حراك سياسي متصاعد لإحياء مسار المصالحة الليبية

ضم رموزاً من نظام القذافي و«ثورة فبراير»

من اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)
من اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)
TT

حراك سياسي متصاعد لإحياء مسار المصالحة الليبية

من اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)
من اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)

شهد المشهد السياسي الليبي خلال الأسابيع الأخيرة حراكاً متصاعداً، تمثل في سلسلة لقاءات جمعت شخصيات وأحزاباً من اتجاهات متباينة، بينها أطراف خاضت صراعات سابقة، في محاولة لإحياء مسار المصالحة الوطنية المتعثر منذ سنوات، فيما تُرجّح مصادر سياسية استمرار هذه اللقاءات خلال الفترة المقبلة، تمهيداً لإطلاق حوار وطني شامل برعاية الأمم المتحدة قبل نهاية العام الحالي.

لقاءات لمحاولات التقارب

في هذا الإطار شهدت القاهرة مؤخراً لقاءً جمع عدداً من رموز نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وشخصيات من «ثورة فبراير» 2011، في خطوة وُصفت بأنها امتداد لمحاولات التقارب بين مختلف المكونات الليبية. وأكدت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» صحة الأنباء عن عقد اجتماع ضمّ فتحي باشاغا، رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان سابقاً، وأحمد قذاف الدم، المسؤول السياسي لجبهة النضال الوطني الليبية، بحضور أسعد زهيو، رئيس الاتحاد الوطني للأحزاب الليبية.

فتحي باشاغا رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان سابقاً (الشرق الأوسط)

وأفاد مصدر قريب من اللقاءات - فضّل عدم ذكر اسمه - بأن «الاجتماع الذي عقد قبل أسبوع في القاهرة، ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير»، وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التحركات السياسية «ذات طابع شخصي بحت، ولا ترتبط بأي جهة رسمية»، مبرزاً أن الهدف منها «تقريب وجهات النظر بين الأطراف، وإن كانت النتائج تحتاج إلى بعض الوقت، بالنظر إلى عمق الأزمة الممتدة منذ أكثر من عقد».

وتحفّظ باشاغا المحسوب على «ثورة فبراير» عن التعليق على هذا الاجتماع، فيما أكد أحمد قذاف الدم، أحد رموز النظام السابق، مشاركته، مشيراً إلى أن ما يُثار حول لقاءاته مع أطراف ليبية «أمر طبيعي وغير مستغرب».

وأوضح قذاف الدم أنه يؤمن بـ«الحوار مع جميع المكونات منذ سبعينات القرن الماضي»، وأن التواصل بين الليبيين «لم ينقطع حتى بعد أحداث 2011 وتدخل (الناتو)». ودعا إلى «كلمة سواء تجمع الجميع قبل فوات الأوان»، محذراً من أن استمرار الانقسام قد يقود البلاد إلى ما هو «أخطر».

محاولات إحياء الزخم الدولي

يبدو أن دول الجوار أصبحت محطة رئيسية لاحتضان اللقاءات بين الشخصيات السياسية والحزبية الليبية، إذ سبق اجتماع القاهرة لقاءٌ آخر عُقد في تونس خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، نظمه فريق «صنّاع السلام» (غير حكومي)، بحضور ممثل عن بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

لقاء بين رئيس حزب «ليبيا الكرامة» وقيادي في «الحزب الديمقراطي» (الصفحة الرسمية لحزب ليبيا الكرامة)

وأوصى المشاركون حينها بوضع «خريطة طريق» للحوار الوطني، وبناء ضمانات دستورية تكفل مشاركة شاملة، وتؤسس لاستقرار سياسي مستدام، في خطوة عُدّت تمهيداً لإحياء الزخم الدولي الداعم للمسار السياسي في ليبيا.

وقال رئيس مؤسسة «صُنّاع السلام»، مصعب القائد، لـ«الشرق الأوسط» إن الأطراف السياسية الليبية تكثّف لقاءاتها حالياً بهدف «تقريب وجهات النظر وبناء جسور للتقارب، بعد حالة السأم من الصراع والانقسام»، مؤكداً تنامي الرغبة في «الخروج من المأزق السياسي، والانطلاق نحو منافسة وتعاون لبناء الدولة».

وكشف القائد عن نية المؤسسة تنظيم حوار وطني جديد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، معرباً عن أمله في «مشاركة دول الجوار، ولو بشكل غير رسمي، عبر ممثلين عنها».

