مقولة إنَّ «المجتمعات المتقدِّمة تدعمُ الفاشلَ حتى ينجح» مضللةٌ، والواقعُ يقول عكسها. المجتمعات المتخلفة هي التي تدعم الفاشلَ حتى ينجحَ في تحقيق ما لا يستحق. المعيار هو نوعُ المحفِّزات داخل المجتمع. هناك مؤسساتٌ وأنظمة تكافئ الكفاءة، وتستوعب التعثر الطارئ. وأخرى تدعم الفشل، لا رحمة بالفاشل، ولكن خدمة لشبكات المصالح المنسوجة به.
في تلك المجتمعات، لن تكون سياسات دعم الفشل معلنة، لكنَّها السلوكُ اليومي. الواسطة والمحاباة مثلاً دعم للفاشل، لكنَّها تُمرَّر تحت عناوين بريئة مثل «أبناء العاملين» أو «الخدوم الذي لا يرد طلباً لقريب». ثم يستشري هذا في المجالات كافة، من القضاء إلى الفنون إلى التدريس الجامعي، ومن الطب إلى الإعلام إلى المؤسسات التنفيذية، كل يرفع العنوان الذي يناسبه.
بوصول غير المستحقين إلى مواقع قيادية تكتمل الحلقة. لن يسمحوا بمرور مَن يعلوهم كفاءةً، ولن يملكوا العين التي تدرك الموهبة، وسيرسخون ثقافة «مش فارقة». وهي ثقافة تشيع أنَّ المهمة مجرد واجب يُؤدَّى، وأي شخص قادر على تنفيذها ما دام «مخلصاً». فينحرف التقييم من المهارة إلى النوايا، ومن البراعة إلى الرغبة، ومن الكفاءة إلى الثقة. ومن ثم فالأقربون أولى بالمعروف.
في كثير من الحالات تتلقَّى هذه المفاهيم دفعةً أكبر إن كان صاحب القرار لا يدفع ثمنَه من جيبه، بل يدير مالاً عاماً. عندها قد تكون القرارات السيئة أكثرَ فائدة له من الجيدة، لا بمعيار النتائج الرقمية، بل بمعيار ما تُحقِّقه له من مكاسب خفية، في الصيت الاجتماعي، وفي تبادل الخدمات، وفي تثبيت الوضع داخل مؤسسته.
إشاعة أنَّ المجتمعات المُتقدِّمة تدعم الفاشل لم تأتِ من فراغ. هي ترجمة مُشوَّهة لفكرة مختلفة تماماً تتعلَّق بشبكات الأمان الاجتماعي والسياسات التحفيزية. وكلتاهما غرضه التشجيع على المخاطرة، والمساهمة المجتمعية، بوعد الإقالة من العثرات الطارئة. وحتى هذه السياسات ليست محل إجماع، بل تُنتَقد على نطاق واسع إن تسببت في تشجيع البطالة والاتكال على العطايا.
كما أنَّ المقولة نتيجة خلط في فهم أدبيات التنمية الذاتية عن عدم الاستسلام للفشل، أو عن كون الفشل خطوةً في طريق النجاح. وهي مفاهيم تتعلَّق بالتعثُّر المحتمل في حياة شخص يحاول، وعن التعلم من التجارب، والإصرار والمثابرة والدأب.
إن أردت فعلاً الاستفادة من خبرة المجتمعات المُتقدِّمة، وأن تزيد فرص النجاح، فإنَّ الطريق الصحيح هو الانفتاح وفتح مسارات التجربة. فإن فشل الشخص في أحدها وجد النجاح في غيره. إن لم يكن التعليم الأكاديمي فلتكن المهارات اليدوية، أو الفنون، أو الرياضة، أو الخدمات. وهناك أيضاً المسار العادي، بلا نجاح لافت ولا فشل قاتل، وهو مصير الأغلبية من البشر في النطاق المهني، وجزء طبيعي من بنية مجتمع صحي.
ادعم الجميع بسياسات منفتحة، تنافسية، خلاقة للأنشطة، مشجعة للتجربة، تذلل العقبات، ولا تزاحم فيها الحكومة الأفراد. أمَّا دعم الفاشل فهدرٌ للجهد، وتضييعٌ للمعيارية.
