هل غزتِ الحضارةُ الغربيةُ واجتاحتْ قرى جبلِ لبنان، حسب قولِ أنيس فريحة في كتابه «حضارة في طريق الزوال: القرية اللبنانية»؟
الغزو والاجتياح من التعبيرات العسكرية في الحروب. فهل تأثر قرى جبل لبنان بالحضارة الغربية جاء عبر غزو جيوشها واجتياحها ساحاتها وحاراتها ومزارعها؟
تأثير الحضارة الغربية في تلك القرى تاريخه أقدم من احتلال فرنسا لسوريا وللبنان بقرون.
الوجه الأبرز لهذا التأثير هو الوجه الديني المسيحي التبشيري أيام كانت سوريا عثمانية، وكان لبنان عثمانياً. وهذا الوجه أطلّ وتدّخل تدخلاً دينياً تبشيرياً في سوريا، وفي ساحل لبنان وجبله بموافقة ورضا شرعي أو قانوني من «الباب العالي» بموجب «نظام الامتيازات الأجنبية» ومستلزماته.
سأتحدث عن ناحية واحدة في التبشير المسيحي الغربي الذي استهدف الطوائف المسيحية في لبنان عبر مَثَل سائر معروف لدى كل اللبنانيين، لأصلَ بعد ذلك إلى الحالة الدينية التي كان عليها أنيس فريحة، والتي ورثها عن أبيه.
هذا المَثَل السائر هو «أنْكلِزْلي أنكلِزْلك». يقول سلام الراسي عن قصة هذا المثل: «في أواسط القرن الماضي (يقصد القرن قبل الماضي) جاء إلى لبنان مبشر إنجليزي يدعو الناس إلى اعتناق المذهب الإنجيلي، وحلَّ في إحدى القرى اللبنانية، داعياً الناس إلى الخلاص بطريقته الجديدة، فلم يُقبل أحد إليه. فعمد أخيراً إلى اكتساب قلوبهم عن طريق جيوبهم، وأخذ يدفع إلى كل واحد يقبل دعوته ليرة إنجليزية ذهباً كل شهر. عندئذ تكاثر عدد المؤمنين به، والمتحمسين لدعوته، فاعتقد أنَّ بذرة الإيمان نبتت في قلوبهم، وأنَّ حقل الرب أثمر في نفوسهم، فكفّ عن دفع الليرات الإنجليزية، مستعيضاً عنها بالصلوات والابتهالات. فأخذ (المؤمنون) يبتعدون عنه واحداً بعد الآخر، وعندما سألهم عن سبب فتور حرارة الإيمان في قلوبهم، أجابوا: (أنكلزلتنا أنكلزلناك، بطّلت تأنكلزلنا بطّلنا نأنكلزلك)».
من ذلك الوقت دخل فعل «أنكلز» في لغة اللبنانيين، وصاروا يستعملونه في مناسباتهم قائلين: «أنكلزلي أنكلزلك»، أي، «ادفع لي سلفاً افعل لك ما تريد».
الأديب الشعبي سلام الراسي الذي روى قصة هذا المثل ورث البروتستانتية من أبيه القس يواكيم الراسي الذي اعتنق هذا المذهب مع تلقيه التعليم في إحدى مدارس الإرساليات الإنجيلية، بعد أن كان معتنقاً لمذهب الأرثوذكس الروم. ولسلام الراسي أكثر من مقال تعامل فيها مع هذه الحادثة من دون حساسية فائقة.
والحساسية الفائقة ترجع إلى أنَّ رواد اعتناق المذهب البروتستانتي متهمون من قبل الموارنة والأرثوذكس بأنهم اعتنقوا هذا المذهب، وباعوا مذهبهم الأصلي لقاء دريهمات معدودة. ويلحق بهذا الاتهام الأخلاقي اتهام آخر من قبل هؤلاء لأجيال بروتستانتية تالية، وهو أنهم في المدارس الإنجيلية معفون من الرسوم المالية التي يدفعها الطلبة الآخرون من المسيحيين ومن المسلمين. لهذا وذاك كانوا يسمونهم «طائفة الشلن».
أبناء الطائفة الإنجيلية أو البروتستانتية يردون على الاتهامين واتهامات أخرى مشابهة، بأنَّها ما هي إلا حسد من عند أنفسهم، لتميزهم النوعي في مجالات مختلفة، كأقلية مسيحية صغيرة عن أغلبيتهم المسيحية من الطوائف الأخرى.
قد تعكس هذه الاتهامات ما واجهه البروتستانت الأوائل من قبل الموارنة والأرثوذكس من عنت وتضييق واضطهاد ونبذ مدة من الزمن.
من المقطوع به أنَّ الإرساليات الدينية بمختلف جنسياتها، فرنسية أو روسية أو إنجليزية أو ألمانية أو أميركية، أفادت أبناء المسيحية الشرقية في بلدان الشام، ومن فوائدها ظهور المثقف المسيحي العلماني، وتطور علوم اللاهوت التي تلقاها رجال الدين المسيحي في هذه البلدان. وهذا التطور انبثق عنه المثقف اللاهوتي، المتسع في آفاقه العلمية والمعرفية.
لو تساءلنا: هل ما قامت به فرنسا من التبشير بتعاليم الكنيسة اللاتينية، وما قامت به إنجلترا وأميركا من التبشير البروتستانتي في قرى جبل لبنان يعدّه نوعاً من غزو الحضارة الغربية واجتياحها لها؟
وهل يعدّ اعتناق أبيه، وهو من بعده، لمذهب من المذاهب البروتستانتية المتشددة (الفرندز) استجابة لهذا الغزو والاجتياح المذهبي لتلك القرى؟
هو لا يعدّهما كذلك مطلقاً. فما عناه بالغزو والاجتياح في كتابه هو إخراج قرى قابعة في القرون الوسطى إلى شيء من التطور والحياة الحديثة. وللحديث بقية.
