شوقي الريّس
صحافي وكاتب لبناني في صحيفة «الشرق الأوسط». عمل مراسلاً دولياً في أوروبا وأميركا اللاتينية لعدد من أبرز الصحف والمجلات العربية، بينها «المجلة» و«الحياة» و«النهار» و«المستقبل». يكتب أيضاً في صحيفتي El Paísالإسبانية وLa Repubblicaالإيطالية. يحمل إجازة في العلوم السياسية ودكتوراه دولة في العلاقات الدولية من جامعة مدريد، وعمل مترجماً شخصياً للعاهل الإسباني الملك خوان كارلوس الأول على مدى 16 عاماً. كما يدرّس مادة المنظمات الدولية في جامعة بيروت اليسوعية، وجامعة مدريد المستقلة، وجامعة جنيف.
TT

محكمة المياه... تراث أندلسي عابر للعصور

استمع إلى المقالة

لا يصحّ القول إن العرب، بعد سقوط غرناطة في عام 1492م، خرجوا من التاريخ الحي ودخلوا الأسطورة. فالتراث العلمي والفني والفكري الذي تركوه في بلاد الأندلس الواسعة، ومنها انتشر في الحواضر الأوروبية التي كانت لا تزال في ظلام حضاري عميق، والشواهد التي تطالع الباحثين في تجلياته وإبداعاته، تدلّ على أن الغرب يدين لتلك الحضارة بإنجازات رسخت في ميادين شتّى من الفلسفة إلى الهندسة، ومن الزراعة إلى الطب والفيزياء والعلوم الفلكية.

كانت الزراعة، وما تقتضيه من أنظمة ري وإدارة للموارد المائية، من الحقول التي تألق فيها العرب وما زالت إنجازاتهم فيها حاضرة إلى اليوم. ومن المؤسسات التي أنشأوها، محكمة المياه التي تأسست عام 962م على عهد الخليفة عبد الرحمن الثالث في مدينة فالنسيا؛ لضبط توزيع مياه نهر الخوكار على بساتين وكروم الغوطة الخصبة الواقعة في أرباض المدينة، وفضّ النزاعات التي تنشأ بين أصحابها.

تُعدُّ هذه المحكمة أقدم المحاكم التي ما زالت ناشطة إلى أيامنا هذه بشكل منتظم، وقد أدرجتها منظمة «يونيسكو» على قائمة التراث العالمي. يفتتح دوراتها السنوية العاهل الإسباني، وتنعقد كل خميس أمام أحد أبواب كاتدرائية المدنية، ويتهافت على متابعة جلساتها جمهور غفير من السيّاح والفضوليين والمراقبين الإقليميين والدوليين.

جلساتها شفوية، من غير وثائق أو مستندات، تبدأ عندما تدق ساعة البرج الأكبر معلنة انتصاف النهار، فينادي المباشر على القضاة للجلوس في مقاعدهم الخشبية القديمة الموزعة بشكل دائري تحت قوس المحكمة، ينصبون ميزان العدل على مياه السواقي منذ أحد عشر قرناً.

بعد افتتاح الجلسة يستأذن المباشر رئيس هيئة القضاة للمناداة على المدّعي والمدّعى عليه وناطور الساقية موضع النزاع، والشهود إذا وجدوا. ويجري النظر في الشكاوى حسب ترتيب السواقي على مجرى النهر... من إغراق بستان بالماء بقصد إتلاف المحصول، أو السقاية في يوم أو موعد غير الذي يحدده نظام الري، أو عدم احترام المدة المخصصة لكل بستان. وبعد الاستنطاق والاستماع إلى الشهود، يتشاور أعضاء المحكمة في خلوة يستثنى منها القاضي المنتدب عن الساقية المتنازع عليها. ويقضي العرف أنه إذا كان المدعي من ساقية تقع على ضفة النهر اليسرى، يعود تحديد الغرامة أو العقاب لقضاة الضفة اليمنى.

أما القرارات التي تصدر عن هذه المحكمة، فهي مبرمة لا تقبل الاستئناف أو الطعن، وقد تمّ تنفيذ جميعها منذ القرن العاشر إلى اليوم، من غير اللجوء إلى سلطة أو أجهزة أمنية.