تقرير: فرار مشتبه بالتجسس يسلّط الضوء على حرب الظل بين إسرائيل و«حزب الله»

لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

تقرير: فرار مشتبه بالتجسس يسلّط الضوء على حرب الظل بين إسرائيل و«حزب الله»

لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أ.ف.ب)
لقطة من فيديو وزَّعه الجيش الإسرائيلي في 27 أبريل 2026 قال إنه يظهر تدمير بنى تحتية لـ«حزب الله» جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في خضمّ التصعيد العسكري الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت خلال مارس (آذار) الماضي، وبينما كان السكان يفرّون في حالة من الذعر، وجد رجل واحد فرصة للهرب من مسارٍ بدا مرسوماً بدقة داخل واحدة من أكثر القضايا الأمنية حساسية في لبنان.

فوسط حالة الفوضى، تمكّن المشتبه به من الفرار من مكان احتجازه داخل خلية تابعة لـ«حزب الله»، قبل أن يشق طريقه نحو التلال المطلة على العاصمة، وصولاً إلى حيّ بعبدا الدبلوماسي، حيث تشير الروايات إلى أنه دخل إلى مبنى السفارة الأوكرانية، ليختفي بعدها تماماً من المشهد. وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

ومنذ ذلك الحين، لا يزال مكان وجوده مجهولاً، في قضية باتت تُوصف داخل الأوساط الأمنية اللبنانية بأنها جزء من لعبة استخباراتية مفتوحة، تتداخل فيها خيوط محلية وإقليمية ودولية، وسط تصاعد جهود «حزب الله» لتعقّب ما يصفه بشبكات تجسس يُعتقد أنها مرتبطة بإسرائيل.

ويُعرَف الرجل لدى السلطات اللبنانية باسم خالد العايدي، ويُقال إنه لاجئ فلسطيني من سوريا ويحمل الجنسية الأوكرانية أيضاً. وكانت الأجهزة الأمنية اللبنانية قد أوقفته سابقاً بتهم تتعلق بالانخراط في مخطط استخباراتي يُشتبه في ارتباطه بإسرائيل، قيل إنه كان يستهدف تنفيذ عمليات تفجير واغتيال داخل البلاد.

وبحسب مصادر قضائية وأمنية لبنانية رفيعة، فإن تفاصيل هروبه ومسار القضية أمام المحكمة العسكرية جرى تداولها ضمن دوائر ضيقة، مع الإشارة إلى أن مسؤولين سياسيين في «حزب الله» قد أوردوا بعض المعطيات المرتبطة بالقضية، في حين التزمت جهات رسمية أخرى الصمت.

ويكتسب اختفاء العايدي حساسية سياسية إضافية، إذ قد يفتح الباب أمام تداعيات داخلية على الحكومة اللبنانية، في حال ثبوت أي تسهيل أو تواطؤ في خروجه من البلاد، وهو ما قد ينعكس توتراً مع القاعدة الشعبية لـ«حزب الله»، في وقت تشهد فيه البلاد أصلاً مناخاً سياسياً بالغ التعقيد.

وفي موازاة ذلك، أشارت وثيقة رسمية لبنانية إلى أن السفارة الأوكرانية طلبت في مارس تسهيل مغادرته بعد فراره، إلا أن الأمن العام اللبناني رفض الطلب، مستنداً إلى مذكرة توقيف قضائية صادرة بحقه لاحقاً. ولم يصدر أي تعليق من الجانب الأوكراني أو جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) بشأن القضية.

وفي سياق متصل، نقل مسؤول أوكراني مطّلع أن العايدي لا يوجد داخل السفارة في بيروت، دون أن يؤكد أو ينفي ما إذا كانت كييف قد تدخلت في مسار خروجه، أو ما إذا كانت قد قدمت له أي دعم مباشر.

شبكات استخباراتية معقدة

وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد الحديث عن شبكات تجسس واسعة يعتقد أنها تعمل داخل لبنان لصالح إسرائيل، مستفيدة من وسائل بشرية وتقنيات مراقبة متطورة مكّنتها، وفق خبراء، من التغلغل في بيئات أمنية حساسة.

وتشير تقارير أمنية إلى أن إسرائيل نجحت خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ عمليات نوعية ضد «حزب الله»، من أبرزها اختراق سلسلة الإمداد الخاصة به، وإدخال أجهزة اتصال مفخخة جرى تفجيرها عن بُعد في سبتمبر (أيلول) 2024، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى. كما سبقت ذلك ضربات جوية استهدفت قيادات بارزة في الحزب.

ويرى خبراء أن تراكم هذه العمليات يعكس مستوى اختراق استخباراتي عميقاً داخل بنية الحزب، وهو ما أكده باحثون متخصصون في شؤون الجماعة، مشيرين إلى أن هذا الاختراق مكّن إسرائيل من استهداف شخصيات قيادية بقدر كبير من الدقة.

