العيد في السودان.. الأضحية ترف في زمن الحرب

الغلاء وانهيار القدرة الشرائية يحوّلان أسواق المواشي ساحات للعجز والانتظار

الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها
الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها
TT

العيد في السودان.. الأضحية ترف في زمن الحرب

الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها
الصور المرقمة لأسواق الماشية في المدن الثلاث صورتها الشرق الأوسط إبان جولتها

تفاقمت الأوضاع الاقتصادية في السودان، وتحولت ملامح الفرح بالمناسبات إلى قلق ثقيل يطارد المواطنين المنهكين بآلام النزوح والتشرد وغلاء المعيشة. ومع دخول الحرب عامها الرابع، ينتظر الناس قدوم «العيد» وشراء الأضحية، لكنّ كثيرين فوجئوا بأسعار خرافية تجاوزت قدرة معظم الأسر. ويظهر ذلك بوضوح في الحظائر وأسواق المواشي، حيث يتجول المواطنون بنظرات مثقلة بالعجز، يكتفون بالسؤال عن الأسعار قبل أن يغادروا بصمت.

وبات شراء «خروف العيد» أمنية مؤجلة لكثير من الأسر السودانية، بعدما التهمت الحرب مدخراتهم وأفقدتهم مصادر رزقهم، ليجدوا أنفسهم في مواجهة قاسية مع واقع اقتصادي مجهول.

قال عبودي عادل إنه عاجز ولن «يضحي» هذا العام (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية واسعة في أسواق المواشي بمدن الخرطوم وبحري وأم درمان، بدت ملامح الأزمة الاقتصادية واضحة في حركة الأسواق، مع تراجع ملحوظ في الإقبال على شراء الأضاحي والمواشي وسط حالة ركود غير مسبوقة.

وحسب الجولة واستطلاعات رأي هاتفية شملت ولايات الجزيرة (وسط)، والنيل الأبيض (جنوب)، ونهر النيل (شمال)، وكسلا والقضارف (شرق)، تراوح سعر خروف الأضحية بين 700 ألف ومليون و500 ألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 175 إلى 375 دولاراً أميركياً، وفق سعر صرف الدولار في السوق الموازية، الذي تجاوز حاجز أربعة آلاف جنيه للدولار الواحد.

وقال عدد من المواطنين إن شراء الأضحية أصبح فوق طاقة كثير من الأسر هذا العام، في ظل تصاعد تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار الأعلاف والنقل والمحروقات، الأمر الذي انعكس مباشرةً على أسعار المواشي وأضعف القوة الشرائية بصورة لافتة.

المواطن حسن عبد المنعم يتمنى إدخال فرحة العيد لأطفاله، لكنه بلا دخل (الشرق الأوسط)

وقفز معدل التضخم في السودان خلال أبريل (نيسان) إلى 45.84 في المائة مقارنةً بـ40.84 في المائة في مارس (آذار)، بزيادة بلغت 5 في المائة خلال شهر واحد، حسب الجهاز المركزي للإحصاء، في مؤشر يعكس تصاعد الأزمة الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

ويُعزى هذا الارتفاع إلى استمرار تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، مما فاقم موجة الغلاء ودفع أسعار السلع والخدمات إلى مستويات أعلى.

وأظهرت البيانات ارتفاع التضخم في المناطق الحضرية إلى 49.70 في المائة خلال أبريل، مقارنةً بـ41.33 في المائة في مارس، بينما سجل في المناطق الريفية 43.62 في المائة مقابل 39.53 في المائة الشهر السابق.

أوضاع صعبة

يقول عبودي عادل، (صاحب محل فلافل وطعمية) إنه عاجز عن شراء الأضحية بسبب ضيق الحال، موضحاً أن الحرب دمّرت حياتهم، وأن النزوح المتكرر خلال الفترة الماضية استنزف طاقتهم ومدخراتهم، في وقت أصبحت فيه أسعار الأضاحي فوق قدرة البسطاء، وسط أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة.

