الطريق إلى الاتفاق النووي الإيراني النهائي.. أيام طويلة وأعصاب مشدودة

كيري تحدث مع نظرائه عن تجربته في فيتنام وعزمه منع حرب أخرى

وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
TT

الطريق إلى الاتفاق النووي الإيراني النهائي.. أيام طويلة وأعصاب مشدودة

وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري يتحدث مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف وحسين فريدون شقيق الرئيس الإيراني في فيينا قبل الإعلان الرسمي عن التوصل إلى الاتفاق النووي قبل يومين (رويترز)

في اليوم التاسع من مضمار المفاوضات النهائية حول البرنامج النووي الإيراني، كان الدبلوماسيون منهكين ومتضايقين.
وخلال اجتماع مع الوفد الأميركي، بدأ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في إلقاء خطاب مألوف على مسامع الحضور حول أن العقوبات الدولية كانت تشكل إهانة كبيرة لكرامة وسيادة بلاده، وذلك عندما تدخل وزير الخارجية الأميركي جون كيري بحزم ليقول: «ليست إيران هي الدولة الوحيدة ذات الكرامة».
وكان صباح الخامس من يوليو (تموز) الحالي، يوما صعبا حيث أصبح بعد ذلك «ماراثون» استمر 17 يوما وانتهى بعقد الاتفاق التاريخي مع إيران، وهو تتويج لجهود نحو عامين من المفاوضات المتعثرة في الفنادق وقاعات الاجتماعات عبر أوروبا وخارجها.
وكانت هناك أوقات يشعر فيها المشاركون بالتشجيع، وأوقات أخرى كانت المهمة تبدو مستحيلة مع بروز تهديدات بالانسحاب من الأمر برمته. وحينما بدأت اللعبة النهائية في فيينا في شهر يونيو (حزيران) الماضي، ولم يكن أحد من الدبلوماسيون على يقين من الوصول إلى خط النهاية.
وتستند أعمال هذين الأسبوعين الأخيرين على البيانات العلنية والمعلومات الإعلامية من جانب المشاركين من عدة وفود في فيينا ووفق التوصيفات المقدمة من قبل المسؤولين الأميركيين الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، لمناقشتهم الأحداث السياسية المهمة التي كانت تصاغ وتجري خلف الأبواب المغلقة.
ولم يكن الأمر جليا حتى ساعة متأخرة من يوم الاثنين الماضي حين أدركوا أنهم تمكنوا من إنجاز ما تعين عليهم إنجازه. وفي صبيحة الثلاثاء الماضي، حينما علموا أنهم حازوا الصفقة، اجتمع وزير الخارجية الإيراني ظريف للمرة الأخيرة مع كيري وشركاء الولايات المتحدة في المفاوضات من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي. ولقد طلبوا من أغلب مرافقيهم مغادرة قاعة الاجتماعات.
ونادرا ما غادر كيري وظريف، على وجه الخصوص، ذلك الفندق في فيينا، الذي شهد انعقاد محادثاتهما لأكثر من أسبوعين في حين كان العالم من حولهما يتجادل حول الجهود المبذولة. وكان كل منهما يعتزم العودة لوطنه ليتلقى مهمة جديدة وصعبة، إزاء عرض وبيع الصفقة الجديدة لسياسيين هناك، ومحاولة إقناعهم بجدواها.
وتحدث الدبلوماسيون، واحدا تلو الآخر، وفق الترتيب الأبجدي للأسماء، حول معنى ما أنجزوه وقدر التحديات المقبلة عليهم. وأما كيري، الذي تحدث أخيرا، فقد ناقش الفرصة الممنوحة لهم والحاجة العاجلة لإبرام وتنفيذ الاتفاق بفعالية لكي تتمتع بالمصداقية المطلوبة.
وفي نهاية المطاف، تحدث كيري عن سفره إلى فيتنام عندما كان عمره 22 عاما، والعود إلى الوطن، باعتقاد مفاده أنه ما من شاب يخوض مثل تلك التجارب الكبيرة، ما لم تكن الدول قد استنفدت بالفعل كل السبل الأخرى للحيلولة دون وقوع الحرب. ولقد أمسك عن الحديث قليلا، في الوقت الذي بدا فيه التأثر الواضح على كثير من المشاركين، حسبما أفاد اثنان من المسؤولين اللذين كانا حاضرين. وبدأ الدبلوماسيون في التصفيق.
