى والتنكيل برفاتهم.

وعهد القانون للدولة الجزائرية العمل على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار الفرنسي، محملاً الدولة الفرنسية المسؤولية عن ماضيها الاستعماري وما خلفه من مآسٍ. مع سعيها لضمان الاعتراف الرسمي من فرنسا عن هذا الماضي.

كما شدد على أن جرائم الاستعمار ضد الشعب الجزائري، التي تم ارتكابها من طرف قوات الجيش، أو الشرطة، أو غيرها من الأجهزة النظامية أو القوات والميليشيات المسلحة، لا تسقط بالتقادم. ويعتبر القانون جريمة خيانة كل صور التعاون الحركي مع السلطات الاستعمارية ضد مختلف أشكال النضال، والكفاح في سبيل استرجاع السيادة الوطنية والاستقلال.

وعلاوة على ذلك يجيز القانون مطالبة فرنسا بتنظيف مواقع التفجيرات النووية الملوثة إشعاعياً، وتسليم خرائطها مع تعويض الضحايا وذويهم. كما يؤكد سعي الدولة الجزائرية لاستعادة أموال الخزينة التي تم السطو عليها. من جهة أخرى، يتضمن القانون أحكاماً جزائية تصل إلى السجن من 3 إلى 10 سنوات، وغرامات مالية تتراوح بين 750 و7500 دولار. إلى جانب الحرمان من ممارسة الحقوق الوطنية والمدنية والسياسية والعائلية، لكل من يروج ويمجد الاستعمار عبر نشاط إعلامي أو ثقافي أو سياسي، يهدف إلى إحياء ونشر الأفكار الاستعمارية، أو الإشادة بها وإنكار طابعها الإجرامي. وفي حالة العودة تضاعف العقوبة.


موريتانيا تستدعي السفير المالي احتجاجاً على انتهاك حرمة سفارتها في باماكو

قوات موريتانية لمنع تدهورالأوضاع الأمنية على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)
قوات موريتانية لمنع تدهورالأوضاع الأمنية على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)
TT

موريتانيا تستدعي السفير المالي احتجاجاً على انتهاك حرمة سفارتها في باماكو

قوات موريتانية لمنع تدهورالأوضاع الأمنية على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)
قوات موريتانية لمنع تدهورالأوضاع الأمنية على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)

أعلنت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والموريتانيين في الخارج «احتجاج موريتانيا الشديد ورفضها القاطع»، لما شهده محيط سفارتها في باماكو من تصرفات، وصفتها بأنها «انتهاك لحرمة بعثتها الدبلوماسية، ومخالفة للأعراف والمواثيق الدولية».

جاء ذلك في بيان صادر عن الوزارة ليل الخميس-الجمعة، قالت فيه إنها استدعت سفير جمهورية مالي المُعتمَد لدى موريتانيا، باكاري دومبيا، حيث أبلغه وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك احتجاج موريتانيا الشديد، و«رفضها القاطع لما شهده محيط سفارتها في باماكو من تصرفات تنتهك حرمة بعثتها الدبلوماسية».

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وأضافت الوزارة أنَّ ولد مرزوك أكد للسفير أنَّ أمن السفارة وسلامة طاقمها، وكذلك أمن المواطنين الموريتانيين في مالي وممتلكاتهم، «مسؤولية تقع على عاتق دولة الاعتماد، وفقاً للاتفاقات والأعراف الدولية ذات الصلة»، مشدداً على أنَّ موريتانيا تنتظر من الحكومة المالية الشقيقة اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية البعثة، والمواطنين الموريتانيين وممتلكاتهم، ومنع تكرار مثل هذه التصرفات، مع حرصها على معالجة أي إشكالات بين البلدين، عبر القنوات الدبلوماسية المعهودة.

جاء هذا البيان بعد أن تداولت منصات إعلامية ومواقع تواصل اجتماعي في مالي تصريحات وُصفت بالتحريضية، دعت إلى استهداف متاجر الموريتانيين، على خلفية الهجمات التي تتعرَّض لها الشاحنات المالية على محور موريتانيا - مالي، من طرف الحركات المتطرفة.

وبحسب ما تم تداوله، فقد اتهمت جهات موالية للمجلس العسكري الحاكم في باماكو موريتانيا، بصورة غير مباشرة، بالوقوف وراء ما وصفته بـ«الحصار»، مستندة إلى كون بعض الهجمات المسلحة استهدفت شاحنات مالية دون التعرض - بحسب ادعائها - للموريتانيين.

وأثارت هذه التصريحات موجة استياء واسعة، خصوصاً لما تحمله من خطاب تصعيدي، وتحريض ضد الجالية الموريتانية ومصالحها التجارية في مالي، وسط مخاوف من انعكاسات ذلك على أوضاع الموريتانيين المقيمين هناك.

ويأتي هذا التوتر في ظلِّ وضع أمني متقلب تشهده المنطقة، وتصاعد الخطاب الإعلامي والسياسي المرتبط بالأزمات الأمنية بين دول الساحل.

جنود موريتانيون على الحدود المالية (الجيش الموريتاني)

وكان ناشطون في العاصمة المالية باماكو قد هدَّدوا، أمس الخميس، باتخاذ إجراءات تصعيدية ضد المصالح الموريتانية في مالي، وقالوا إنَّ إحراق أي شاحنة نقل للمؤن والبضائع داخل الأراضي المالية سيقابلها انتقام من محلات التجار الموريتانيين، وضرب المصالح الموريتانية في مالي.

واختار الناشطون الموالون للمجلس العسكري الحاكم مبنى السفارة الموريتانية في باماكو لتنظيم وقفتهم الاحتجاجية، التي جاءت بدعوة من حراك شعبي يعرف باسم «تجمع خمس سنوات وأكثر»، المُؤيِّد والمُطالِب ببقاء العسكر في الحكم لفترة طويلة، بزعامة الجنرال عاصمي غويتا.

وقال المحتجون إنَّ وقفتهم تأتي رداً على الهجمات، التي تستهدف سلاسل الإمداد على المحاور الطرقية، المؤدية إلى العاصمة باماكو، والتي تنفِّذها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بـ«القاعدة».

ودعا النشطاء الحكومة الموريتانية إلى التعاون مع مالي، ومع دول الساحل؛ لمنع استهداف سلاسل الإمداد، وعدم توفير الملاذ الآمن، أو القاعدة الخلفية للجماعات الإرهابية المسلحة.

وقال ناطق باسم المحتجين إن كل مركبة تُحرَق في مالي سيقابلها حرق محل تجاري موريتاني في مالي. وتوعَّد بأن تشمل هذه الإجراءات الانتقامية باقي دول تحالف الساحل، وهما بوركينا فاسو والنيجر.

وتتهم أوساط مقربة من المجلس العسكري الحاكم في مالي موريتانيا بتوفير الملاذ للجماعات المسلحة المتشددة، وهو ما تنفيه موريتانيا بشدة.