خلال اليومين الماضيين هيمنت نتائجُ الانتخاباتِ الفرعية في ماكليسفيلد على أحاديثِ السياسيين والصحافيين في وستمنستر، بالسؤال عمَّا إذا كانت تمثل بداية النهاية لقيادة كير ستارمر لحزب العمال، وربما السؤال الأكثر أهمية: هل تكشف هذه الانتخابات عن نضج جديد لدى الناخب البريطاني؟
اشتعل الجدلُ بعد الفوز السَّاحق الذي حققه عمدة مانشستر، أندي برنهام، ولخصته هارييت هارمان، إحدى أبرز قيادات «العمال» التاريخية، بالقول إن «القطيع لم يعد يتحرك فقط، بل بدأ يندفع بقوة»، وتعني تنامي الاعتقاد بين نواب «العمال» بأن مرحلة سياسية جديدة بدأت بالفعل.
لكن أهمية ماكليسفيلد لا تقتصر على الصراع المحتمل داخل حزب العمال. فالنتيجة كشفت أيضاً عن ظاهرة انتخابية أكثر إثارة للاهتمام، وهي تزايد التصويت التكتيكي والبراغماتي.
فقد اجتمع خلف برنهام ناخبون لا ينتمون بالضرورة إلى المعسكر العمالي الاشتراكي الذي يمثله. بعضهم أراد توجيه رسالة إلى كير ستارمر، وبعضهم يميل بالفعل إلى تقاليد حزب العمال القديمة التي يمثلها برنهام، بينما صوّت آخرون ببساطة لمنع حزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج من تحقيق اختراق انتخابي جديد.
بمعنى آخر، لم يكن الجميع يصوتون للسبب نفسه، لكنهم وصلوا إلى النتيجة نفسها.
ومن أبرز ما لفت انتباه المراقبين أن نسبة المشاركة جاءت مرتفعة بصورة غير معتادة في انتخابات فرعية.
فغالباً ما تُفسَّر النتائج المفاجئة في مثل هذه الانتخابات على أنها مجرد أصوات احتجاجية أو تعبير عن غضب مؤقت من الحكومة. أما في ماكليسفيلد، فقد بدت الصورة أكثر تعقيداً. فاز برنهام بـ55 في المائة من الأصوات أي أكثر من مجمل الأحزاب الأخرى مجتمعة، إذ شارك عدد كبير من الناخبين (فاقوا نسبة المشاركة في الانتخابات العامة) وهم يدركون تماماً ما يريدون تحقيقه من أصواتهم.
ولعل من أبرز المؤشرات على هذا التحول أن الأحزاب الصغيرة الواقعة إلى يسار حزب العمال، وفي مقدمتها حزب الخضر، لم تستفد من حالة التذمر من الحكومة كما كان متوقعاً. فعلى الرغم من وجود أربعة عشر مرشحاً يمثلون طيفاً واسعاً من الأحزاب والاتجاهات السياسية، فضّل كثير من الناخبين تجميع أصواتهم خلف المرشح الأوفر حظاً لتحقيق الهدف الذي أرادوه، سواء كان التأثير على مستقبل حزب العمال أو منع فوز حزب الإصلاح. وهو ما يعكس درجة أعلى من التصويت التكتيكي والحساب السياسي لدى الناخب البريطاني.
وفي المقابل، حملت نتائج جنوب أبردين، في اسكوتلندا في اليوم نفسه رسالة مختلفة بفوز المحافظين بها. فهناك برزت قضية الوظائف المرتبطة بصناعة النفط والغاز باعتبارها عاملاً حاسماً في توجهات الناخبين. ويبدو أن كثيرين باتوا يتساءلون عما إذا كانت الوظائف الجديدة التي تعد بها سياسات التحول الأخضر قادرة فعلاً على تعويض الوظائف التي بدأت تختفي في قطاعات الطاقة التقليدية. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول قضايا العمل والدخل والأمن الاقتصادي إلى عوامل أكثر تأثيراً من الشعارات الآيديولوجية المعتادة.
وقد بدا أن قطاعاً من الناخبين أصبح أقل اهتماماً بالشعارات الآيديولوجية وأكثر اهتماماً بالسؤال العملي: أين ستأتي الوظائف الجديدة إذا أُغلقت الوظائف الحالية المرتبطة بالطاقة التقليدية؟
وهكذا بدت الانتخابات كأنها تعكس اتجاهاً أوسع داخل المجتمع البريطاني. فالناخب لم يعد يصوت انطلاقاً من الولاء الحزبي وحده، بل بات يقارن بين النتائج المحتملة لكل خيار سياسي.
ومن هنا تأتي أهمية أندي برنهام. فالنقاش الدائر حوله لا يتعلق فقط بإمكانية خلافته لستارمر، بل أيضاً بما يسميه بعض أنصاره «النهج المانشستراوي»؛ أي التركيز على البنية التحتية والنقل والإسكان والاستثمار المحلي، مع شراكة بين القطاعين العام والخاص بدلاً من العودة إلى نماذج التأميم التقليدية.
غير أن هذا النهج يطرح أسئلة لا تزال بلا إجابة. فبرنهام معروف بمواقفه المؤيدة لأوروبا، بينما يعتمد جزء من التحالف الانتخابي الذي دعمه على ناخبين من دوائر تعرف بـ«الجدار الأحمر» الذين أيدوا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. كما أن أي برنامج توسعي للاستثمار العام سيواجه عاجلاً أو آجلاً أسئلة حول التمويل والضرائب والانضباط المالي.
لهذا قد يكون من المبكر الحديث عن انتقال وشيك للسلطة داخل حزب العمال. لكن من الواضح أن ماكليسفيلد فتحت نقاشاً أعمق من مجرد تغيير زعيم حزبي.
فإذا كانت وستمنستر منشغلة اليوم بمستقبل كير ستارمر، فإن نتائج الانتخابات تشير إلى أن القصة الأهم قد تكون نضج الناخب البريطاني نفسه؛ ذلك الناخب الذي أصبح أكثر استعداداً للتصويت التكتيكي، وأكثر ميلاً إلى الحكم على النتائج العملية بدلاً من الشعارات السياسية.
