د. محمد النغيمش
كاتب كويتي مختص في علوم الإدارة. خبرة طويلة في قطاع الاستثمار. وعضو مجالس إدارة عشرات الشركات في قطاعات عدة منها الاستثمار والعقار والصناعة والتعليم والتأمين، كثير منها مدرجة بالبورصة. عمل مستشارا لوزراء وشركات. أمضى نحو ثلاثة عقود في الكتابة منها في صحيفة «القبس» و«النهار»اللبنانية و«مجلة الرجل»، ويكتب لـ«الشرق الأوسط»اللندنية منذ 2009. حاصل على الدكتوراه في القيادة من جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة. ألف عدداً من الكتب آخرها «عقلية الإسفنجة».
TT

عالمٌ تحكمه «النسبة»

استمع إلى المقالة

كل ما يخرج من المطبخ نسبة... نسميها مجازاً «نَفَسْ» الطاهي. فإذا طغت التوابل أو السوائل فسدت أطباق المائدة، كما يُفسِد الماءُ الخلَّ. ولذلك يتكوّن الكابتشينو غالباً من «أثلاث» متساوية: إسبريسو، وحليب، ورغوة، أما «غريمه» اللاتيه فيحتوي معظمه على الحليب. هذه النسبة هي التي تبرر ارتفاع أسعار عديدة من كل شيء بعضها مستحق، وبعضها خدعة تسويقية أو محاولة لتمرير تداعيات أزمة إلى جيب العميل.

الحياة قائمة على النسب. فإذا طغى إكسير الحياة (الأوكسجين) ضاقت به الرئة وأبداننا. وكذلك تناول فيتامين «دال» يمكن أن يُسمّم الإنسان عند تناوله بجرعات كبيرة. مثل كل الجرعات. والكأس التي تجرعها سقراط من عصارة نبات «الشوكران» كانت كافية لقتله وسط بكاء تلامذته. اختار له القاضي ما يُسمى في عصرنا «الموت الرحيم»، لكن كثيرين نجوا من جرعات لم تحمل النسبة الكافية للفتك بهم.

تعلمنا في علم الاحتمالات، أن من يجري بعشر بيضات في سلة واحدة قد يخسرها كلها بلحظة... أما من يحمل نصفها، فقد خفّض احتمال الخسارة بنسبة 50 في المائة. هنا ولدت الحكمة: «لا تضع بيضك كله في سلة واحدة». ولذلك أعجبني الرئيس التنفيذي لشركة مدرجة عندما رفض أن تكون احتفالية اليوم المفتوح على ظهر أحد اليخوت البحرية؛ خشية أن يقع مكروه فيخسر جُل كوادره. ويُروى أن الرئيس الأميركي ونائبه لا يسافران معاً في طائرة واحدة للسبب ذاته.

تتعاظم مخاوف خدمة العملاء عندما تتردد الشكوى من غالبية الناس. والغالبية مؤشر لا يخلو منه دستور ولا برلمان ولا لجنة؛ لأنها نسبة رقمية تحسم النقاش والقرارات. ومع ذلك، فالغالبية قد تكون أقل عقلانية أحياناً.

آلية اتخاذ القرارات في الأصل محاولة استمزاج آراء جميع الأطراف مهما كانت حديتها للوصول إلى القرار الرشيد. الرأي المخالف مهم لأنه يلفتنا إلى زوايا خافية. الآراء المعارضة صحية. غير أنه إذا طغت نسبة المعارضة وتجاوزت حد الاتزان قد تدب الفوضى والغوغائية. في القيادة هناك محطات حسم لتصل السفينة إلى بر الأمان.

الدول التي تتربّع على عرش مجموعة العشرين، تمثل نحو 85 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي، ويعيش فيها قرابة ثلثي سكان المعمورة، ويمثلون ثلاثة أرباع حجم التجارة العالمية. ولذلك يحق لهم الاجتماع لمناقشة القضايا المالية والاقتصادية والاجتماعية لأنهم النسبة الأكبر والأثقل.

الكرة الأرضية نفسها قامت على النسبة؛ إذ تشكل اليابسة ثلثها، بينما يغطي الماء ما تبقى منها. والمثير للتأمل أن تكرار كلمتي «البَر» و«البحر» ومرادفاتهما في القرآن الكريم جاء متقارباً مع هذه النسبة (13 إلى 32 مرة). وكأن العالم منذ خَلقه محكومٌ بدقة النِّسب واتزانها.