د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

كوبا في مرمى العين الأميركية

استمع إلى المقالة

كوبا، أكبر دول البحر الكاريبي من حيث المساحة، هي عبارة عن أرخبيل من الجزر الواقعة شمال البحر الكاريبي الفاصل ما بين أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية، عند التقاء المكسيك مع المحيط الأطلسي.

تشير التطوّرات في أوائل عام 2026 إلى أن العين الأميركية معلقة على هافانا كملف رئيسي، حيث اتّهمت إدارة ترمب كوبا بمساعدة روسيا في أوكرانيا عبر إرسال مقاتلين إليها، ما يبرّر تكثيف الضغوط. ومطلع هذا العام أخذ يشهد تصعيداً كبيراً من قِبل الإدارة الأميركية بضغط شديد على الاقتصاد الكوبي، وذلك بفرض رسوم جمركية على الدول التي تزوّد كوبا بالنفط بهدف وقف الإمدادات الحيوية، ما يفاقم الوضع الإنساني والاقتصادي مسبّباً في الجزيرة الكوبية أزمة طاقة حادّة ونقصاً في السّلع الأساسية، وسط مساعٍ أميركية لإحداث تغيير سياسي.

لذلك تتّسم العلاقات الدبلوماسية الحديثة بين الولايات المتحدة وكوبا بالبرود نتيجة الصراع التاريخي واختلاف الآيديولوجيات السياسية. وقد استأنفت الدولتان أميركا وكوبا العلاقات الدبلوماسية في 20 يوليو (تموز) 2015، بعد انقطاعها عام 1961. حيث بدأت فترة التوتر والعداء الشديد مع الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وكوبا في أوائل ستينات القرن الماضي بعد ثورة فيدل كاسترو عام 1959، وشهدت ذروتها خلال أزمة الصواريخ النووية السوفياتية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1962 في عهد الرئيس جون إف كينيدي. استمرت التوترات لأكثر من نصف قرن، بدءاً بغزو خليج الخنازير عام 1961 حتى تطبيع العلاقات في 2015 خلال عهد الرئيس باراك أوباما.

اتّهم الرئيس الكوبي ميغال دياز كانيل الرئيس ترمب بالسعي إلى خنق اقتصاد الجزيرة بفرض رسوم جديدة على الدول التي تزوّد هافانا بالنفط بشكل مباشر أو غير مباشر، حيث كانت كوبا تستورد معظم نفطها من فنزويلا خلال عهد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي كان أقوى حليف لكوبا في حقبة ما بعد الاتحاد السوفياتي.

بعد اعتقال الرئيس الفنزويلي، أعلن الرئيس ترمب السيطرة على قطاع النفط الفنزويلي، وقرّر وقف شحنات النفط إلى كوبا، محدثاً أسوأ أزمة اقتصادية وحصاراً اقتصادياً شاملاً (تجارياً ومالياً) مرّ بها الشعب الكوبي منذ أكثر من 6 عقود، نتج عنها انقطاع للتيّار الكهربائي إلى 20 ساعة أو أكثر في اليوم، ونقص في الغذاء والدواء، في وقت ما زالت فيه المكسيك تزوّد كوبا بالنفط، وقد حذّرت رئيستها كلوديا شينباوم من أنّ فرض واشنطن رسوماً تجارية على الدول المصدّرة للنفط يُنذر بأزمة واسعة النّطاق تؤثّر بشكل مباشر على الإمدادات الغذائية والخدمات الأساسية الأخرى والمستشفيات والعمليات الجراحية... للشعب الكوبي الذي هو بأمسّ الحاجة إليها.

اتّهم الرئيس ترمب الحكومة الكوبية بدعم قوى أجنبية معادية وجماعات مسلّحة عابرة للحدود، من بينها روسيا والصين وإيران وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وغيرها. كما زعم الأمر التنفيذي لحالة الطوارئ وفرض الرسوم أن كوبا تستضيف قدرات أجنبية متقدمة، وأكبر منشأة روسية لاستخبارات الإشارات خارج الأراضي الروسية، وتوسّع تعاونها الدفاعي والاستخباري مع الصين.

وفي هذا السياق، لم تكن رغبة الولايات المتحدة في غزو كوبا أو السيطرة عليها وضمّها فكرة جديدة. فالتاريخ الطويل بينهما يلقي الضوء على المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإنجاز ذلك، حيث تمحورت العلاقات في أوائل القرن التاسع عشر حول التجارة الواسعة، قبل أن تتّضح الصورة بشكل واضح وصريح بضمّ كوبا إليها. إما بشرائها أو بشكل ودّي أو الاستيلاء عليها بقوة عسكرية.

اتّسمت العلاقات الأميركية الكوبية في عهد فيدل كاسترو (1959-2005) بالعداء الشديد والقطيعة الدبلوماسية. أضف إلى ذلك تأميم كوبا للأصول الأميركية، وتحالفها مع الاتحاد السوفياتي، وفرض واشنطن حصاراً اقتصادياً شاملاً عام 1962. حقبة مرّت خلالها محاولات أميركية لإطاحة كاسترو مثل غزو خليج الخنازير وأزمة الصواريخ النووية الروسية التي كادت تؤدي إلى حرب بين دولتين نوويتين عظميين (أميركا وروسيا).

في عهد الرئيس باراك أوباما (2014-2016) انتعش الاقتصاد الكوبي بعد حدوث انفراجات واسعة تميّزت بتخفيف قيود السفر والتحويلات المالية، وتنشيط قطاع السياحة، وزيادة رحلات الطيران والسيّاح الأميركيين، وبالرغم من رفع كوبا عن قائمة الدول الراعية للإرهاب، استمر الحظر على الجزيرة. وتميّز عهده بزيارة أوباما إلى كوبا في 20 و21 مارس (آذار) عام 2016.

أما في عهد الرئيس ترمب الأول (2017-2021) فقد شهد الاقتصاد الكوبي حظراً اقتصادياً وعقوبات مشدّدة، وخنق قطاع الطاقة والخدمات، وتقييد السفر والتحويلات المالية، والأهم إدراج كوبا في قائمة الإرهاب مجدّداً. أما الآن فالأمر في تفاقم.