في إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء الماضي، إيقافه عودة الهجوم على إيران بعد الوساطة السعودية والقطرية والإماراتية، تبدو المرحلة الحالية هي محاولة لإعطاء الدبلوماسية وقتها الكافي؛ لأنه من دروس التاريخ أن أغلب المعارك لم تُحسم بالقوة وحدها، بل تنتهي دائماً عند الدبلوماسية والمفاوضات على الطاولة.
ولذلك نجد أنه في الحروب الأخيرة، وخلال الـ60 عاماً الماضية، أثبتت التجارب أن القوة العسكرية تستطيع إنهاك الخصم وربما تغير واقعاً، لكنها لا تستطيع دائماً فرض الإرادة السياسية، ولذلك فإن إعلان ترمب وقف عودة الهجوم على إيران لا يبدو تردداً في شن الحرب بقدر ما هو فتح نافذة أمام الوساطات للوصول إلى حل.
والحروب عادة لا تكون مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل تفتح أبواباً على احتمالات لا يمكن التحكم بنهاياتها، ولذلك قرار الحرب ليس كقرار إنهائها، وما هو أصعب من إطلاق الصواريخ هو السيطرة على تداعياتها السياسية والاقتصادية والأمنية، ولهذا كانت الرياض وأبوظبي والدوحة تتحرك في المساحة الأكثر حساسية، وهي مساحة منع الانفجار قبل وقوعه، لا الاكتفاء بمحاولة احتوائه بعد أن يشتعل.
كما أن زيارة وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى إيران للمرة الثالثة خلال أسبوع، دليل على أن هناك مفاوضات شديدة الحساسية، ومع هذا فهي مستمرة وتتجاوز العقبات، وحديث نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بأن المحادثات مع إيران تحرز تقدماً جيداً، مع التأكيد في الوقت نفسه على جاهزية واشنطن لاستئناف العمليات العسكرية إذا فشلت المفاوضات، يكشف عن طبيعة المرحلة الحالية؛ وهي ضغط عسكري من جهة، وفتح باب سياسي من جهة أخرى.
لذلك يدرك الرئيس ترمب أنه على الرغم من لغته الحادة أحياناً، فإن المنطقة ليست ساحة يمكن إدارتها بمنطق «الضربة السريعة ثم الانسحاب»، ولذلك فإن وقف عودة الهجوم لا يبدو تراجعاً بقدر ما هو اعتراف بأن هناك نافذة يجب أن تمنح للدبلوماسية قبل أن تعود الصواريخ مجدداً.
وفي خضم هذا الحراك الدولي، فإن ما حدث يكشف عن حجم التحول في الدور السعودي والخليجي، فالسعودية مع دول الخليج لم تعد مجرد ساحات تتلقى نتائج الصراعات الدولية، بل أصبحت لاعباً سياسياً يحاول منع تلك الصراعات من الانفجار، والسعودية تحديداً تدرك أن استقرار المنطقة ليس أمراً ضرورياً وحيوياً للعالم فحسب، بل تراه ضرورة استراتيجية مرتبطة بالاقتصاد والطاقة والتنمية ومستقبل المنطقة بأكملها.
ولذلك، فإن الرهان على الوساطات لم يكن ضعفاً ولا تهاوناً، بل قراءة عميقة لدروس التاريخ، ومعرفة أن الحروب الطويلة تستنزف الجميع، وحتى المنتصر يخرج منها مثقلاً بالخسائر، أما الدول التي تستطيع إبقاء خطوط الحوار مفتوحة، فهي غالباً التي تنجح في حماية مصالحها على المدى البعيد.
العالم اليوم لا يعيش مرحلة تسمح بحروب مفتوحة بلا سقف؛ فالاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة أكثر حساسية، وأي شرارة في الخليج يمكن أن تمتد آثارها إلى العواصم الكبرى قبل أن تصل إلى أطراف المنطقة، ولهذا تبدو الدبلوماسية اليوم أكثر من مجرد خيار سياسي، بل إنها أداة لحماية العالم من فوضى جديدة.