ويوضح محمد علي (عامل يومي) أن دخله غير ثابت، إذ يعتمد على العمل اليومي الذي يتوفر أحياناً وينقطع كثيراً، ويشير إلى أن الأسعار أصبحت فوق المعقول، مضيفاً: «أمدد رجلي على قدر لحافي، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها».

وأشار أحمد عوض (صاحب محل خضراوات وفواكه) إلى أنه لم يحسم أمر شراء الأضحية بعد، وينتظر الذهاب إلى السوق لمعرفة الأسعار أولاً، وما إذا كانت مدخراته القليلة تكفي لشراء خروف. ويضيف أنه متزوج وأب لطفلة، وأن زوجته تتفهم ظروفه الاقتصادية الصعبة.

بائع الخضار والفاكهة أحمد عوض يأمل أن تقدّر زوجته ظروفه الاقتصادية (الشرق الأوسط)

أما حسن عبد المنعم (سائق تاكسي) فيؤكد أنه رغم رغبته في إدخال فرحة العيد على أطفاله الخمسة، فإنه غير قادر على شراء الأضحية بسبب توقف العمل وتدهور الأوضاع المعيشية. ويشير إلى أنه أنفق معظم مدخراته قبل شهرين على عقيقة مولوده الجديد وتكاليف عملية قيصرية لزوجته.

ويتحدث حسن عن معاناته خلال سنوات الحرب، قائلاً إنه بقي في أم درمان طوال فترة الحصار، وعانى مع أسرته من الجوع والمرض واستنزاف الموارد.

قوة شرائية ضعيفة

يرى عبد الله يوسف (تاجر خراف) أن أسعار الأضاحي ارتفعت بصورة كبيرة هذا العام، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن تداعيات الحرب المستمرة، أثرت بشكل مباشر على حركة الأسواق وسلاسل الإمداد بين الولايات، إلى جانب الارتفاع الحاد في أسعار الأعلاف وتكاليف النقل وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

ويضيف يوسف أن التجار أنفسهم يواجهون ضغطاً اقتصادياً كبيراً، موضحاً أن كثيراً منهم يحاولون البيع بهوامش أرباح محدودة لتفادي الخسائر والمحافظة على استمرار النشاط التجاري في ظل الظروف الحالية.

محمد علي قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «يمد رجله على قدر لحافه» (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أن ضعف القوة الشرائية لدى المواطنين بات واضحاً هذا الموسم، إذ يكتفي كثيرون بالسؤال عن الأسعار أو تأجيل قرار الشراء بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة التي فرضتها الحرب على الناس في مختلف المناطق.

تداعيات حرب إيران

رأى الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب لعبت الدور الأكبر في الارتفاع الحاد لأسعار الأضاحي والثروة الحيوانية عموماً، نتيجة تعطل سلاسل الإمداد وتأثر مناطق الإنتاج الرئيسية في دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، مما أدى إلى تراجع تدفق الماشية نحو الأسواق في مختلف ولايات السودان.

وأوضح الناير أن الأزمة لم تعد مرتبطة بالحرب الداخلية وحدها، بل تفاقمت أيضاً بفعل التوترات الإقليمية الأخيرة، خصوصاً تداعيات الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط عالمياً، الأمر الذي انعكس مباشرةً على أسعار المحروقات داخل السودان عبر زيادات متتالية خلال فترة وجيزة.

سودانيون في سوق للمواشي (الشرق الأوسط)

وأكد أن ارتفاع تكاليف الأعلاف والنقل دفع بأسعار الخراف إلى مستويات غير مسبوقة، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وتآكل دخول المواطنين بفعل الأزمة الاقتصادية المستمرة.

وأشار إلى أن غياب المبادرات الحكومية ومشروعات البيع بالأقساط ضاعف معاناة الأسر، بعدما كانت مؤسسات حكومية ونقابات وجهات من القطاع الخاص توفر الأضاحي والسلال الغذائية عبر الاستقطاع الشهري من الرواتب، بما يخفف الأعباء عن العاملين.

