البلدات السنية والدرزية في جنوب لبنان... صمود على حافة الإنهاك

تهجير جزئي وتقييد للحركة... وتهديدات أمنية متواصلة

آليات تابعة لقوات «اليونيفيل» تتجه نحو منطقة كفرشوبا في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
آليات تابعة لقوات «اليونيفيل» تتجه نحو منطقة كفرشوبا في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

البلدات السنية والدرزية في جنوب لبنان... صمود على حافة الإنهاك

آليات تابعة لقوات «اليونيفيل» تتجه نحو منطقة كفرشوبا في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
آليات تابعة لقوات «اليونيفيل» تتجه نحو منطقة كفرشوبا في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

رغم أن البلدات ذات الغالبية السنية والدرزية في جنوب لبنان بقيت إلى حد كبير خارج دائرة المواجهة المباشرة التي طالت معظم القرى الشيعية الحدودية، فإن تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة لم تستثنها. فبين التهجير الجزئي، وتقييد الحركة، وخسارة مصادر الرزق، والتهديدات الأمنية المتواصلة... يعيش سكان هذه المناطق حالة من الصمود الممزوج بالاستنزاف، في حين يتمسكون بالبقاء في أرضهم رغم الظروف القاسية.

ويشبه واقع سكان تلك القرى، إلى حد كبير، واقع القرى والبلدات المسيحية، بخلاف أن هذه الأخيرة، وبالتحديد تلك الواقعة في بنت جبيل، تتعرض لحصار تام وانقطاع كلي للطرق نتيجة وقوعها داخل «الخط الأصفر» الإسرائيلي الذي تم تحويل كل ما هو ضمنه إلى منطقة عسكرية.

قوات من الجيش الإسرائيلي تقوم بدورية في قرية كفرشوبا بجنوب لبنان يوم 17 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

فقضاء مرجعيون مثلاً، الذي يضم 32 بلدة وقرية معظمها ذات غالبية شيعية، فيه خمس قرى مسيحية وقريتان سنيتان هما الوزاني وعين عرب. وبحسب مصادر ميدانية، فقد تعرضت القريتان لعمليات تهجير خلال الحرب الأخيرة، كما سبق أن حصل خلال الحرب الماضية، شأنهما شأن عدد من البلدات الحدودية الأخرى.

أما قضاء حاصبيا، فتغلب فيه البلدات الدرزية إلى جانب بعض القرى المسيحية وقرى العرقوب السنية التي تضم شبعا وكفرشوبا وكفرحمام وحلتا والهبارية وغيرها. وتقول مصادر محلية إن هذه القرى تلقت، مع اندلاع الحرب الأخيرة، تهديدات بأنها ستكون عرضة للاستهداف في حال إيوائها منتمين لـ«حزب الله». وقد دفع ذلك السلطات المحلية والفعاليات الأهلية إلى اعتماد إجراءات هدفت إلى تحييد المنطقة عن المواجهات.

وكان الجيش الإسرائيلي اعتقل الأربعاء عضو مجلس بلدية كفرشوبا محمد حسن الحاج، والعامل أحمد صلاح دياب، أثناء قيامهما بأعمال ضخّ المياه إلى بلدة كفرشوبا، قبل أن يطلق سراحهما بعد ساعات.

آثار قصف إسرائيلي على تلال كفرشوبا (أ.ف.ب)

كيف تنقسم القرى؟

ويشير الباحث محمد شمس الدين إلى وجود واقعين مختلفين داخل المناطق غير الشيعية في الجنوب، وبالتحديد تلك الدرزية والسنية. ويوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البلدات الدرزية في حاصبيا بقيت إلى حد كبير محيدة عن الصراع ولم تتعرض لاستهداف مباشر، في حين تنقسم المناطق السنية إلى فئتين: الأولى تقع في القطاع الغربي القريب من صور، وتشمل مروحين والضهيرة والبستان ويارين، وقد تعرضت لدمار واسع وتهجير شبه كامل لسكانها؛ والثانية تقع في منطقة العرقوب، وتضم الهبارية وكفرشوبا وشبعا، وهي مناطق بقيت خارج دائرة الاستهداف المباشر ولم تشهد عمليات تهجير واسعة.

