حسن المصطفى
TT

تحييد لبنان عن صراع المحاور الإقليمية

استمع إلى المقالة

أثناء زيارته العاصمة السعودية الرياض، 15 يونيو (حزيران) الحالي، اجتمع وزير الدولة بـ«وزارة الخارجية» القطرية، محمد بن عبد العزيز الخليفي، مع مستشار وزير الخارجية السعودي للشأن اللبناني، الأمير يزيد بن محمد بن فرحان؛ حيث بحث الجانبان «آخر التطورات في لبنان، وجهود التنسيق المشترك بين البلدين بشأن الملف اللبناني».

اللقاء السعودي - القطري يأتي تتويجاً للتنسيق المشترك بين الدولتين الجارتين اللتين نشطتا بشكل واضح من أجل خفض التوتر في المنطقة، فكانت هناك اتصالات دائمة بين وزيري خارجية البلدين، خصوصاً أن الدوحة كانت طرفاً رئيسياً في الوساطة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والتي بدأتها باكستان، ونالت مساندة سعودية واضحة؛ حيث أعلن مجلس الوزراء السعودي عن ترحيبه بـ«الوصول إلى اتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية لإنهاء العمليات العسكرية، وبدء مفاوضات تفصيلية بهدف التوصل إلى اتفاق دائم»، مقدراً «جهود الوساطة التي بذلتها جمهورية باكستان الإسلامية ودولة قطر في هذا الإطار».

«إطار التفاهم» الأميركي - الإيراني من المفترض أن يشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار في مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، رغم وجود ممانعة ومعارضة إسرائيلية صريحة لهذا البند؛ حيث ستكون الأيام المقبلة مساحة اختبار لمدى التزام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخيارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أم أن العمليات سوف تستمر في الجنوب اللبناني، وهل ستكون هناك خطة واضحة لانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية التي تحتلها، تمهيداً لبسط الجيش اللبناني سيطرته، وتالياً عودة النازحين والبدء في عملية إعادة الإعمار، بالتوازي مع حصر السلاح بيد الدولة، وإطلاق عملية سياسية - اقتصادية تعيد لمؤسسات الدولة قوتها وفاعليتها.

أهمية لقاء بن فرحان والخليفي تكمن في دقّة الملف اللبناني، وحاجة لبنان إلى شبكة أمان عربية فاعلة، تعمل على إخراجه من كونه ساحة لصراع المحاور وتبادل الرسائل العسكرية بين إيران وإسرائيل!

لبنان في وضعه الحالي يعاني من احتلال إسرائيلي ونفوذ إيراني. فتل أبيب تريد أن تبقي على منطقة عازلة تحميها من عمليات «حزب الله» العسكرية، وطهران تسعى لأن تجعل لحليفها في لبنان ثمناً على طاولة التفاوض مع واشنطن.

السعودية سعت في أكثر من مناسبة نحو ترسيخ مسار لبناني مستقل، يجعل القرار الداخلي بيد مؤسسات الدولة وفقط. والرياض رغم إدراكها التام لحالة التشابك الحرجة أمنياً، فإنها تسعى لأن تحل هذه العُقد عبر تقوية مؤسسات الدولة والجيش، وحث واشنطن على الضغط على نتنياهو كي يوقف الأعمال العدائية على لبنان، وهي أيضاً تدعم الدبلوماسية المتأنية بهدف تثبيت حالة دائمة من وقف إطلاق النار على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية.

الأمير يزيد بن فرحان التقى هذا الشهر في بيروت رئيس الجمهورية جوزيف عون، باحثاً الأوضاع اللبنانية والإقليمية والتطورات الأخيرة في المنطقة، ومسار المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية الجارية في واشنطن.

عون أثناء اللقاء، حمّل المستشار السعودي «شكر لبنان إلى الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان على قرار المملكة العربية السعودية استئناف استيراد المنتجات الزراعية والصناعية اللبنانية»، معتبراً أن هذه الخطوة «تعكس وقوف المملكة الدائم إلى جانب لبنان في مختلف الظروف».

زيارات الأمير يزيد بن فرحان الدائمة إلى لبنان، ولقاءاته رؤساء السلطات الثلاث، والشخصيات السياسية الفاعلة، ما هي إلا ترجمة لهذه السياسة السعودية التي تريد أن تشكل درعاً حامية للدولة في لبنان، وتسعى لأن تنهي حالة الحرب مع إسرائيل بطريقة تضمن مصالح الشعب اللبناني، وتُمهد لتغيير حقيقي وسلام دائم، من دون إعطاء إسرائيل امتيازات لا تستحقها أو تنازل عن أراضٍ لبنانية محتلة، ومن دون أن تُحقق لإيران في الوقت ذاته أي نفوذ داخلي عبر «حزب الله».

الجهود السعودية هذه يدعمها رؤساء السلطات الثلاث في لبنان، وأيضاً هي محل تقدير الشعب اللبناني، بمن فيه جمهور واسع جداً من بيئة «حزب الله» الشعبية، التي أجهدتها الحروب، وتبحث عن خلاص من حالة عدم الاستقرار، وسئمت استخدام إيران لها ورقة في التفاوض الخارجي، وهو أمر يمكن تلمّسه عبر عدد من المواقف التي تُعبر عنها هذه «البيئة» وحتى بعض الشخصيات الإعلامية القريبة منها، التي وإن لم تُجاهر في هذا الوقت بنقد «حزب الله» و«الحرس الثوري» بسبب ظروف الأعمال الحربية الإسرائيلية، فإنها في دوائرها الخاصة وبعض منصات التواصل الاجتماعي والنقاشات البينية تصرح بهذا الرأي، بل تسعى لحشد تأييد أوسع له، إيماناً منها بأن الإطار الجامع لكل اللبنانيين يجب أن يكون الدولة لا الطائفة.

المراقب للدبلوماسية السعودية سيجدها معنية بتثبيت مرجعية الدولة اللبنانية، لا إعطاء «حزب الله» أو إيران حق إدارة الملف اللبناني منفردين. ودولة قطر تتحرك ضمن إطار الوساطة الإقليمية الأوسع، دافعة نحو تحويل «إطار التفاهم» إلى مسار تفاوضي موثوق. فيما لبنان الرسمي يريد أن يستفيد من التهدئة من دون أن يرتهن لشروط الآخرين. أما إسرائيل فتسعى إلى خفض التكلفة العسكرية على قواتها، من دون خسارة حرية الحركة في الأجواء والأراضي اللبنانية. بينما «حزب الله» يريد أن يجعل وقف إطلاق النار مرتبطاً بانسحاب إسرائيلي وضمانات مستقبلية ضمن المفاوضات الإيرانية - الأميركية.

مما سبق، يتضح أن إعلان وقف إطلاق النار أمامه عدد من التحديات التي ستُحدد مستقبله، وهل هو توقف مؤقت للعمليات الحربية، أم بداية ترتيب أمني جديد يُعيد الجيش اللبناني إلى الحدود، ويُنهي الاحتلال الإسرائيلي، ويضع السلاح ضمن منطق الدولة؟!