وأضاف أن تراجع هذه المبادرات، إلى جانب ضعف الرواتب، جعل حتى موظفي القطاع العام عاجزين عن شراء الأضاحي، في مؤشر يعكس اتساع الأزمة المعيشية واقتراب موسم عيد يثقل كاهل آلاف الأسر السودانية.

وفي بلد أثقلته الحروب المتراكمة والأزمات المستمرة، لم تعد الأضحية مجرد شعيرة دينية أو عادة اجتماعية، بل تحولت إلى مؤشر قاسٍ على حجم التدهور الاقتصادي الذي يعيشه المواطنون. وبينما تتواصل موجة الغلاء وتتآكل القدرة الشرائية يوماً بعد آخر، يبقى السؤال حاضراً في بيوت كثيرة: «كيف يصنع الناس فرحة العيد وهم بالكاد يستطيعون تأمين احتياجاتهم الأساسية؟».


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تجتمع في نيروبي لتطوير رؤية وقف الحرب

شمال افريقيا أطفال سودانيون نزحوا مع عائلاتهم إلى ليبيا يتلقون درساً في مدرسة للاجئين في تاجوراء شمال طرابلس (أرشيفية - أ.ب)

قوى سودانية تجتمع في نيروبي لتطوير رؤية وقف الحرب

تستعد قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة سودانية، غداً الجمعة، في العاصمة الكينية نيروبي، لبدء جولة جديدة من المشاورات بشأن الاتفاق على إطار تنسيقي لوقف الحرب.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا البرهان يترأس اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني مساء الثلاثاء (مجلس السيادة الانتقالي)

«مجلس الأمن والدفاع» السوداني يوجه بتقييد تحركات المسلحين داخل المدن

طالب «مجلس الأمن والدفاع» السوداني بتشديد الرقابة على الأفراد والعربات القتالية والخلايا الأمنية داخل المدن والأسواق بعد تداول معلومات عن حوادث انفلات أمني.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا القائد الميداني في «الدعم السريع» الفاتح عبد الله إدريس الشهير بـ«أبو لولو» يتوسط مقاتلين آخرين قرب الفاشر يوم 27 أكتوبر 2025 (لقطة مقتطعة من فيديو - رويترز) p-circle

«قوات الدعم السريع» تنفي إطلاق سراح «أبو لولو»

نفت «قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي) صحة أنباء متداولة بشأن إطلاق سراح القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو».

محمد أمين ياسين (نيروبي)
آسيا الدخان يتصاعد من الطائرات المحترقة داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات (أرشيفية - رويترز)

28 قتيلاً في هجوم بمسيرة على سوق بكردفان بالسودان

قتل 28 شخصاً على الأقل اليوم (الثلاثاء)، في هجوم بطائرة مسيرة استهدف مطعماً وعربة مسلحة داخل سوق مكتظة بمدينة غبيش بغرب كردفان في السودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا المدعو «أبو لولو» الذي نشر الرعب في الفاشر لدى اعتقاله بواسطة «قوات الدعم السريع» (أ.ف.ب)

«أبو لولو» القيادي بـ«الدعم السريع» يعود للقتال

قالت تسعة مصادر لـ«رويترز» إن قائداً في «قوات الدعم السريع»، كان قد اعتُقل في أواخر العام الماضي عقب موجة غضب عالمية أطلق سراحه وعاد إلى القتال.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

قوى سودانية تجتمع في نيروبي لتطوير رؤية وقف الحرب

أطفال سودانيون نزحوا مع عائلاتهم إلى ليبيا يتلقون درساً في مدرسة للاجئين في تاجوراء شمال طرابلس (أرشيفية - أ.ب)
أطفال سودانيون نزحوا مع عائلاتهم إلى ليبيا يتلقون درساً في مدرسة للاجئين في تاجوراء شمال طرابلس (أرشيفية - أ.ب)
TT