حملة مضادة داخل لبنان

في المقابل، كثّف «حزب الله» والسلطات اللبنانية خلال الفترة الأخيرة من حملات ملاحقة شبكات التجسس المشتبه بها، حيث أُدين العشرات في قضايا مرتبطة بالتعاون مع إسرائيل، فيما لا تزال ملفات أخرى قيد التحقيق أمام القضاء العسكري.

وتشير المعطيات القضائية إلى أن بعض المتهمين تلقوا مبالغ مالية متفاوتة مقابل تقديم معلومات حساسة عن مواقع ومرافق تابعة للحزب، في حين جرى تجنيد عدد منهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتبرز من بين القضايا المعروضة أمام القضاء ملف متهمين بارزين يُشتبه في تزويدهم جهات إسرائيلية بإحداثيات لمواقع تم استهدافها لاحقاً، ما زاد من حدة الجدل الداخلي حول حجم الاختراق الأمني.

اختفاء يزيد المشهد تعقيداً

وبينما تتضارب الروايات بشأن مصير العايدي، ترجّح مصادر أمنية لبنانية أنه غادر البلاد بالفعل، من دون تأكيد وجهته النهائية أو ما إذا كان قد انتقل إلى سوريا أو أي دولة أخرى.

ويأتي هذا التطور في وقت بالغ الحساسية، إذ تتقاطع فيه الخلافات السياسية بين الحكومة اللبنانية و«حزب الله» حول ملفات الحرب والتفاوض مع إسرائيل، ما يجعل من القضية مرشحاً إضافياً لتوسيع فجوة الانقسام الداخلي.

ويرى مراقبون أن أي كشف جديد في مسار القضية، سواء بتأكيد هروبه بمساعدة خارجية أو داخلياً، قد ينعكس مباشرة على المشهد السياسي والأمني في لبنان، ويزيد من تعقيد العلاقة بين الدولة والحزب في مرحلة شديدة التوتر.


مقالات ذات صلة

حراك عربي لترتيبات توقف إطلاق النار في لبنان

المشرق العربي من جلسة المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في مقر «الخارجية الأميركية» (أ.ف.ب)

حراك عربي لترتيبات توقف إطلاق النار في لبنان

يواكب حراك عربي مباحثات باكستان، لتعزيز فرص فرض اتفاق وقف إطلاق نار في لبنان، بعد دخول لبنان منطقة التجاذب بين إسرائيل و«حزب الله».

نذير رضا (بيروت)
خاص كتلة لهب ودخان تتصاعد من مبنى عقب غارة جوية إسرائيلية في صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

خاص التفاهم الأميركي - الإيراني لن ينهي الحرب بين إسرائيل و«حزب الله»

استبعد محللان أميركيان انتهاء الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في المستقبل المنظور، رغم اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوقيع على مذكرة تفاهم.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من موقع غارات إسرائيلية استهدفت مدينة النبطية في جنوب لبنان (أ.ف.ب) p-circle

«حزب الله»: الاتفاق بين أميركا وإيران سيشمل لبنان

قال سياسي كبير في «حزب الله»، الجمعة، إن الجماعة واثقة بأن إيران ستصر على إدراج لبنان في أي اتفاق مع الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد من جنوب لبنان بعد غارة إسرائيلية كما يظهر من مرجعيون 12 يونيو 2026 (رويترز) p-circle

الجيش الإسرائيلي يستهدف بلدات في جنوب لبنان

شن الطيران الحربي الإسرائيلي، بعد ظهر الجمعة، غارة استهدفت بلدة مجدل زون في جنوب لبنان. كما أغار صباح الجمعة على بلدتي قلاويه والبياض في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي علم للجيش الإسرائيلي على أنقاض مبانٍ مدمرة في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

إسرائيل تتقدم في جنوب لبنان نحو آخر مرتفعات النبطية والجليل

أحرز الجيش الإسرائيلي تقدماً جديداً في محيط مدينة النبطية في جنوب لبنان، في مسعى للوصول إلى مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية التي واظب على قصفها بعشرات الغارات

نذير رضا (بيروت)

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار بإخلاء 20 بلدة

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية على مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية على مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (د.ب.أ)
TT

غارات إسرائيلية على جنوب لبنان بعد إنذار بإخلاء 20 بلدة

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية على مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (د.ب.أ)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية على مدينة صور الساحلية جنوب لبنان (د.ب.أ)

أفاد الإعلام الرسمي اللبناني بأن اسرائيل شنت السبت، سلسلة غارات على جنوب لبنان بعدما وجه جيشها إنذار إخلاء لسكان عشرين بلدة بينها مدينة النبطية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» أن الغارات استهدفت بلدات عدة بينها كفرحونة والريحان وسجد، علما أن البلدتين الأخيرتين تقعان على مسافة غير بعيدة من النبطية.