وفي السياق نفسه، فقد تعرضت بلدتا الماري وإبل السقي، الواقعتان على تخوم «الخط الأصفر» الذي أعلنته إسرائيل في المنطقة الحدودية، لقصف متقطع خلال فترات التصعيد، ما دفع عدداً كبيراً من سكانهما إلى المغادرة مؤقتاً، خصوصاً خلال المعارك العنيفة التي شهدتها بلدة الخيام، قبل أن يعود معظمهم مع تراجع حدة المواجهات.

لافتة تشير إلى اتجاه مزارع شبعا على الحدود بين لبنان وإسرائيل وسوريا (المركزية)

عيش واحد

ويرفض النائب قاسم هاشم، ابن هذه المنطقة، مقاربة الواقع الجنوبي من زاوية الانتماءات الطائفية، مؤكداً أن «أهالي الجنوب لم يعيشوا يوماً وفق تصنيف مذهبي للقرى والبلدات، وما يصيب مكوناً يصيب الجميع». ويضيف: «في منطقتَي مرجعيون وحاصبيا لا نتحدث عن عيش مشترك، بل عن عيش واحد، والشهداء الذين سقطوا ينتمون إلى مختلف المكونات».

ويشدد هاشم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أن سكان هذه المناطق ما زالوا متمسكين بقراهم رغم القصف وسقوط الضحايا والتضييق المستمر، مشيراً إلى أن القرى الشيعية نالت الحصة الكبرى من الدمار، لكن مختلف القرى عانت بدرجات متفاوتة. ويلفت إلى أن بعض العائلات اضطرت إلى المغادرة، في حين تستمر المساعدات الإنسانية بالوصول بدعم من جهات عدة، وفي مقدمتها مجلس الجنوب.

تحديات من نوع آخر

غير أن التحديات اليومية تتجاوز الجانب الأمني؛ إذ يوضح الدكتور قاسم القادري، رئيس اتحاد بلديات العرقوب ورئيس بلدية كفرشوبا، أن توسيع المنطقة التي يُمنع الوصول إليها (منطقة الخط الأصفر) أدى إلى خسارة الأهالي جزءاً كبيراً من أراضيهم الزراعية ومصادر رزقهم، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تم قضم مساحات واسعة من الأراضي، وأصبحنا ممنوعين من الوصول إلى نحو 90 في المائة من أراضينا. حتى إصلاح الآبار وشبكات المياه يحتاج إلى موافقات يصعب الحصول عليها».

عناصر من الصليب الأحمر اللبناني يتفقدون حطام سيارة استهدفتها طائرة مسيّرة إسرائيلية ببلدة شبعا في نوفمبر 2025 (أرشيفية - إ.ب.أ)

ويشير القادري إلى أن الضغوط لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تشمل أيضاً ممارسات ميدانية متكررة من تفتيش للمنازل، وتقييد للحركة، وعمليات خطف وضرب واحتجاز لبعض المدنيين.

ورغم كل هذه التحديات، لا يزال معظم سكان قرى العرقوب متمسكين بالبقاء في أرضهم. ويؤكد القادري أن أكثر من 90 في المائة من الأهالي ما زالوا في بلداتهم، بعدما توافقوا منذ بداية الحرب على منع أي مظاهر مسلحة داخل القرى، والعمل على تحييدها قدر الإمكان عن الصراع. ويضيف: «نحن نتلقى مساعدات غذائية، لكن السكان بحاجة لكل أنواع المساعدات الأخرى نتيجة الوضع المعيشي الصعب».

وبالتالي، فإن هذا الصمود، وإن نجح حتى الآن في منع موجات نزوح واسعة كالتي شهدتها مناطق حدودية أخرى، بات يواجه اختباراً صعباً مع استمرار القيود الأمنية، وتراجع الموارد الاقتصادية والخدمات الأساسية، ما يجعل البلدات السنية والدرزية في الجنوب تعيش حالة صمود مستمرة، وإن كانت على حافة الإنهاك.


مقالات ذات صلة

تعاون أمني سعودي لبناني يُحبط تهريب نحو 4 ملايين قرص مخدّر

الخليج التعاون الأمني بين المملكة ولبنان أسهم في متابعة وضبط المواد المخدرة («الداخلية» السعودية)

تعاون أمني سعودي لبناني يُحبط تهريب نحو 4 ملايين قرص مخدّر

أسهمت معلومات قدمتها وزارة الداخلية السعودية ممثلة بـ«مديرية مكافحة المخدرات» في إحباط السّلطات اللبنانية محاولة تهريب نحو 3 ملايين و900 ألف قرص إمفيتامين مخدر.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي من جلسة المفاوضات الثنائية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في مقر «الخارجية الأميركية» (أ.ف.ب)

حراك عربي لترتيبات توقف إطلاق النار في لبنان

يواكب حراك عربي مباحثات باكستان، لتعزيز فرص فرض اتفاق وقف إطلاق نار في لبنان، بعد دخول لبنان منطقة التجاذب بين إسرائيل و«حزب الله».