قوى سودانية تجتمع في نيروبي لتطوير رؤية وقف الحرب

أطفال سودانيون نزحوا مع عائلاتهم إلى ليبيا يتلقون درساً في مدرسة للاجئين في تاجوراء شمال طرابلس (أرشيفية - أ.ب)
أطفال سودانيون نزحوا مع عائلاتهم إلى ليبيا يتلقون درساً في مدرسة للاجئين في تاجوراء شمال طرابلس (أرشيفية - أ.ب)

تستعد قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة سودانية، الموقعة على «إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد»، غداً الجمعة، للقاء في العاصمة الكينية، نيروبي، لبدء جولة جديدة من المشاورات بشأن الاتفاق على إطار تنسيقي أوسع، يمهد الطريق لاحقاً لبناء جبهة موحدة لوقف الحرب في البلاد.

ويشارك في الاجتماعات رئيس وزراء السودان السابق، رئيس «تحالف صمود»، عبد الله حمدوك، ورئيس حزب «البعث العربي الاشتراكي»، على الريح السنهوري، وقائد «حركة تحرير السودان»، عبد الواحد النور، ورئيس المكتب التنفيذي لـ«التجمع الاتحادي»، بابكر فيصل، إلى جانب قيادات سياسية ومدنية.

ويناقش القادة المشاركون تطوير إعلان المبادئ الموقع في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وقالت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماعات يومي الجمعة والسبت، تبحث تطورات الأوضاع في البلاد، مع دخول الحرب عامها الرابع، وغياب أي أفق للحل، واصفة اللقاء بأنه أكبر تجمع رافض لاستمرار الحرب، بحضور قادة الأحزاب السياسية والحركات المسلحة وشخصيات قومية مستقلة.

وأضافت أن النقاشات ستركز على المواقف المشتركة تجاه وقف الحرب، عبر خريطة الطريق التي سبق وأن طرحتها دول «الرباعية»، الولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والإمارات، ومصر، في أغسطس (آب) الماضي.

وأشارت المصادر نفسها إلى أنه من المرجح أن تقدم القوى المشاركة عدداً من الأوراق بهدف تحديث «خريطة الطريق» و«إعلان المبادئ» المتفق عليهما سابقاً، والاستفاضة في بحث آلية للتنسيق المشترك.

عرض عسكري خلال تخريج عناصر من «قوات المقاومة الشعبية المسلحة» في ولاية القضارف شرق السودان في 20 مايو 2026 (أ.ف.ب)

وقالت إن المشاورات المرتقبة تمثل بداية للنقاش بشكل أوسع بشأن تشكيل الجبهة الوطنية الموحدة، المطروحة من قبل بعض القوى السياسية والفصائل المسلحة.

وأكدت المصادر الالتزام بما تم الاتفاق عليه في «إعلان المبادئ نيروبي»، في وقت سابق، مشيرة إلى أهمية الربط بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية في حزمة واحدة، تقود إلى الانتقال المدني الديمقراطي، مشترطة عدم مشاركة الأطراف المتحاربة في مرحلة ما بعد إيقاف الحرب.

وكانت القوى الموقِّعة على الإعلان، قد حضّت الأطراف المتحاربة على التنفيذ السريع لمقترح الهدنة الإنسانية لمدة 3 أشهر، وإيقاف فوري لإطلاق النار دون قيد أو شرط، والعمل على تطويره إلى وقف إطلاق نار دائم.

وشدد إعلان المبادئ، الذي جمع غالبية الأطراف السودانية الفاعلة في الساحة السياسية التي تناهض الحرب الدائرة منذ أبريل (نيسان) 2023، على أنه «لا حل عسكرياً للأزمة، ووقف الحرب فوراً يمثل أولوية وطنية قصوى»، مجدداً التأكيد على ممارسة مزيد من الضغوط على طرفَي الحرب، الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

ونص الاتفاق على أهمية الربط بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية في حزمة واحدة، تقود إلى الانتقال المدني الديمقراطي، واشتراط عدم مشاركة الأطراف المتحاربة في مرحلة ما بعد إيقاف الحرب.

