جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

أوروبا تطرق باب موسكو... فهل يُفتَح؟

استمع إلى المقالة

مضت 4 سنواتٍ على اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية، وها هو النصفُ الأوَّلُ من عامها الخامس يوشك على الانتهاء، دون أن يتمكن أي من الطرفين من حسم المعركة عسكرياً. تكتسب هذه الحرب خطورة استثنائية؛ كونها الأولى من نوعها في القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن أنها وضعت دول حلف «الناتو» في مواجهة مباشرة مع روسيا.

حاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منذ بدء ولايته الثانية، أن يلعب دور الوسيط بين الطرفين، غير أن مبادرته لوقف إطلاق النار والتفاوض اصطدمت بجدار من المطالب المتصلبة من الطرفين غير قابلة للتحقيق، وانعدام الاستعداد للتنازل من أي منهما. ثم جاءت الحرب على إيران في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي لتُلقي بثقل ظلالها على المشهد برمَّته، فأدار الرئيس ترمب ظهره لملف التفاوض، وانغمس في تداعيات الأزمة الإيرانية المتصاعدة.

تبدو الصورة قاتمة للمراقب على أكثر من صعيد؛ إذ تحولت الحرب من معارك الجبهات إلى حرب استنزاف، وحالياً إلى قصف المدن. وأصبحت المُسيَّرات الأوكرانية وكذلك الروسية تطول موسكو وكييف، وتُلحق أضراراً بالأرواح والممتلكات، مما يُعمِّق التعقيد ويُطيل أمد النزاع.

في هذا المناخ المضطرب، قررت رئاسة الاتحاد الأوروبي أن تُحرِّك ساكناً، مُعلنة رغبتها في فتح قناة تفاوضية مع موسكو، على أمل اختراق الجمود الذي أحكم قبضته على المشهد. ورحَّبت موسكو بالفكرة.

وحسب تقاريرَ إعلامية بريطانية، يعقد وزراء خارجية دول الاتحاد اجتماعاً هذا الأسبوع في قبرص، يتصدر جدول أعماله التفاوضُ مع روسيا. وقد سبق الاجتماعَ نقاشٌ مستفيض في العواصم الأوروبية حول الشخصية المناسبة لتمثيل بروكسل في موسكو، في ظل اشتراط روسي صريح بألا يكون الممثل الأوروبي القادم إلى موسكو قد أدلى سابقاً بتصريحات عدائية تجاه روسيا.

هذا الشرط أسقط من الحسابات أكثر من مرشح، في مقدمتهم الرئيس الفنلندي الحالي والسابق. وبعد اعتذار المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، رجحت كفة الاختيار نحو رئيس البنك المركزي الأوروبي ورئيس وزراء إيطاليا الأسبق ماريو دراغي. وعلى الرغم من أن دراغي كان من أشد المدافعين عن دعم أوكرانيا، فإن موسكو لم تُبدِ حتى الآن اعتراضاً صريحاً على ترشيحه.

السؤال المهم الذي يشغل المحللين، ليس: «من يذهب إلى موسكو؟»؛ بل «بماذا سيذهب؟». فالتفاوض مع روسيا لم يكن يوماً ضمن أولويات الاتحاد الأوروبي الذي التزم طويلاً دعمَ أوكرانيا، عسكرياً وسياسياً ومالياً، وتمكينها من استعادة أراضيها، وحرمان موسكو من التوسع غرباً. وحين أعاد الرئيس ترمب رسم خريطة التوازنات اتَّضح ميله نحو الموقف الروسي، وبالتالي وجد الأوروبيون أنفسهم في موقف دفاعي، جعلهم يسعون لإقناعه بعدم التخلي عن أوكرانيا، مستشعرين القلق من أن تمارَس ضغوط عليها لقبول شروط مجحفة.

التحرك الأوروبي الراهن يجري بتنسيق مع واشنطن وكييف اللتين منحتا موافقتهما، وإن كانت واشنطن تشكك في جدوى هذا المسار. في المقابل، تُصرُّ كييف منذ البداية على أن يكون الاتحاد الأوروبي شريكاً في أي مفاوضات مقبلة، خشية أن تُفضي المفاوضات الثنائية مع واشنطن إلى تسوية لا تأخذ مصالحها بعين الاعتبار.

وفي المحصلة، يقول مثلٌ إنجليزي: «لا تقل لا مطلقاً». فالسياسة تقودها المصالح، والحروب على اختلافها تنتهي بالتفاوض. ومصالح الأطراف المتورطة في النزاع تقتضي وقف حرب قاربت على نهاية عامها الخامس من دون توقف، ومن دون حسم عسكري يضع نهاية لها. لذلك، يبقى المشهد مفتوحاً على كل الاحتمالات. اتفاق الدول الأوروبية على ممثل لها للذهاب إلى موسكو -إن حدث- لا يعني أن وصوله سيقابل بفتح الأبواب ترحيباً، ثم عودته منها إلى بروكسل محمَّلاً بما لم يفلح الرئيس ترمب في تحقيقه.