مخاوف أردنية من تداعيات الهجمات الإسرائيلية على إيران

نخب سياسية ترجح مفاوضات النووي «تحت النار»

طائرات «إف 16» تتبع سلاح الجو الأردني (أرشيفية - صفحة الجيش الأردني على فيسبوك)
طائرات «إف 16» تتبع سلاح الجو الأردني (أرشيفية - صفحة الجيش الأردني على فيسبوك)
TT

مخاوف أردنية من تداعيات الهجمات الإسرائيلية على إيران

طائرات «إف 16» تتبع سلاح الجو الأردني (أرشيفية - صفحة الجيش الأردني على فيسبوك)
طائرات «إف 16» تتبع سلاح الجو الأردني (أرشيفية - صفحة الجيش الأردني على فيسبوك)

أيقظت صفارات إنذار الأردنيين، صباح الجمعة، مع بدء السلطات الأمنية والعسكرية في المملكة التعامل مع مسيّرات إيرانية اخترقت الأجواء وكانت في طريقها إلى إسرائيل، في حين طرحت دوائر سياسية أسئلة عن بلوغ الهجمات أهدافاً أكبر في إيران، وتداعيات ذلك في المنطقة.

وتعامل سلاح الجو الملكي التابع للقوات المسلحة الأردنية ضمن حدود اختصاصاته الدفاعية. وكان مصدر عسكري مسؤول في القيادة العامة للقوات المسلحة الأردنية، الجيش العربي، قال إن «طائرات سلاح الجو الملكي وأنظمة الدفاع الجوي اعترضت عدداً من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي دخلت المجال الجوي الأردني».

وتعمل طائرات السلاح الملكي «وفق درجة عالية من الجاهزية لحماية سماء المملكة والحفاظ على أمن وسلامة الوطن والمواطنين»، وفق المصدر الذي أشار أيضاً إلى أن «الاعتراض جاء استجابة لتقديرات عسكرية بحتمية سقوط صواريخ وطائرات مسيّرة في الأراضي الأردنية، ومنها مناطق مأهولة بالسكان، ما قد يتسبب بخسائر».

وأكد المصدر أن القوات المسلحة الأردنية تعمل على مدار الساعة لحماية حدود الوطن براً وبحراً وجواً، ولن تسمح بانتهاك المجال الجوي الأردني تحت أي ظرف، مهيباً بالمواطنين «عدم تناقل شائعات وروايات من شأنها إثارة الهلع والفوضى، وضرورة تلقي المعلومات من مصادرها الرسمية».

وحثّت مديرية الأمن العام المواطنين على عدم التجمهر في الشوارع أو الاقتراب من أي أجسام ساقطة أو التعامل معها لحين وصول الفرق المختصة.

وبيّنت أنه في حال نشوب حريق أو حدوث خسائر مادية أو بشرية جرّاء الحطام المتساقط، يجب تحديد الأماكن بدقة من خلال الاتصال على الرقم 911، لضمان السلامة العامة.

من جانبها، نشرت السفارة الأميركية في الأردن «رسالة إنذار أمني» لرعاياها في جميع أنحاء البلاد، قائلة إن «لديها مؤشرات لوجود صواريخ أو طائرات مسيّرة تحلق فوق الأجواء الأردنية». وطلبت «الحفاظ على أقصى قدر من الوعي، وفي حالة وقوع مثل هذا الحادث، البحث عن غطاء علوي ومأوى حتى إشعار آخر، والبقاء في الداخل وعدم التعرض لسقوط الحطام».

وزادت السفارة أنه بـ«سبب التوترات المرتفعة في المنطقة، لا تزال البيئة الأمنية معقّدة ويمكن أن تتغير بسرعة. نذكّر المواطنين الأميركيين باستمرار الحاجة إلى توخي الحذر، ونشجعهم على مراقبة الأخبار للتطورات العاجلة».

وبينما كان سكان الأردن يتمتعون بإجازة يوم الجمعة، دعت مديرية الأمن العام المواطنين إلى الاستجابة للإرشادات الصادرة عن الجهات المختصة في ظل التصعيد العسكري في المنطقة.

علم الأردن في العاصمة عمان (أ.ف.ب)

الأردن لن يكون ساحة حرب

في الأثناء، أكد وزير الإعلام الأردني الناطق الرسمي باسم الحكومة، محمد المومني، أن المملكة «لم ولن تسمح باختراق أجوائها، ولن تكون ساحة حرب لأي صراع»، مشدّداً في الوقت نفسه على أن «أمن الوطن خط أحمر، وأنه لن يُسمح بتعريض أمن المملكة وسلامتها وسلامة مواطنيها للخطر».

ودعا المومني، في بيان صحافي، المجتمع الدولي إلى الضغط على الأطراف المعنية من أجل التهدئة ومنع التصعيد، محذّراً من تداول مقاطع مصوّرة مضللة أو معلومات مغلوطة، داعياً الجميع إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية.

وقبل الضربات الإسرائيلية، سيطرت عناوين إخبارية على الفضاء العام، لا سيما إخلاء أميركا لمواطنيها في دول بالشرق الأوسط، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يعد واثقاً من إمكانية إبرام صفقة مع إيران، إلى جانب أن رئيس الحكومة الإسرائيلية سيتعجل الهجوم على طهران لتنفيس ضغوط داخلية سببها العمل على حل «الكنيست» وبالتالي تهديد حكومته.

وشجعت هذه الأخبار ساسة في الأردن على ترجيح قرب موعد الضربة لقدرات طهران العسكرية، لكن تقديرات هؤلاء كانت تفيد بأن واشنطن وتل أبيب قد تلجآن إلى «تقاسم الأدوار وظيفياً»؛ إذ تتولى إسرائيل الهجوم على طهران عسكرياً، بينما تتحكم فيه الولايات المتحدة بأوراق التفاوض «تحت النار».

وتُدرك إيران، بحسب تقديرات أردنية، أن التنازل عن أي نسب تتعلق بتخصيب اليورانيوم في مشروعها النووي، سيكون متبوعاً بتنازلات أخرى استراتيجية عسكرية وسياسية من جانبها. في وقت لا تستطيع فيه طهران تقديم تنازلات استراتيجية، مما يدفعها مكرهة لقبول التحدي العسكري الإسرائيلي.

وأمام ذلك التقدير، فإن أميركا تجد بـ«التفاوض تحت النار» مع طهران «فرصة» لدفعها نحو «التخلي عن مشروعها النووي» الذي تعارضه تل أبيب بشدة.

وبعد إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية «إدانتها لإيران وعدم امتثالها للالتزامات المترتبة، وأن برنامجها النووي ليس مدنياً»، فقد منح هذا الإعلان «رخصة الحرب التي تريدها إسرائيل من واشنطن»، وفق التقديرات.

دورية للجيش الأردني عند نقطة حدودية (أرشيفية - أ.ف.ب)

السيناريو الأخطر

وتسعى تل أبيب للاقتراب أكثر من تحقيق أهدافها الجوهرية من خلال «تدمير المشروع النووي الإيراني، ومنظومات الصواريخ الهجومية والقدرة على تصنيعها، واغتيال النخب العسكرية والعلمية»، لكن هذه الضربات قد تفتح شهية الإسرائيليين إلى رفع سقف بنك الأهداف.

وذهبت نخب سياسية أردنية إلى سيناريوهات متشائمة، ففي حال نجحت إسرائيل في تحقيق أهداف ضربتها الأخيرة، فذلك قد يُغريها للذهاب أبعد في تعميق هجومها على طهران، ليصبح «حملة شاملة» وصولاً لـ«ضرب النظام».

ومثّل الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران «ذروة استعداد تل أبيب مخابراتياً وعملياتياً منذ عدة سنوات»، والحال اليوم فإن طهران عليها «التفاوض تحت الضغط»، خصوصاً في ظل غياب توازن القوى عسكرياً بين طهران وتل أبيب، كما تفيد التقديرات السياسية في الأردن.

وتخلص مطالعات «الشرق الأوسط» لآراء خبراء وساسة ومتابعين محليين، إلى أن إيران لن تستطيع تجنّب هزيمة استراتيجية، رغم قدرتها على إلحاق خسائر محدودة بإسرائيل على المستوى التكتيكي.


مقالات ذات صلة

الأردن: تنفيذ إعدامات بحق محكومين بقضايا إرهاب ومخدرات

المشرق العربي وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني (أرشيفية - بترا)

الأردن: تنفيذ إعدامات بحق محكومين بقضايا إرهاب ومخدرات

نفذت السلطات الأردنية فجر الأحد أحكاماً بالإعدام شنقاً بحق ستة محكومين بقضايا ضمن اختصاص محكمة أمن الدولة.

محمد خير الرواشدة (عمان)
الاقتصاد منظر للعديد من المباني في وسط العاصة الأردنية عمان (د.ب.أ)

صندوق النقد يفرج عن 188 مليون دولار للأردن ويشيد بـ«استقراره المالي» رغم الحرب

أنهى مجلس إدارة صندوق النقد الدولي مراجعة بعض الترتيبات مع الأردن، التي أتاحت الإفراج عن تمويل قدره 188 مليون دولار لدعم السياسات الاقتصادية للبلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية نور الروابدة خلال مواجهة الأردن والنمسا (أ.ب)

الروابدة لاعب الأردن بعد الخسارة من النمسا: كسرنا حاجز الخوف

كان بإمكان الأردن أن يخرج بنتيجة أفضل من مباراته الأولى على الإطلاق في كأس العالم لكرة القدم، لكنه لم يُحسن استغلال الفرص بحسب لاعبه نور الروابدة.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
رياضة عربية جماهير الأردن تُظهر دعمها قبل مباراة المجموعة العاشرة أمام النمسا (أ.ف.ب)

«حلم أصبح حقيقة»... جماهير الأردن تحتفل بأول ظهور مونديالي

في ختام رحلة برية امتدت لمسافة 500 ميل من سان دييغو إلى سان خوسيه، احتفل مئات من مشجعي الأردن بظهور هذه الدولة لأول مرة في كأس العالم في المباراة التي ستخوضها

«الشرق الأوسط» ( سان خوسيه)
رياضة عربية قائد المنتخب الأردني لكرة القدم إحسان حداد (رويترز)

«مونديال 2026»: عودة ملهمة للقائد حداد تزين ضربة بداية الأردن ضد النمسا

سطر قائد المنتخب الأردني لكرة القدم إحسان حداد قصة نجاح ملهمة بعودته القوية إلى الملاعب وتجاوزه محنة قاسية استمرت 10 أشهر جراء إصابة بقطع في وتر أخيل.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو )

نحو مليون نازح لا يزالون خارج منازلهم في لبنان

أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
TT

نحو مليون نازح لا يزالون خارج منازلهم في لبنان

أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)

فرضت الحرب الإسرائيلية على لبنان واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في تاريخه الحديث، بعدما أجبرت أكثر من مليون شخص على مغادرة منازلهم خلال ذروة العمليات العسكرية، ودفعت مئات آلاف العائلات إلى البحث عن ملاذات آمنة في مختلف المناطق اللبنانية.

ورغم تراجع وتيرة الأعمال العسكرية وبدء عودة تدريجية إلى بعض القرى والبلدات الجنوبية، فإن تداعيات الأزمة لا تزال حاضرة بقوة، مع استمرار وجود مئات آلاف اللبنانيين خارج مناطقهم الأصلية، واستمرار عمل مئات مراكز الإيواء التي تستضيف المتضررين.

الأرقام الرسمية

وكشفت مصادر وزارة الشؤون الاجتماعية لـ«الشرق الأوسط» أن «العدد الإجمالي للنازحين اللبنانيين منذ اندلاع الحرب وحتى قبل وقف إطلاق النار (الاثنين الماضي) بلغ نحو 963497 نازحاً»، مشيرة إلى أن «الذروة سُجلت في منتصف أبريل (نيسان) 2026 عندما تجاوز عدد النازحين 1.2 مليون شخص، ووصل إلى 1208869 نازحاً». وأضافت أن «عدد النازحين الحاليين لا يزال يناهز 963 ألف شخص، أي ما يعادل نحو 16 في المائة من إجمالي سكان لبنان»، رغم عودة قسم من النازحين إلى مناطقهم الأصلية مع تراجع حدة الأعمال العسكرية.

أطفال يلهون أمام خيام في مركز نزوح مؤقت في المدينة الرياضية ببيروت (الشرق الأوسط)

بيروت وجبل لبنان

وأوضحت المصادر أن النازحين يتوزعون حالياً على 26 قضاءً و865 نطاقاً عقارياً وبلدة في مختلف المناطق اللبنانية، إلا أن الجزء الأكبر منهم يتركز في عدد محدود من الأقضية. وأشارت إلى أن بيروت تستضيف 233939 نازحاً، أي ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي النازحين، تليها عاليه بـ168389 نازحاً، ثم الشوف بـ166932 نازحاً، وصيدا بـ135340 نازحاً، وبعبدا بـ39351 نازحاً.

كما يتوزع النازحون على أقضية أخرى تشمل جبيل بـ28563 نازحاً، والمتن بـ27330، وصور بـ26311، وعكار بـ20904، وزحلة بـ18318، وكسروان بـ16653، والمنية - الضنية بـ14874، وجزين بـ10680، وبعلبك بـ10451، بينما يبلغ عدد النازحين في باقي الأقضية مجتمعة 56462 نازحاً.

وأكدت المصادر أن «الأقضية الخمسة الأولى، وهي بيروت وعاليه والشوف وصيدا وبعبدا، تستضيف وحدها نحو 76 في المائة من إجمالي النازحين»؛ ما يعكس حجم الضغط الاجتماعي والخدماتي الذي تتحمله هذه المناطق منذ بداية الأزمة.

متطوعون في «الصليب الأحمر» ينظّمون نشاطات لأطفال نازحين بمدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت مركزاً للنزوح (رويترز)

مساكن مستأجرة

وفي ما يتعلق بالواقع السكني للنازحين، أشارت المصادر إلى أن نحو 14 في المائة من النازحين يقيمون في مراكز الإيواء الجماعي، أي ما يقارب 135669 فرداً، موزعين على 636 مركز إيواء لا تزال تستقبل النازحين حتى اليوم.

في المقابل، يقيم نحو 55 في المائة من النازحين في مساكن مستأجرة، بينما يعيش 26 في المائة لدى عائلات مضيفة أو ضمن ترتيبات استضافة مختلفة، ويقيم نحو 3 في المائة في مساكن ثانية، بينما يعيش نحو 2 في المائة في ظروف سكنية هشّة أو غير آمنة.

وكشفت المصادر أن «العدد الأقصى لمراكز الإيواء الجماعي التي جرى تشغيلها خلال الأزمة بلغ 686 مركزاً»، قبل أن يتراجع العدد تدريجياً مع تحسن الأوضاع في بعض المناطق، وبدء عودة قسم من السكان إلى بلداتهم.

140 ألف عائد

وفي ملف العودة إلى المناطق الأصلية، أكدت المصادر أن القسم الأكبر من المواطنين عاد إلى 5 أقضية رئيسية هي بعلبك التي سجلت 49241 عائداً، وبعبدا 41840 عائداً، وصيدا 20551 عائداً، وعاليه 13500 عائد، والنبطية 10030 عائداً.

وأضافت أن «هذه الأقضية الخمسة تستقطب مجتمعة نحو 97 في المائة من إجمالي العائدين إلى مناطقهم الأصلية»؛ ما يجعلها الوجهة الرئيسية لحركة العودة المسجلة حتى الآن.

وأشارت المصادر إلى تفاوت واضح في مستويات العودة بين المناطق اللبنانية؛ إذ سجلت أقضية بعلبك وبعبدا وصيدا وعاليه والنبطية أعلى أعداد للعائدين، في حين بقيت العودة محدودة جداً في عدد من المناطق الأخرى.

مواطن نازح في مركز للنزوح في منطقة صيدا بجنوب لبنان (رويترز)

وعزت مصادر وزارة الشؤون الاجتماعية بطء وتيرة العودة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها استمرار المخاوف الأمنية لدى السكان، وتجدد أوامر الإخلاء في بعض المناطق، فضلاً عن الأضرار الواسعة التي لحقت بالمساكن والبنية التحتية والخدمات الأساسية.

كما أشارت إلى أن محدودية فرص العمل وصعوبة استعادة مصادر الدخل والوصول إلى بعض المناطق المتضررة ما زالتا تشكلان عائقين رئيسيين أمام عودة عدد كبير من الأسر إلى بلداتها وقراها الأصلية؛ ما يدفع كثيراً منها إلى الاستمرار في مناطق النزوح بانتظار تحسُّن الظروف الأمنية والمعيشية.

وترى المصادر أن هذه المعطيات تؤكد أن أزمة النزوح في لبنان لا تزال مستمرة رغم تراجع العمليات العسكرية، وأن معالجة تداعياتها الإنسانية والاجتماعية ستبقى من أبرز التحديات التي تواجه الدولة خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً في المناطق التي تعرضت لدمار واسع أو ما زالت تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات والبنى التحتية اللازمة لاستقبال العائدين.


زوجة مسؤول عراقي متهم بالفساد تحرق ملايين الدولارات في «تنور طين»

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (أ.ب)
TT

زوجة مسؤول عراقي متهم بالفساد تحرق ملايين الدولارات في «تنور طين»

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (أ.ب)

في وقت شرعت فيه الحكومة العراقية بإجراءات حازمة لمحاربة الفساد، فإن اعتقال عدد من المسؤولين في عدد من الوزارات بدأت ترافقه قصص وحكايات تقترب من الخيال.

وفي حين اعترف اثنان من كبار المسؤولين في وزارتي النفط والكهرباء باختلاس ملايين الدولارات الأميركية، ومليارات الدنانير العراقية، فضلاً عن قيامهما والجهات التي تقف خلفهما (ممن بات يُطلق عليهم اسم «حيتان الفساد») بأكبر حملة لغسل الأموال، فإن مواقع التواصل الاجتماعي ووكالات الأنباء بدأت تتداول قصصاً عن كيفية إخفاء الأموال المنهوبة، إن كان في بيوت محصنة، أو عبر حَرْق قسم منها، مثلما تردد عن قيام زوجة المسؤول السابق في وزارة النفط، عدنان الجميلي، وشقيقته، بحرق 5 ملايين دولار أميركي، ومليارات الدنانير العراقية، في تنور من طين، بمزرعة تعود لهم في محافظة صلاح الدين.

رئيس «هيئة النزاهة«محمد علي اللامي (وكالة الانباء العراقية)

مصدر عراقي أكد لـ«الشرق الأوسط» أن فرق «هيئة النزاهة» التي يرأسها محمد علي اللامي، والتي جرى تفعيلها بأوامر صارمة من قبل رئيس الوزراء علي الزيدي «لم تكشف رسمياً، حتى الآن، ما إذا كان قد تم بالفعل حرق مبالغ مالية كبيرة جداً، أو إذا تمّ العثور على مبالغ أخرى في منازل أو بساتين محددة»، مبيناً أن «المبالغ تم استرجاعها وإيداعها في خزينة الدولة، حتى تتم معرفة ما إذا كان ما اعترف به المسؤولان الكبيران في وزارتي النفط والكهرباء هو تصرف فردي من قبلهما، أم أن هناك مَن يقف خلفهما».

وأكد أن «الشيء الثابت أن كمية هذه الأموال وطريقة الاستحواذ عليها، تؤكدان، بما لا يقبل الشك، أن من قام بذلك محميّ من جهات عليا، وربما هو ليس أكثر من واجهة فقط».

وكان القضاء العراقي أصدر مذكرات اعتقال بحق زوجة وشقيقة وكيل وزارة النفط المعتقل، عدنان الجميلي، بعد اتهامهما بحرق مليارات الدنانير العراقية وأكثر من 5 ملايين دولار داخل تنور طيني في مزرعتهما بمحافظة صلاح الدين، قبل وصول القوات الأمنية لتنفيذ عملية تفتيش.

وطبقاً لبيان «مجلس القضاء الأعلى»، الذي يرأسه فائق زيدان، فإنه «تم ضبط أموال تُقدَّر بـ10 ملايين دولار، فضلاً عن عقارات وذهب وسلاح في قضية المتهم الموقوف، عدنان محمد محمود الجميلي، الذي كان يشغل منصب وكيل وزير النفط لشؤون التصفية». وأضاف البيان أن «قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية أعلن أن التحقيقات الأولية في قضية المتهم الموقوف عدنان محمد محمود، الذي كان يشغل منصب وكيل وزير النفط لشؤون التصفية، وجماعته، أسفرت عن اتخاذ إجراءات قانونية واسعة أسهمت في ضبط عدد من الأموال والعقارات العائدة له ولأشخاص مرتبطين بالقضية».

من اجتماع ل«مجلس القضاء الأعلى«برئاسة فائق زيدان (وكالة الانباء العراقية)

وأوضح القاضي المختص (حسب البيان) أن «الإجراءات التحقيقية الأولية أسفرت حتى الآن عن ضبط ما يقارب 40 عقاراً في محافظات بغداد وصلاح الدين وأربيل، فضلاً عن ضبط مبالغ نقدية تُقدَّر بنحو 10 ملايين دولار أميركي، و3 مليارات دينار عراقي، إضافة إلى مصوغات ذهبية تقدر بنحو كيلوغرام ونصف الكيلوغرام من الذهب».

وأشار إلى أنّ «التحقيقات أسفرت أيضاً عن ضبط كميات كبيرة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة»، لافتاً إلى أنّ «التحقيقات ما زالت مستمرة للكشف عن جميع الأشخاص والجهات المرتبطة بالجريمة».

«أنزه موظف»...

وبعد أيام من اعتقال وكيل وزير النفط لشؤون الاستخراج المدير العام السابق لشركة «مصافي الشمال»، الجميلي، بعملية في محافظة صلاح الدين، جرت عملية اعتقال لما كان يُعرَف بـ«أنزه موظف» لعام 2023، بعد أن ضبطت بحوزته عشرات مليارات الدنانير العراقية، وهو علاء سمير الجبوري، مدير عام «شركة كهرباء الوسط».

وزارة الكهرباء العراقية (وكالة الانباء العراقية)

وبعد اعتقال الجميلي نشر وزير الاتصالات مصطفى سند منشوراً عبر حسابه الرسمي في «فيسبوك»، وجَّه من خلاله جملة اتهامات بالفساد للجميلي، مؤكداً أنّ الأخير «كان يمثل منفذاً لفساد الأحزاب وبيع المناصب في وزارة النفط». وكتب سند: «اعتقال حوت النفط، وكيل الوزير لشؤون التصفية، ممول الأحزاب، والركبة الممدودة للتمويل، أبو الفوتات والمالات، مبابي المناصب، وصاحب رواية تفجير مصفى (بيجي) بالمسيرة، وهو انفجار تشغيلي بسبب أحد مشاريعه، شافط سيولة (بيجي) وميسان والشعيبة والدورة. أبو الحروف، عدنان الجميلي».

أما الجبوري، فقد فاز عام 2023 بلقب «أنزه موظف» لذلك العام، وقد تم تداول صوره في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يتسلم جائزة «الموظف الأنزه في العراق» لذاك العام، قبل أن يُقبَض عليه مؤخراً بـ«الجرم المشهود»، حسب البرقيات الصادرة من وزارة الداخلية العراقية.

وعن الإجراءات الحكومية الحالية لمحاربة الفساد، يقول أستاذ الإعلام في «الجامعة المستنصرية»، الدكتور غالب الدعمي لـ«الشرق الأوسط»، إن «جهود مكافحة الفساد الآن تمشي بطريقة سليمة تماماً من حيث إجراءات الدولة، وتحقيق الردع وتعاون كبير بين (النزاهة) والقضاء والحكومة»، مبيناً أن «هذه تحصل للمرة الأولى في تاريخ الحكومات العراقية بعد عام 2003، ولكوني جزءاً من المنظومة الرقابية، فإن إجراءات اليوم تبدو مختلفة، حيث سجّلت، في السابق، خلافات بين السلطات المختلفة، سواء التنفيذية أم القضائية أو غيرها، بينما الأمر الآن مختلف إلى حد كبير».

محطة «بيجي» الغازية للكهرباء في العراق (الموقع الإلكتروني لوزارة الكهرباء العراقية)

وعدّ الدعمي مثل هذا التوافق «حالة إيجابية»، لكنه استدرك قائلاً: «هناك حالة سلبية تتمثل في أن بعض الأخبار ليست صحيحة، بحيث تشوه جهود مكافحة الفساد، مثل صور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي، مع أن الأصل صحيح، أي أن المتهمين اعترفوا بكل المبالغ التي تم الإعلان عنها».


المجلس الأعلى للطائفة العلوية في سوريا ينفي وفاة الشيخ غزال غزال

من مظاهرة في مدينة اللاذقية غرب سوريا (أ.ف.ب)
من مظاهرة في مدينة اللاذقية غرب سوريا (أ.ف.ب)
TT

المجلس الأعلى للطائفة العلوية في سوريا ينفي وفاة الشيخ غزال غزال

من مظاهرة في مدينة اللاذقية غرب سوريا (أ.ف.ب)
من مظاهرة في مدينة اللاذقية غرب سوريا (أ.ف.ب)

نفى المجلس الأعلى للطائفة العلوية في سوريا والشتات، يوم الأحد، التقارير المتداولة حول وفاة المرجع الديني الأعلى للطائفة العلوية، الشيخ غزال غزال، أو عن مكان وجوده.

وحثَّ المجلس في بيانٍ له، الأحد، أفراد الطائفة العلوية على «عدم الانجرار وراء حملات الشائعات التي تهدف إلى بثِّ الخوف والبلبلة، وإثارة ردود فعل متسرعة».

وكانت مواقع إلكترونية محلية ومنصات التواصل الاجتماعي قد زعمت في وقت سابق، وفاة غزال في مدينة أربيل، بإقليم كردستان العراق.

وأفادت قناة لبنانية محسوبة على «حزب الله» وإيران، مساء أمس، بمقتل الشيخ غزال غزال «إثر تعرضه لإطلاق نار أمام مكان إقامته، في مدينة أربيل بإقليم كردستان العراق».

ويُعتبر الشيخ غزال أحد أبرز المراجع الدينية للطائفة المسلمة العلوية، في المناطق الساحلية والوسطى من سوريا.

وبرز اسم غزال بوصفه أحد الشخصيات الدينية المؤثرة في الطائفة العلوية بسوريا. وعقب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024، أعلن غزال عن تأسيس «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر»، في فبراير (شباط) 2025، ونال صفة رئيسه وفق البيان التأسيسي الذي تلاه باسل علي الخطيب، وهو ناشط سياسي من محافظة طرطوس.

يتبنى الشيخ غزال موقفاً معارضاً لحكومة الرئيس أحمد الشرع؛ خصوصاً بعد الأحداث التي شهدها الساحل السوري في مارس (آذار) 2025. وقد دعا إلى التظاهر ضد الحكومة الجديدة، والمطالبة بالفيدرالية واللامركزية في الحكم، ولاقت دعواته استجابات متفاوتة بين أبناء الطائفة العلوية.

لافتة تطالب بفيدرالية في الساحل السوري خلال مظاهرة بمدينة اللاذقية استجابة لدعوة الشيخ العلوي غزال غزال في ديسمبر الماضي (إ.ب.أ)

وخرجت مظاهرات احتجاجية لمئات من الشبان المنتمين إلى الطائفة العلوية في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، بناءً على دعوات وجهتها شخصيات دينية علوية، أبرزهم غزال رئيس «المجلس الإسلامي العلوي»، في مارس 2025، رُفعت فيها لافتات تطالب بـ«وقف القتل»، واللامركزية، وإطلاق سراح المعتقلين. وقامت قوى الأمن الداخلي بتأمينها وحمايتها.

كما خرجت مظاهرات في نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر 2025 بناء على دعوات من رموز الطائفة العلوية، وشهدت التجمعات مظاهر عنف من المحتجين. وعملت عناصر الشرطة في بداية انطلاق المظاهرات على استيعاب تجاوزات واعتداءات قام بها متظاهرون في مدينتي اللاذقية وبانياس بريف طرطوس، ومنع حصول احتكاكات مع مشاركين في مظاهرات مؤيدة للحكومة.

وبقي الشيخ غزال غزال بعد ذلك مجهول الإقامة شهوراً، قبل أن يتداول ناشطون في فبراير 2026 أخباراً عن وصوله إلى أربيل عبر معبر سيمالكا (شمال شرقي سوريا)، وأنه حاول مقابلة مسؤولين محليين، قبل أن يسعى -وفق الرواية المنشورة- إلى طلب اللجوء عبر السفارة الفرنسية، من دون أن يحصل على موافقة رسمية.

اقرأ أيضاً