ومن أبرز القوى التي وقعت إعلان المبادئ: حزب «الأمة القومي»، و«التجمع الاتحادي»، وحزب «المؤتمر» السوداني، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان» (التيار الثوري)، و«حركة جيش تحرير السودان»، وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، والتحالف الوطني السوداني، وتحالف القوى المدنية لشرق السودان.


الجيش الجزائري ينفّذ تمريناً بالذخيرة الحية يحاكي الواقع

الوزير المنتدب للدفاع أشرف على التمرين التكتيكي (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع أشرف على التمرين التكتيكي (وزارة الدفاع)
TT

الجيش الجزائري ينفّذ تمريناً بالذخيرة الحية يحاكي الواقع

الوزير المنتدب للدفاع أشرف على التمرين التكتيكي (وزارة الدفاع)
الوزير المنتدب للدفاع أشرف على التمرين التكتيكي (وزارة الدفاع)

نفَّذ الجيش الجزائري، الخميس، تمرينا تكتيكيا بالذخيرة الحية، نفَّذته وحدات اللواء السابع المدرع، مدعمة بوحدات من القوات الجوية والدفاع الجوي، وحراس الحدود ووحدات الإسناد اللوجستي.

وجرى التمرين الموسوم بـ«العهد 2026» على الميدان الخامس للرمي والمناورات بأمدوكال (ولاية باتنة) بالناحية العسكرية الخامسة شرقي الجزائر، وأشرف عليه الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش.

وتابع شنقريحة، رفقة قائد الناحية العسكرية الخامسة، من كثب مجريات التمرين، الذي تم تنفيذه في ظروف قريبة من الواقع، وفقاً للخطة الموضوعة، وتماشيـاً مع الأهــداف المسطرة، والمتمثلة أساساً في صقل مهارات القادة ورؤساء الأركان في مجال تحضير وتنظيم الأعمال القتالية والتنسيق بين مختلف القوات.

واستهدف التمرين، حسب بيان لوزارة الدفاع، إكساب القادة الميدانيين الخبرة في السيطرة على الوحدات، من خلال تعزيز الانسجام والتنسيق، والتعاون بين الوحدات والوحدات الفرعية، وتمكين الأطقم من التحكم في منظومات الأسلحة.

كما شهد تنفيذ وحدات من القوات الخاصة لعملية إبرار جوي تميزت بالدقة والسرعة. وأشارت وزارة الدفاع الجزائرية إلى أن هذا التمرين «أكد بصورة واضحة القدرة التي تتمتع بها الوحدات المشاركة في مجال التخطيط، والتحضير والتنفيذ الناجح للمهام المسندة؛ وهو ما يشكل نجاحاً آخر، وثمرة من ثمار التحكم الجيد للأطقم في مختلف الأسلحة والمعدات الحديثة ذات التكنولوجيا المتطورة».


ليبيا: تبرئة رجال القذافي تعيد التساؤل عن جدوى «ثورة فبراير»

السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)
السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)
TT

ليبيا: تبرئة رجال القذافي تعيد التساؤل عن جدوى «ثورة فبراير»

السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)
السنوسي يلتقي خارج محبسه وفداً من قبيلته في 24 ديسمبر 2024 (المجلس الاجتماعي بسوق الجمعة والنواحي الأربع)

طرحت براءة 31 من قيادات نظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي من تهمة «قمع متظاهرين» تساؤلات نشطاء وسياسيين حول جدوى «ثورة 17 فبراير» التي اندلعت عام 2011.