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (سانا)

الشرع: نسعى لوقف الحرب في لبنان لا الانخراط فيها

مصادر سورية: «دمشق تعد نفسها ذات مواقف واضحة وصريحة وجادة، تتمثل في ضبط الحدود، وقطع طرق التهريب، والتنسيق عالي المستوى مع الحكومة اللبنانية».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (د.ب.أ) p-circle

مصادر: الشرع يؤكد أن لا نية لسوريا للدخول إلى لبنان

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع، أمام زوّاره، أنّ لا نية لدمشق للدخول إلى لبنان، معتبراً أن ما يُتداول بهذا الشأن لا يعدو كونه شائعات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عناصر من البعثة الفرنسية في «يونيفيل» يفككون راجمة صواريخ تابعة لـ«حزب الله» في وادي السلوقي بجنوب لبنان (أرشيفية - أ.ب)

إسرائيل تعلن «السيطرة العملياتية» على وادي السلوقي... وخبراء يشرحون أبعادها العسكرية

أعاد إعلان الجيش الإسرائيلي «السيطرة العملياتية» على منطقة وادي السلوقي في جنوب لبنان تسليط الضوء على أحد أكثر المواقع حساسية في القطاع الأوسط.

صبحي أمهز (بيروت)

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
TT

حراك عربي يساند لبنان لوقف النار

ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)
ركام خلّفته ضربة جوية إسرائيلية على مبنى في برج الشمالي قرب مدينة صور، أمس (أ.ب)

انطلق حراك عربي لمساندة لبنان في اتصالاته الداخلية والخارجية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بالتزامن مع المباحثات الأميركية - الإيرانية، الساعية للتوصل إليه، في وقت يمضي لبنان باستعداداته للمشاركة في الجولة الجديدة من المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن، ويُصرّ فيها على وقف إطلاق النار.

وقالت مصادر لبنانية إن هناك حراكاً عربياً صديقاً للبنان نشط خلال اليومين الماضيين، ويعمل على ترتيب موقف يُساعد في المفاوضات، لافتةً إلى أن التوصل إلى هذا الموقف «سيُمهّد للقاء ثلاثي، يجمع رؤساء؛ الجمهورية جوزيف عون، والبرلمان نبيه بري، والحكومة نواف سلام، لإجراء تقييم للوضع والمضي في خطة تبدأ من تطبيق وقف إطلاق النار، وتنفيذ مرحلة ما بعده». وقالت المصادر إن الحراك «يعمل على محاورعدة، تبدأ من تنفيذ وقف لإطلاق النار، تليها خطوات أخرى مثل انسحابات من الجهتين، ودخول الجيش اللبناني، وتسليم سلاح (حزب الله)»، وتضمن عودة السكان والاستقرار في الجنوب.

وبدا أن تعنّت إسرائيل وإصرار «حزب الله» على شروطه يعرقلان وقف النار. وقالت المصادر إن الجانب الإسرائيلي «متعنّت، ولم يقدم ما يدفع التفاوض إلى الأمام»، في إشارة إلى إصراره على ربط أي خطوة بنزع سلاح «حزب الله» بشكل مسبق. أما من جهة «حزب الله»، فإنه أبلغ الوسطاء بأنه لن يقدم أي أجوبة قبل وقف إطلاق نار شامل وكامل على الأراضي اللبنانية.


اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
TT

اجتماع في باريس يحشد لـ «حل الدولتين»

مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)
مشاركون في اجتماع دعم "حل الدولتين" في باريس أمس (رويترز)

منذ «إعلان نيويورك»، الذي صدر قبل عام وحظي بتبنّي 142 دولة وطرح خطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، شهدت جهود تأسيس دولة فلسطينية جموداً جرّاء التطورات الإقليمية والممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية.

وجمعت باريس، أمس، عشرات جمعيات المجتمع المدني من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، من أجل إعادة الملف إلى دائرة التداول، والاستفادة من انعقاد قمة «مجموعة السبع» التي تترأسها فرنسا للعام الحالي في مدينة إيفيان - لي - بان.