اجتماع سياسيين وقادة أحزاب ليبية في تونس (الصفحة الرسمية لفريق صناع السلام)

لكن لم تَغِب هذه الاجتماعات عن دائرة الانتقادات، التي عبّر عنها نشطاء ومنصات ليبية معنية بالشأن السياسي، إذ رأى البعض أن تعدد المبادرات «يُربك المشهد»، بل ذهب البعض إلى عدّها غير ذات جدوى في ظل تعقيد الأزمة، فيما عدّ مؤيدوها أنها «تجسد حراكاً وطنياً إيجابياً ينعش المسار السياسي، ويعيد الأمل في التقارب الوطني».

محاولة إفشال فرص التقارب

اتهم أسعد زهيو ما سمّاها «جهات ليبية متنفذة»، و«شبكات إعلامية مشبوهة» بمحاولة إفشال أي جهد وطني خالص، عبر حملات «تضليل وتلفيق» تستهدف ضرب فرص التقارب بين المكونات الوطنية. ودعا إلى «وعي شعبي قادر على كسر حلقة الفوضى، وفرض مسار وطني مستقل»، مؤكداً أن «الليبيين باتوا أكثر استعداداً من أي وقت مضى لطي صفحة الماضي».

لكن موسى إبراهيم، وهو آخر متحدث رسمي باسم النظام الليبي السابق، دعا إلى إطلاق حوار «ليبي - ليبي» داخل البلاد من دون تدخل أجنبي، وأكد أنه «السبيل الوحيد لإنقاذ ليبيا»، لافتاً إلى ضرورة بناء «مرجعية سياسية جديدة من الداخل»، تنبع من الإرادة الوطنية بعيداً عن الوصاية الخارجية.

يأتي ذلك وسط ترقب الأوساط السياسية الليبية لـ«حوار مهيكل»، من المقرر أن ترعاه بعثة الأمم المتحدة، ويوفر منصة تشاورية شاملة لجميع مكونات المجتمع الليبي، وفقاً لخريطة الطريق التي طرحتها المبعوثة الأممية هانا تيتيه صيف هذا العام.

الرئيس الراحل معمر القذافي (متداولة)

والملاحظ أيضاً أن الداخل الليبي لم يكن بعيداً عن مساعي مدّ جسور الثقة بين الخصوم، إذ شهدت مدينة بنغازي لقاءً جمع رئيس حزب «ليبيا الكرامة»، الدكتور يوسف الفارسي، المقرب من القيادة العامة للجيش الوطني الليبي، مع قيادات من الحزب «الديمقراطي»، يتقدمهم صالح المسماري، وهو الحزب الذي يترأسه محمد صوان.

وتكتسب هذه الخطوة رمزيتها من كون صوان يعد من أبرز الشخصيات، التي مثّلت تيار الإسلام السياسي خلال العقد الماضي، قبل أن يبتعد عن قيادة حزبه السابق، ويتجه إلى تأسيس حزب مدني جديد.

وأبدى الفارسي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» حماسه لهذه اللقاءات، مؤكداً أن الخلافات في ليبيا «سياسية على مشاريع وليست شخصية»، مشيراً إلى أن اللقاء «يأتي في إطار الأخوة الليبية الجامعة»، وأن العملية السياسية «يجب أن تجمع الجميع حول برنامج وطني موحد».

وأضاف رئيس «ليبيا الكرامة» أن هناك زخماً دولياً متصاعداً لدفع الحوار المهيكل بين القوى الليبية، معرباً عن تفاؤله بأن «ليبيا تعود تدريجياً إلى دائرة الاهتمام الدولي، بعد سنوات من التجاهل والانقسام».

ويرى مراقبون أن وتيرة اللقاءات الأخيرة، رغم طابعها غير الرسمي، تشير إلى تحوّل تدريجي في المزاج السياسي الليبي نحو التهدئة والانفتاح على الحوار، وسط اقتناع متنامٍ لدى الفرقاء بأن استمرار الصراع لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة، وأن التوافق الوطني قد يكون المدخل الوحيد لتجاوز الانسداد المزمن في العملية السياسية.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

شمال افريقيا جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس إن أزمة اللاعبين الخمسة المسجونين في إيطاليا تنتظر موافقة روما على طلبات نقلهم إلى ليبيا، لاستكمال مدة محكوميتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع صدام حفتر وخوري في القيادة العامة للجيش (القيادة العامة)

ترحيب أممي بـ«خطوة مشتركة» نحو توحيد الجيش الليبي

رحبت البعثة الأممية لدى ليبيا بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة «3+3».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قال المصرف المركزي الليبي إن عيسى استعرض مع مسؤولين أميركيين في واشنطن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي خلال ترؤسه اجتماعاً عسكرياً موسعاً في طرابلس (مكتب المنفي)

انقسام مسلحي غرب ليبيا حيال «مبادرة بولس» لتوحيد الجيش والحكومة

بدت التشكيلات المسلحة الموالية لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية والمعارضة له في حالة ما بين «الاستنفار والغضب» منذ مناورة «فلينتلوك 2026».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.