وكانت محكمة استئناف طرابلس قد قضت في 18 من مايو (أيار) الحالي ببراءة 31 من رجال القذافي، من بينهم عبد الله السنوسي رئيس جهاز الاستخبارات الأسبق، والبغدادي المحمودي، آخر رئيس وزراء قبل 2011، ومنصور ضوء، القائد السابق للحرس الشعبي، من تهمة قمع «متظاهري الثورة». كما قضت بـ«سقوط الجريمة» لسبب الوفاة عن سبعة أشخاص، من بينهم سيف الإسلام القذافي، وأبو زيد عمر دوردا، وعبد الحفيظ الزليطني، عن التهمة نفسها.

جانب من محاكمة رموز نظام القذافي أمام محكمة طرابلس عبر الدائرة التلفزيونية

واغتيل سيف الإسلام في 3 فبراير (شباط) الماضي، وحدّد النائب العام هوية ثلاثة متهمين بالتورط في قتله، لكنه لم يكشف عن أسمائهم حتى الآن. وفي نهاية فبراير 2022 توفي دوردا رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية في عهد القذافي، بعد صراع مع المرض في القاهرة عن عمر ناهز 78 عاماً.

وفي أعقاب إعلان المحكمة عن براءة أكبر عدد من رجال القذافي، في قضية قتل «ثوار» خرجوا على النظام آنذاك، سادت تساؤلات في أوساط «أنصار فبراير» عن «جدوى ثورتهم إذا لم تتمكن من محاكمة أنصار نظام أسقطته الجماهير؟». وزادوا من تساؤلاتهم عن «الجاني الحقيقي الذي فتح النار على المتظاهرين في الشوارع والميادين»، في وقت يُبرّأ فيه قيادات النظام السابق من التهمة.

وأمام هذه الغضبة، رد أحمد نشاد محامي السنوسي، وقال إن «الحكم عنوان الحقيقة؛ ولا مسؤولية جنائية على موكله عن (أحداث فبراير)؛ بل الحكم وسام وطنية (للسيد عبد الله) وشهادة بدفاعه عن وطنه».

تساؤلات حول جدوى (ثورة فبراير)

تعد قضية «قمع المتظاهرين» التي تأجلت عدة مرات من قبل، الأطول منذ سقوط نظام القذافي، لأسباب عدة، من بينها أن السنوسي مسجون في معتقل، كان خاضعاً حتى مطلع سبتمبر (أيلول) 2025، لـ«جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة ذي التوجه السلفي.

معمر القذافي (رويترز)

بموازاة ذلك، تداول نشطاء ليبيون صوراً ومقاطع فيديو، تزعم «تحريض» السنوسي (74 عاماً)، عديل معمر القذافي، على متظاهري (فبراير)، لكن أنصاره شككوا في ذلك.

وقال أكرم النجار، رئيس تحرير منصة «علاش» الليبية، ساخراً: «يبدو أن الذين سقطوا في (فبراير) لم يقتلهم أحد، الرصاص، على ما يبدو، كان يتجوّل وحده في الشوارع؛ والقناصة كانوا مجرد إشاعة اخترعها الناس تحت تأثير الخوف».

وفيما أضاف أن «السجون التي ابتلعت الشباب، والمقابر التي امتلأت بهم، ربما كانت هي الأخرى مجرد سوء إدارة للذاكرة»، أبدت صفحات مناوئة للنظام السابق على مواقع التواصل الاجتماعي غضبها. وقالت «أخبار غريان اليوم»: «إذا كان السنوسي بات بريئاً في نظر البعض، وإذا كانت الجرائم تُنسى بمجرد تغير المصالح والتحالفات، فالسؤال الآن: لماذا قامت (ثورة فبراير) من الأساس؟».

سيف القذافي محاطاً بعدد من مؤيديه ومؤيدي نظام والده في طرابلس في أغسطس 2011 (أ.ف.ب)

وأضافت: «هل خرج الليبيون للميادين وضحّوا بآلاف الشهداء والجرحى والمفقودين حتى نعود بعد سنوات لتلميع الوجوه نفسها، التي سبق أن حكمت بالنار والخوف والسجون؟».