وقتل شخص اليوم، مع استمرار الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان. ووفق «الوكالة الوطنية للاعلام»، «استهدفت مسيرة معادية جبانة بلدة معركة بغارة، ما أدى إلى سقوط شهيد»، مشيرة إلى أن «الطيران الحربي المعادي نفذ ليل أمس ثلاث غارات على بلدة دير الزهراني في قضاء النبطية».

ولفتت الوكالة أن «قوات الاحتلال الإسرائيلي أقدمت فجراً، على نسف منازل ومؤسسات رسمية في مدينة بنت جبيل»، كاشفة عن عدوان إسرائيلي مدفعي استهدف بلدة صريفا في قضاء صور.

وتزامن ذلك مع تهديد إسرئيلي عاجل إلى السكان في 20 بلدة وقرية في جنوب لبنان، حيث طالب الجيش الإسرائيلي بإخلاء بلدات وقرى دير الزهراني، والنميرية، والشرقية، والدوير، وحاروف،وحبوش، وکفر جوز، و زبدين (النبطية)، والنبطية التحتا، و النبطية الفوقا، وکفر رمان، والمحمودية، وسجد (جزين)، وريحان، وعرمتى، وكفرحونة، ومليخ، واللويزة (جزين)، وجرجوع، وعربصاليم.

وتتواصل الغارات الإسرائيلية على مناطق واسعة في جنوب لبنان منذ الإعلان الأول لوقف إطلاق النار في 16 أبريل (نيسان) الماضي ، ومن ثم تمديده مرتين.

وعقب انتهاء الجولة الرابعة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، التي عقدت قبل أسبوع، أعلن بيان صادر عن لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل اتفاق «إسرائيل ولبنان على تنفيذ وقف لإطلاق النار».


حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
TT

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)

انطلق حراك عربي لمساندة لبنان في اتصالاته الداخلية والخارجية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع المباحثات الأميركية - الإيرانية، الساعية للتوصل إليه، في وقت يمضي لبنان باستعداداته للمشاركة في الجولة الجديدة من المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن، ويُصرّ فيها على وقف إطلاق النار.

وقالت مصادر لبنانية إن هناك حراكاً عربياً صديقاً للبنان نشط خلال اليومين الماضيين، ويعمل على ترتيب موقف يُساعد في المفاوضات، لافتةً إلى أن التوصل إلى هذا الموقف «سيُمهّد للقاء ثلاثي، يجمع رؤساء؛ الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، لإجراء تقييم للوضع والمضي في خطة تبدأ من تطبيق وقف إطلاق النار، وتنفيذ مرحلة ما بعده». وقالت المصادر إن الحراك «يعمل على محاورعدة، تبدأ من تنفيذ وقف لإطلاق النار، تليها خطوات أخرى مثل انسحابات من الجهتين، ودخول الجيش اللبناني، وتسليم سلاح (حزب الله)»، وتضمن عودة السكان والاستقرار في الجنوب.

وبدا أن تعنّت إسرائيل وإصرار «حزب الله» على شروطه يعرقلان وقف النار. وقالت المصادر إن الجانب الإسرائيلي «متعنّت، ولم يقدم ما يدفع التفاوض إلى الأمام»، في إشارة إلى إصراره على ربط أي خطوة بنزع سلاح «حزب الله» بشكل مسبق. أما من جهة «حزب الله»، فإنه أبلغ الوسطاء بأنه لن يقدم أي أجوبة قبل وقف إطلاق نار شامل وكامل على الأراضي اللبنانية.


اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
TT

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)

منذ «إعلان نيويورك»، الذي صدر قبل عام وحظي بتبنّي 142 دولة وطرح خطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، شهدت جهود تأسيس دولة فلسطينية جموداً جرّاء التطورات الإقليمية والممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وجمعت باريس، أمس، عشرات جمعيات المجتمع المدني من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، من أجل إعادة الملف إلى دائرة التداول، والاستفادة من انعقاد قمة «مجموعة السبع» التي تترأسها فرنسا للعام الحالي في مدينة إيفيان - لي - بان.

وصدر عن اجتماع باريس، الذي شارك فيه 15 وزير خارجية وعشرات الدبلوماسيين وبحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ولكن بمقاطعة إسرائيلية وأميركية، «دعوة عمل» موجهة بالدرجة الأولى لقمة «مجموعة السبع»، فضلاً عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل. ورغم صعوبة الوضع الإقليمي، فإن اجتماع باريس الذي ضم العشرات من الناشطين يبقى مفيداً أقله من خلال إعادة وضع الملف الفلسطيني على جدول التداولات الدولية.