وصدر عن اجتماع باريس، الذي شارك فيه 15 وزير خارجية وعشرات الدبلوماسيين وبحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ولكن بمقاطعة إسرائيلية وأميركية، «دعوة عمل» موجهة بالدرجة الأولى لقمة «مجموعة السبع»، فضلاً عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل. ورغم صعوبة الوضع الإقليمي، فإن اجتماع باريس الذي ضم العشرات من الناشطين يبقى مفيداً أقله من خلال إعادة وضع الملف الفلسطيني على جدول التداولات الدولية.


اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
TT

اتهامات لـ«قسد» بالاعتداءات على حواجز الأمن في محيط «عين العرب» السورية

من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)
من الاعتقالات التي تلت الهجوم قرب عين العرب (سانا)

تتصاعد منذ ثلاثة أيام عمليات استهداف حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية في محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب شمال سوريا، وتوجه الاتهامات لما تعرف بـ«الشبيبة الثورية» التابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد).

وبينما عدّ أحد شيوخ القبائل العربية في الحسكة هذه الممارسات أنها تهدف إلى «الضغط على الحكومة السورية لتقديم مزيد من التنازلات» في عملية تنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الماضي، رأى مسؤول في «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، أن تلك الاعتداءات تندرج في إطار التصرفات «الفردية».

وشهد محيط مدينة عين العرب (كوباني) شرق حلب في اليومين الماضيين توتراً أمنياً، على أثر سلسلة هجمات ضد حواجز قوى الأمن الداخلي الحكومية.

تعزيزات قوى الأمن الداخلي في محيط عين العرب (سانا)

وأفاد «تلفزيون سوريا»، بأن مجهولين استهدفوا، مساء الخميس، حاجزاً تابعاً لقوى الأمن الداخلي بقذائف «آر بي جي» قرب دوار جب الفرج في ناحية الشيوخ بمحيط مدينة عين العرب، دفعت على أثره قوى الأمن الداخلي بتعزيزات إلى المنطقة، وبدأت عمليات تمشيط وانتشار واسع بحثاً عن منفذي الهجوم، في حين لم ترد معلومات فورية عن وقوع إصابات أو حجم الأضرار الناجمة عن الاستهداف.

وسبق أن شهدت قريتا العونية وأشمة بريف عين العرب الغربي، الأربعاء الماضي، توتراً أمنياً، على أثر استهداف مجموعة مسلحة عدداً من المدنيين، تبعه مهاجمة أحد الحواجز الأمنية... وقد تعاملت قوى الأمن الداخلي مع الاعتداء، ونجحت في إحباط الهجوم والسيطرة التامة على الموقف، ونفذت حملة أمنية لتعقب المتورطين.

وأوضحت وزارة الداخلية السورية، في بيان، أن «قوى الأمن الداخلي ألقت القبض على 20 متورطاً في هذه الأعمال الخارجة عن القانون، وأعادت الهدوء والأمان إلى المنطقة، مع استمرار ملاحقة بقية الفارين لتقديمهم إلى العدالة».

قوى الأمن الداخلي قرب عين العرب (سانا)

وأكدت أن «أي اعتداء يطول أي مؤسسة من مؤسسات الدولة، أو أي تصرف يخرج عن إطار القانون، يُعدّ اعتداءً على الدولة السورية. وستتعامل بأقصى درجات الحزم مع كل متجاوز، ولن تتهاون في اتخاذ الإجراءات الصارمة اللازمة لحماية مؤسسات الدولة وأمن المواطنين».

تلك التطورات تتزامن مع مواصلة الحكومة السورية و«قسد» تنفيذ اتفاق 29 يناير الماضي، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» الكردية بالحكومة السورية.

مضر حماد الأسعد أحد شيوخ القبائل العربية في محافظة الحسكة، رأى أن تنفيذ الاتفاق «يسير بشكل بطيء جداً بالنسبة للملفات التي تهم الحكومة السورية، في حين يسير بشكل سريع جداً بالنسبة للقضايا التي تهم الإدارة الذاتية الكردية». وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن عودة المهجرين الكرد والعرب التابعين لـ«قسد» إلى مدنهم مثال، على ذلك.

وفي إطار تنفيذ بنود اتفاق الدمج، عادت الأربعاء الدفعة الثامنة الأخيرة من مهجري عفرين (نحو 1300 عائلة)، إلى مناطقهم الأصلية. وذكر الأسعد، أن «دفعات الأهالي العائدين دخل ضمنها عناصر متطرفة من قسد و حزب العمال الكردستاني والشبيبة الثورية التابعة لقسد».

ناحية عين العرب (كوباني) بريف حلب (سانا)

واتهم الأسعد، تلك العناصر «بتنفيذ الاعتداءات على المواقع والحواجز الأمنية الحكومية في عين العرب وعفرين وبقية المناطق التي عادوا إليها، وقد حصل ذلك عشرات المرات، بهدف الضغط على الحكومة السورية للحصول على تنازلات إضافية منها في عملية الدمج».

وبحسب التصريحات الرسمية، تقدم نحو 9 آلاف من عناصر «قسد» بطلبات للانضمام إلى قوى الأمن الداخلي، وذلك في إطار تنفيذ اتفاق 29 يناير. وقال الأسعد: «نحن أبناء العرب نرفض انضمام هذا العدد الكبير من قسد إلى قوى الأمن الداخلي »، محذراً من أن «المنطقة مقبلة على بركان سينفجر في اللحظة المناسبة وستتم محاسبة كل من ارتكب جرائم بحق الشعب السوري».

وشهدت عدة مناطق في شمال سوريا في الأيام الماضية، مظاهرات ضد «قسد» و«الشبيبة الثورية». وأوضح الأسعد، أن «العشائر العربية تريد من الحكومة الوقوف بوجه قسد، ومنع السيطرة تحت اسمها على محافظة الحسكة».

واتهم الأسعد «قسد» و«الشبيبة الثورية» بعرقلة تنفيذ اتفاق الدمج. وقال:«80 في المائة من الدوائر الرسمية لم يتم افتتاحها ولم تسلم للحكومة لأن قسد ترفض ذلك... بينما عندما أرادت الاندماج مع قوى الأمن الداخلي، قدمت الآلاف من عناصرها وبخاصة من عناصر (الشبيبة الثورية) لإعطائهم الشرعية الحكومية».

عناصر من «قسد» يصطفون لتسوية أوضاعهم مع الحكومة السورية في الرقة خلال يناير الماضي (رويترز)

وأكد الأسعد أن أبناء القبائل والعشائر العربية «ضد الحرب ونريد الأمن والأمان والاستقرار والازدهار وأن يعيش الجميع تحت كنف الحكومة والعمل يداً بيد، ولكن يبدو أن (الشبيبة الثورية) وقيادة (قسد) القنديلية لا يريدون ذلك، ويريدون الحصول على مكاسب شخصية وهذا ما يحصل على أرض الواقع».

في المقابل، عدّ «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، وهو بمثابة الواجهة السياسية لـ«الإدارة الذاتية» الكردية، ما يحدث من اعتداءات على مواقع وحواجز قوى الأمن الداخلي في مناطق تنتشر فيها «قسد» و«الشبيبة الثورية» في شمال سوريا، يندرج في إطار تصرفات «فردية».

وقال عضو علاقات «مسد» باقي حمزة لـ«الشرق الأوسط»:«ما يحصل هو تصرفات فردية وليست ضمن المخطط العام. (مسد) مع اتفاق 29 يناير الذي يجب أن يستمر».

وأشار إلى أن «عملية تنفيذ الاتفاق التي تسير ببطء تمر بتحديات وعوائق وتدخلات خارجية لإبطال هذا الاتفاق، ولكن هناك إرادة بأن يٌنفذ الاتفاق رغم الصعوبات والتجاوزات».

من أحد الاجتماعات السابقة في دمشق مع قيادة «قسد» (سانا)

وشدد حمزة على أنه «لا يمكن الرجوع عن تنفيذ اتفاق الدمج لأن البديل عن ذلك الحرب»، لافتاً إلى أنه «يجب أن تكون هناك عملية بناء ثقة تبدأ أولاً من خلال تقديم الخدمات والعمل على السلم الأهلي، من أجل أن تبدأ الخطوة التالية المتمثلة بدمج مؤسسات الإدارة الذاتية بالحكومة».

وسألت «الشرق الأوسط»: «ألا يمكن لـ(قسد) وضع حد لهذه الاعتداءات؟». فأجاب حمزة: «قسد تقوم حالياً بعملية الاندماج والأسايش (قوى الأمن الداخلي الكردية) تريد الاندماج ولكن العملية لم تكتمل وهناك تنافس... الإرادة لدى شمال سوريا أن يتم الاندماج وعدم حصول هذه التصرفات».