ورفض نشاد في حديث إلى «الشرق الأوسط» أي اتهامات توجه لموكله بعد حكم براءته من «قمع متظاهري فبراير». ولا يزال الحكم قابلاً للطعن من قبل النيابة العامة، لكن نشاد قال إن «الطعن لا يعوق الإفراج عن موكلي؛ وإن شاء الله الفرج قريب».

وتأمل أسرة السنوسي وأنصاره في الإفراج عنه قريباً، ويعتقد الحقوقي ناصر الهواري إمكانية إطلاق سراحه قريباً، وقال عبر حسابه على «فيسبوك» إن «الحقد والكراهية لا يبنيان وطناً؛ نعم لخروج كل المعتقلين السياسيين وليس السنوسي فقط؛ تسامحوا تصالحوا... تصافحوا وكونوا عباد الله إخواناً».

تبرئة «جزئية»

تعد هذه التبرئة «جزئية» بالنسبة لبعض من رموز النظام السابق، من بينهم السنوسي، لكونه لا يزال يُحاكم في القضية المعروفة بـ«مذبحة سجن أبو سليم» في طرابلس، التي قُتل فيها نحو 1200 سجين عام 1996.

ودخل الصادق الغرياني، المفتي بغرب ليبيا، على خط الأزمة، ليحرّض على عدم إطلاق سراح رجال القذافي، وقال تعليقاً على حكم البراءة بحق السنوسي وسيف القذافي، عبر فضائية «التناصح»: «تبرئة هؤلاء بحجة أنهم كانوا (يطبقون القوانين السائدة) عذر باطل».

البغدادي المحمودي خلال مؤتمر صحافي في 2011 أرشيف (إ.ب.أ)

ورأى الغرياني أنه «حتى لو وُجد قانون يبيح قتل المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، فهو قانون جائر وظالم ولا يجوز الحكم به شرعاً، والحكم بناءً عليه يعد جوراً».

وفيما وُصِف بأنه «تحريض»، استحسن الغرياني الحكم السابق الصادر ضد سيف الإسلام والسنوسي في 2015 بالإعدام، وعدّ ذلك «عدلاً وصواباً»، زاعماً أن «المتهمين اعترفوا بجريمتهم؛ وأمروا بالقتل بالصوت والصورة؛ وفي الشرع يُقتص من الآمر بالقتل والمباشر له معاً».

وانتهى الغرياني داعياً إلى وجوب رفع هذا الحكم - الذي وصفه بـ«الباطل» - إلى المحكمة العليا لنقضه. وقال: «من يتساهل في إفلات المجرمين من العقاب ينله غضب الله، والدفاع عن القتلة في المحاكم هو إساءة لهم، ومضاعفة لأوزارهم في الآخرة».

منصور ضوء القائد السابق للحرس الشعبي بنظام القذافي (أنصاره على «فيسبوك»)

والسنوسي هو زوج شقيقة صفية فركاش، الزوجة الثانية للرئيس الراحل معمر القذافي، وكان ضمن دائرته المقربة طوال فترة حكمه، التي تجاوزت 42 عاماً، ولا يزال ملاحقاً من المحكمة الجنائية الدولية.

أما منصور ضوء، المودَع في سجن مصراتة العسكري غرب ليبيا، فكان آمراً لحرس القذافي برتبة عميد، وظل إلى جواره حتى اعتُقل معه في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، لكنه نجا من القتل، ومنذ ذلك الحين ينتظر تنفيذ حكم الإعدام بتهمة التنكيل بمتظاهري (ثورة 17 فبراير)، قبل أن تعلن المحكمة براءته.

وكانت وزيرة العدل بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، حليمة عبد الرحمن، قد أمرت في نهاية عام 2022 بالإفراج الصحي عن ضوء، لكن «جهاز الردع» لم يسمح له بمغادرة سجنه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended