تلوح في أفق الأزمة السياسية الليبية المعقّدة ملامح قد تساعد على تحريك الملف العسكري، بما يسهم في توحيد الجيش المنقسم منذ الإطاحة بالرئيس الراحل معمر القذافي عام 2011، وذلك رغم اعتراضات كتائب مسلحة بغرب البلاد، وتوترات اكتنفت محاولة تغييرات عسكرية بغرب البلاد.
ويرصد مراقبون للشأن الليبي ملامح تقارب بين قطبي المؤسسة العسكرية في أعقاب مشاركتهما في تمرين (فلينتلوك 2026)، الذي أقيم بمدينة سرت، الأربعاء الماضي، تحت إشراف أميركي. وقد أسفر هذا التنسيق عن تأسيس غرفة عسكرية مشتركة، بصيغة (3+3) للمرة الأولى، لتتولى مهام أمنية وميدانية تشمل كافة أنحاء البلاد.
ووسط تباينات وتوترات في غرب ليبيا، رحبت البعثة الأممية بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة»، كما شددت على «ضرورة الاستفادة من هذا الزخم لتوحيد المؤسسات السياسية، وتجديد شرعيتها من خلال إجراء انتخابات حرة وذات مصداقية».

وأجرت نائبة رئيس البعثة الأممية، ستيفاني خوري، زيارة إلى القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» في بنغازي، مساء الخميس، عقدت خلالها محادثات مع نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول صدام حفتر، ومستشار الأمن القومي عبد الرازق الناظوري.
وقالت القيادة العامة إن خوري «أثنت على الجهود التي تبذلها القيادة العامة في إطار تنسيق العمل المشترك بين أبناء المؤسسة العسكرية؛ والتي تُوّجت بتشكيل لجنة (3+3) لإنشاء غرفة عمليات مشتركة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة على كامل التراب الليبي»، مبرزة أن اللقاء الذي استعرض آخر المستجدات المتعلقة بالملفّين السياسي والاقتصادي، تطرق لما تم الاتفاق عليه بشأن «الإنفاق الموحّد».

وكان صدام قد استبق انطلاق التمرين العسكري، وقال إن استضافة ليبيا لهذا الحدث الدولي «تشكل برهاناً على قدرة الشباب الليبي على التوحد، وتجسيداً لمدى مهنية واحترافية منتسبي المؤسسة العسكرية»، كما عدّه «فرصة سانحة لتعزيز التنسيق الدولي، ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود، ورفع الجاهزية القتالية، وتعزيز التنسيق بين البلدان الأفريقية المشاركة به».
وكانت قيادات عسكرية من غرب ليبيا وشرقها قد قطعت خطوات باتجاه توحيد الجيش المنقسم، عبر محادثات شهدت القاهرة جزءاً منها، قبل أن تتعطل لأسباب عدة، من بينها الاختلاف على من سيتولى القيادة العامة للجيش، وتراجع دور اللجنة العسكرية المشتركة «5+5».
وفي 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، اتهم خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للجيش، تنظيم «الإخوان» في ليبيا بـ«العمل قدر الإمكان على ألا يكون في ليبيا جيش؛ لأنه عندما تكون هناك مؤسسة عسكرية قوية فهذا لا يخدم مصالحها، وبالتالي ليس لها مكان داخل ليبيا».
وذهب خالد في حوار لقناة «الحدث الليبي» إلى أن «القوات المسلحة و(الإخوان) مستحيل أن يلتقيا في مكان واحد. كما أن المؤسسة العسكرية تتوحد مع ضباط وعسكريين نظاميين فقط».
ورحبت البعثة الأممية، مساء الخميس، بلقاء ممثلين عن المؤسسات الأمنية الليبية من الغرب والشرق للمشاركة في تمرين «فلينتلوك»، وقالت إنها تدعم «كافة الجهود الرامية إلى توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، باعتبار ذلك خطوة أساسية في بناء الدولة، وحضّت جميع الأطراف على مواصلة الجهود في هذا الصدد لاستكمال توحيد المؤسستين.

في المقابل، أبدت تشكيلات مسلحة بغرب ليبيا رفضها لأي تقارب مع جبهة شرق ليبيا، لا سيما بعد ظهور عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، بجوار صدام حفتر، على هامش «فلينتلوك 2026».
وكان «الجهاز الوطني للقوة المساندة» في طرابلس قد سارع بإعلان اعتراضه على «فلينتلوك 2026»، وقال، في بيان، إنه يتابع «بقلق بالغ» التحركات الأخيرة، التي تجري في «الغرف المظلمة»، وكذا المساعي الدولية التي وصفها بـ«المشبوهة»، بحسب قوله.
بموازاة هذه التحركات، ظهرت بوادر توتر في غرب ليبيا بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي، والفريق صلاح الدين النمروش رئيس الأركان العامة بغرب البلاد، سرعان ما تم احتواؤها، وذلك على خلفية ما تردد عن محاولة الأول تكليف آمر جديد للمنطقة العسكرية بالساحل الغربي. علماً بأن النمروش كان يتولى رئاسة المنطقة العسكرية بالساحل الغربي، قبل أن يكلف برئاسة الأركان العامة التابعة للمجلس الرئاسي.

في غضون ذلك، أكد «تجمع الساحل الغربي» التمسك التام بـ«وحدة الجيش الليبي»، مشدداً على «رفض أي مساس بالتنظيم العسكري والأمني الحالي في غرب ليبيا». كما أكد أن التغيير أو التعديل في هذه الهياكل «شأن خاضع للاختصاص الفني والقانوني فقط، بعيداً عن التجاذبات».
كما أعلن التجمع «دعمه الكامل للمبادرة، التي يرعاها النائب بالمجلس الرئاسي عبد الله اللافي، والمتمثلة في مساعي توحيد المنطقة الغربية»، معتبراً هذه الخطوة «حجر أساس لتعزيز السلم الأهلي»، ومؤكداً وقوفه ومساندته لرئاسة الأركان العامة في خطواتها الجادة لتنظيم الوحدات العسكرية في الساحل الغربي.
وانتهى «تجمع الساحل الغربي» مؤكداً أنه يدعم «تفعيل المنظومة الأمنية بشكل كامل»، و«فرض سيادة القانون وتأمين الساحل من أي خروقات».