وتواصلت المحادثات بين الخبراء التقنيين ونوابهم بشكل مستمر تقريبا منذ شهور، وفي جهود لتغطية الثغرات في الإطار الكبير للاتفاق المحتمل الذي وافق عليه الوزراء في أوائل أبريل (نيسان) الماضي. غير أن أكثر الأسئلة النهائية صعبة لا يمكن الإجابة عليها إلا من خلال كبار الدبلوماسيين من الدول المتفاوضة.
وفي أواخر يونيو الماضي، كانوا جميعا يواجهون الكثير من المواعيد النهائية. وكانت الاتفاقية المؤقتة المبرمة في أواخر عام 2013، والتي قضت بتجميد برنامج إيران النووي في مقابل الإفراج عن جزء صغير من الأموال الإيرانية المحتجزة وفقا للعقوبات الدولية، لتشهد نفاد تاريخ صلاحيتها بحلول نهاية الشهر الحالي. وفي واشنطن، طالب الكونغرس بتاريخ 9 يوليو بتحويل أية اتفاقية عليه أولا للتصديق عليها.
وسافر كيري إلى فيينا في وقت متأخر من الجمعة 26 يونيو الماضي، وكان لا يزال يعتمد على عكازين للمشي إثر حادثة الدراجة التي تعرض لها في 31 مايو (أيار) الماضي خارج جنيف. حيث كان قد عقد اجتماعا حول الموقف ليوم واحد فقط مع ظريف، وكان لزاما عليه استخدام رافعة ميكانيكية تنقله إلى باب طائرته الرسمية.
ولقد شرعوا في المحادثات الرسمية بعد وقت قصير من ظهيرة اليوم التالي.
وكان القرار قد اتخذ بالفعل حيال القضايا النووية الرئيسية - ستتخلى إيران عن أغلب مخزونها من اليورانيوم المخصب وتعمل على تقليص الإنتاج المستقبلي منه، مما يعني القضاء فعليا على احتمالية أن تعمل سريعا على تطوير أي سلاح نووي، وستوافق كذلك على عمليات التفتيش الدولية التدخلية.
وكان الجانب الآخر من الاتفاق - رفع العقوبات الدولية ضد إيران - ذلك الذي هيمن على غالبية المحادثات.
وفي مساء يوم الأحد، 28 يونيو الماضي، غادر ظريف إلى طهران ليوم واحد من التشاور مع القيادة الإيرانية. وعلى الرغم من ابتسامته ومزاحه أمام الجمهور، كان الأميركيون يعتبرونه مفاوضا شديد المراس، ومطلعًا جيدًا للغاية على أكثر التفاصيل غموضا، والخاصة بدورات الوقود النووي وقرارات الأمم المتحدة. ولكن مع صدور بيان علني رسمي شديد من طهران، أصيب البعض بحالة من عدم اليقين ما إذا كانت لدى ظريف السلطة الكافية لإبرام الاتفاق من عدمه.
وفي اليوم التالي، امتد الموعد النهائي المؤقت لأسبوع آخر.
ومع نهاية الأسبوع الأول، ومع مجيء وذهاب وزراء الخارجية بين الشركاء المفاوضين للولايات المتحدة - والمعروفين بصفة جمعية بدول مجموعة (5+1) - فقد اتفقوا على أن العقوبات الاقتصادية والمصرفية لن يتم رفعها ما لم تتحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن المواقع النووية الإيرانية المعلن عنها لا تستخدم إلا للأغراض المدنية من إنتاج الطاقة والنظائر المشعة الطبية. وعملية التحقق، المعروفة باسم «يوم التنفيذ»، قد لا تبدأ قبل شهور عقب إبرام الاتفاق ونفاذه.
وكما أنهم اتفقوا كذلك على إجراءات «الدخول المنظم» للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع النووية الإيرانية غير المعلن عنها والأماكن، ومن بينها المنشآت العسكرية، والتي يشتبه في إدارتها للأنشطة النووية السرية.
وقال أحد كبار المفاوضين الإيرانيين للمراسلين الأجانب: «ليس لدينا ما نخفيه».
وفي يوم 4 يوليو الحالي، عقد فندق كوبورغ بالاس، الذي تجري فيه المحادثات في حين يعسكر المئات من الصحافيين والمراسلين خارج أسواره، حفل عيد الاستقلال للوفد الأميركي المشارك والصحافيين الأميركيين المرافقين.
وأما كيري، والذي كان يرتدي قميصا وربطة عنق، فقد شارك في الاحتفالية وتناول شطائر الجبن باللحم المقدد. ولقد ألقى بخطاب قصير كان على ما يبدو موجها لدغدغة معنويات الخبراء الفنيين والموظفين الأميركيين الحاضرين والذين لم يرجع بعض منهم إلى الوطن منذ شهور.
وفي اليوم التالي، بدأت المحادثات في التعثر. في حين أصرت الولايات المتحدة وشركاؤها على الإجراءات الوقائية الموجبة للعودة إلى فرض حزمة العقوبات إذا ما انتهكت إيران التزاماتها حيال الجانب النووي من الاتفاق، طالبت إيران في ذات الأثناء بإجراء من شأنه تقديم الشكاوى إذا ما تعثرت دول مجموعة (5+1) في الوفاء بالتزاماتها.
وقال أحد الدبلوماسيين الإيرانيين إن «المهم هو المساواة».
وفي مساء يوم 5 يوليو، بعد جدالهما الصباحي حول الكرامة الوطنية، اجتمع كيري وظريف في غرفة صغيرة بالقرب من إحدى قاعات الطعام التي خصصها الفندق لوفود دول مجموعة (5+1)، (وكان الإيرانيون يتناولون الطعام في قاعة أخرى مستقلة). ولم يكن برفقتهما إلا أرنست مونيز وزير الطاقة الأميركي، وهو من علماء الفيزياء النووية، ونظيره الإيراني المدعو علي أكبر صالحي.
وروى أحد المسؤولين الأميركيين أن ظريف أراد إعادة التفاوض حول فترة مختلف القيود المفروضة على إيران في الاتفاق الجديد، وهو الطلب الذي رفضه الطرف الأميركي أو شعروا بأنها مسألة قد تم الاتفاق عليها وتجاوزها في الاتفاق الإطاري لشهر أبريل.
وقال المسؤول الأميركي: «كان كيري غاضبا. ودعوني أعيد صياغة ذلك لأقول، كان كيري مصرا على أن ذلك من شأنه أن يكون مشروعا محكوما عليه بالفشل من جانبه ومن جانب شركائه، كما أنه من غير الممكن إعادة التفاوض في بعض الأمور التي تم الاتفاق عليها بالفعل».
ومع ارتفاع أصواتهم، صارت المحادثات الداخلية مسموعة لأعضاء من الوفد الفرنسي الذين يتناولون طعامهم في القاعة المجاورة. ولقد انطلق أحد مساعدي كيري إلى داخل الغرفة، حيث يجتمع مع ظريف، ليخبره بضرورة الحديث بهدوء.
وفي مساء اليوم التالي، اجتمعت مجموعة كاملة من الوزراء مع الوفد الإيراني لعرض اقتراح يضم الكثير من المسائل العالقة، معتقدين أنه سيكون أمرا أكثر فعالية من مناقشتها بصورة مجزأة. وفي هذه المرة انفجر فيهم ظريف قائلا: «لا تهددوا الإيرانيين».
ومازحه سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي في محاولة منه لتهدئة الموقف قائلا: «أو الروس». إنه مجرد عرض، كما قال لظريف، وليس إنذارًا نهائيًا.
وقال أحد المسؤولين: «أدى الأمر لبعض مننا إلى القلق، أنه ربما هناك شيء آخر يجري. وربما أنه كان يخلص إلى عدم إمكانية حصوله على الموافقة على الاتفاق، أو ربما أن اتصالاته مع قيادته طلبا للإرشاد قد أعاقها عائق».
وإذا لم تكن مستعدا لإبرام الاتفاق، كما قال كيري لظريف، فإنه كان «على استعداد للعودة إلى الوطن».
وبعد مرور أكثر من ساعتين، تأجل الاجتماع. ثم اجتمعت دول مجموعة (5+1) منفردين في إحدى قاعات الطعام، من دون الموظفين المرافقين، لتقدير الموقف وأين يقفون. ولقد كانت أدنى نقطة في ماراثون المفاوضات حتى الآن، ثم ذهبوا إلى النوم من دون معرفة ما إذا كانت تلك النهاية أم لا.
ولكن في صباح اليوم التالي، الثلاثاء، 7 يوليو، ظهر ظريف في اجتماع وجها لوجه مع كيري وبحوزته استجابة شاملة على الاقتراح.
وقال المسؤول: «أيا كان ما حدث الليلة الماضية، فإننا تجاوزنا تلك المرحلة، وإننا الآن بصدد الحديث عن الجوهر».
وتم تنظيم اجتماع عبر شبكة الفيديو المؤمنة بين الرئيس أوباما وفريق الولايات المتحدة في مساء الأربعاء، 8 يوليو، في فيينا. ولقد التف الوفد الأميركي حول شاشة التلفاز في خيمة آمنة أقيمت خصيصا داخل إحدى الغرف بفندق كوبورغ.
وقال أحد كبار المسؤولين من واشنطن، متذكرا الاتفاق المعلق: «لقد كان كل شيء منظمًا ومرتبًا». وكانت النقاط العالقة الرئيسية، كما أفاد، تدور حول فترة قرار مجلس الأمن بالأمم المتحدة الذي سوف يصادق على الاتفاق ويضع له حدوده، وإدراج قرارات الحظر الحالية على المبيعات والمشتريات الإيرانية من الأسلحة التقليدية وتكنولوجيا الصواريخ الباليستية.
وقد أرادت الولايات المتحدة - المهتمة بشحنات الأسلحة الإيرانية إلى سوريا والجماعات الموالية لها في لبنان، واليمن وغيرها، وقررت عدم السماح لإيران بامتلاك القدرة على بناء الصواريخ طويلة المدى - الإبقاء على ذلك الحظر لأطول فترة ممكنة.
وكانت إيران قد دفعت منذ فترة طويلة بأن قرارات الحظر المذكورة ملحقة بالعقوبات الخاصة بالأسلحة النووية، وأنه ينبغي رفع قرارات الحظر اتساقا مع رفع باقي التدابير المقيدة كجزء من الاتفاق النووي.
ولقد شهدت القضية المزيد من التعقيد من جانب روسيا والصين اللتين كانتا حريصتين على بيع الأسلحة إلى الجانب الإيراني، حيث إنهما اتخذتا موقف إيران في تلك المسألة.
وقال لهم أوباما إنه من دون قرار مقبول، فلن يكون هناك اتفاق، وفقا للمسؤولين الأميركيين في فيينا وواشنطن. ولقد أوضح الرئيس الخطوط العريضة والمعاملات الرئيسية التي يستعد لقبولها.
ولم يكن الموعد النهائي المضروب من قبل الكونغرس من المسائل المقلقة، كما اتفقوا جميعا. أما الموعد النهائي المنفصل، والذي تنقضي فيه صلاحية القيود المؤقتة على البرنامج النووي الإيراني، فيمكن تمديده مجددا.
وكلما اقتربوا من إبرام الاتفاق خلال عطلة نهاية الأسبوع، كان كيري يريد أن يستقيم الأمر بينه وبين ظريف حيال مسألة وحيدة ومهمة. حيث سأله قائلا: «هل أنت مفوض بالإبرام الفعلي للاتفاق، وليس فقط من قبل الرئيس الإيراني، ولكن من قبل المرشد الأعلى»، مشيرا إلى آية الله علي خامنئي. ولقد أكد ظريف لكيري بأنه يحمل التفويض الكامل إزاء ذلك، وفقا لإفادة المسؤول الأميركي.
وبحلول يوم الأحد، تم تسوية كل المسائل تقريبا باستثناء الخلاف حول الحظر وفترات القرار الأممي. ولقد ذهب كيري لحضور القداس في كاتدرائية القديس ستيفن في فيينا.
وفي مساء الأحد والاثنين، عاد وزراء الخارجية الذين غادروا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إلى عقد الاجتماعات اللانهائية.
في نحو الساعة 10:30 مساء يوم الاثنين الماضي، كان كيري في جناحه الفندقي مجتمعا مع لافروف وفيديريكا موغريني منسقة السياسة الخارجية الأوروبية، حيث انضم إليهم ظريف لاحقا. ولقد طلبوا من الموظفين المرافقين مغادرة الجناح أثناء الاجتماع.
وبعد مرور نصف الساعة، خرج الدبلوماسيون ليعلنوا أنهم عملوا على تسوية كل القضايا الرئيسية. وأن الحظر على الأسلحة سيستمر لمدة خمس سنوات أخرى، وأن الحظر على تكنولوجيا الصواريخ الباليستية سيستمر لمدة ثماني سنوات. وسيستمر قرار الأمم المتحدة لعشر سنوات قادمة.
وفي تمام الساعة 11:50 مساء الاثنين، تحادث كيري عبر الهاتف مع أوباما.
وفي وقت مبكر من صباح الثلاثاء الماضي، اجتمع الوزراء مجددا.

* خدمة: «واشنطن بوست» خاص بـ {الشرق الأوسط}



الشكوك تحيط بمحادثات باكستان قبل انتهاء الهدنة

دورية بحرية أميركية  بالقرب من السفينة «توسكا» الإيرانية في بحر العرب (سنتكوم)
دورية بحرية أميركية بالقرب من السفينة «توسكا» الإيرانية في بحر العرب (سنتكوم)
TT

الشكوك تحيط بمحادثات باكستان قبل انتهاء الهدنة

دورية بحرية أميركية  بالقرب من السفينة «توسكا» الإيرانية في بحر العرب (سنتكوم)
دورية بحرية أميركية بالقرب من السفينة «توسكا» الإيرانية في بحر العرب (سنتكوم)

طغى عدم اليقين، الثلاثاء، على آفاق استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، مع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار، بالتوازي مع تصعيد بحري جديد تمثل في إيقاف ناقلة نفط ثانية مرتبطة بطهران، ما وضع المسار الدبلوماسي أمام اختبار مباشر بين ضغوط الميدان وحسابات التفاوض.

وبقيت احتمالات عقد جولة ثانية من المحادثات غير مؤكدة صباح الثلاثاء بعد أن صرح كبير المفاوضين الإيرانيين بأن إيران لن تتفاوض في ظل التهديدات، في حين أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب رسائل متضاربة حول مسار الحرب مع إيران، معلناً أنه ليس في عجلة من أمره لإنهاء الصراع.

وتستعد باكستان لاستضافة المحادثات على الرغم من الضبابية بشأن ما إذا كانت ستعقد أم لا. وقال مسؤولون إن ما يقرب من 20 ألفا من أفراد الأمن تم نشرهم في أنحاء إسلام اباد.

وأبدت الولايات المتحدة ثقتها في أن محادثات السلام مع إيران ستعقد في باكستان، وقال مسؤول إيراني كبير لوكالة «رويترز»، إن طهران تدرس المشاركة فيها، لكن لا تزال هناك عقبات كبيرة وحالة من الضبابية مع اقتراب وقف إطلاق النار من نهايته. ومن المقرر أن تنتهي الهدنة، التي تستمر أسبوعين، غدا أو بعد غد في ظل تضارب تصريحات المسؤولين بشأن التوقيت الدقيق.

ولم تسفر الجولة الأولى من المحادثات، والتي عقدت قبل 10 أيام، عن أي اتفاق. واستبعدت طهران عقد جولة ثانية من المفاوضات هذا الأسبوع بعدما رفضت الولايات المتحدة إنهاء حصار الموانئ الإيرانية والإفراج عن سفينة شحن إيرانية.

وأوقف الجيش الأميركي، الثلاثاء، ناقلة نفط مرتبطة بإيران في المياه الدولية، في خطوة قالت وزارة الدفاع إنها تستهدف تشديد الضغط على الاقتصاد الإيراني، ضمن مسار متواصل منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير.

وقالت الوزارة إن العملية استهدفت الناقلة «إم/تي تيفاني»، المصنفة «بلا جنسية» والخاضعة للعقوبات، موضحة أنها كانت تنقل نفطاً إيرانياً، وفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية، التي تدرج السفينة ضمن شبكات النقل المرتبطة بطهران.

وأضافت أن القوات الأميركية ستواصل «جهود الإنفاذ البحري على مستوى العالم» لتعطيل الشبكات غير المشروعة واعتراض السفن التي تقدم دعماً مادياً لإيران «أينما كانت»، في مؤشر على توسيع نطاق الحصار البحري خارج نطاقه التقليدي.

وأرفقت الوزارة بيانها بمقطع مصور يُظهر عناصر من القوات الخاصة البحرية الأميركية وهم يهبطون على متن السفينة من مروحية، في مشهد يعكس مستوى التصعيد العملياتي في تنفيذ الحصار.

وجاءت هذه العملية بعد يومين من إعلان البحرية الأميركية إطلاق النار على سفينة «توسكا» التي ترفع العلم الإيراني والسيطرة عليها في خليج عمان، في أول حادثة من نوعها منذ بدء تطبيق الحصار على الموانئ الإيرانية.

وقال الجيش الإيراني إن ناقلة نفط ⁠إيرانية دخلت مياه البلاد الإقليمية من بحر العرب أمس الاثنين بمساعدة البحرية الإيرانية رغم ما وصفه بالتحذيرات والتهديدات ‌المتكررة من قوة المهام البحرية الأميركية.

وأفاد الجيش في بيان أن ناقلة «سيليستي» تمكنت من دخول المياه الإقليمية مساء الاثنين رغم «التحذيرات والتهديدات المتكررة» من قوة بحرية أميركية، وذلك بدعم عملياتي من البحرية الإيرانية بعد عبورها بحر العرب.

وأضاف الجيش أن الناقلة رست في أحد مراسي الموانئ الجنوبية، فيما لم تصدر القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» تعليقاً على هذا الإعلان حتى الآن، ما يعكس تبايناً في الروايات حول فعالية الحصار.

وأفادت «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، في تقرير من مضيق هرمز بأن حركة الملاحة تخضع لرقابة مشددة من القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري»، عقب ما وصفته طهران بـ«نقض» الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار.

وأضاف التقرير أن الممرات التي كانت مخصصة لعبور السفن التجارية بشكل منظم أُغلقت «حتى إشعار آخر»، مع تعليق جميع قنوات الدخول والخروج عبر مسارات تشمل ميناء جاسك وسيريك جنوب شرق المضيق، وشماله جزيرة لارك وصولاً إلى جزيرتي قشم وهنغام.

وقالت الوكالة إن استمرار الإغلاق سيبقى قائماً إلى حين تقديم «ضمانات كاملة» لرفع الحصار البحري، مشيراً إلى أنه «لن يُسمح لأي سفينة بالعبور» حالياً، مع حظر مرور أي قطع بحرية عسكرية.

ترمب يضغط

في الأثناء، اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران بانتهاك وقف إطلاق النار «عدة مرات»، مؤكداً أن بلاده ليست في عجلة لإنهاء الحرب، رغم استمرار التحضيرات لجولة تفاوضية محتملة.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن إيران «انتهكت وقف إطلاق النار عدة مرات»، في إشارة إلى هدنة الأسبوعين التي تنتهي الأربعاء، محذراً من احتمال انزلاق المنطقة مجدداً إلى المواجهة.

وأشار ترمب إلى أن احتمال تمديد وقف إطلاق النار «منخفض للغاية»، موضحاً أن المهلة تنتهي مساء الأربعاء، ومكرراً تهديده باستهداف منشآت حيوية في إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد.

وكان ترمب قد أكد الأثنين، أن إيران «ستتفاوض»، معرباً عن أمله في التوصل إلى اتفاق «عادل»، لكنه شدد على أن طهران «لن تمتلك سلاحاً نووياً» في أي تسوية مستقبلية.

وأضاف أن الاتفاق الذي تسعى إليه واشنطن «سيكون أفضل بكثير» من اتفاق 2015، في إشارة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، مؤكداً أن إدارته لن تقبل بتكرار نموذج سابق يراه غير كافٍ.

وشدد على أنه لا يواجه ضغوطاً داخلية لإبرام اتفاق سريع، نافياً ما وصفه بـ«روايات الإعلام»، ومؤكداً أن الوقت ليس عاملاً ضاغطاً على واشنطن، وأن الأولوية هي التوصل إلى اتفاق «صحيح».

كما قال في مقابلة إنه مستعد لاستخدام القوة إذا لزم الأمر، وإن الولايات المتحدة «لن تسمح لإيران بتطوير قدرات نووية»، في تكرار لخطابه الصارم بشأن الملف النووي.

وحذر ترمب الأحد الماضي، من أن الولايات المتحدة ستدمر كل الجسور ومحطات الكهرباء في إيران إذا رفضت طهران شروطه، مواصلا بذلك نمط التهديدات الذي اتبعه في الآونة الأخيرة.

غموض حول جولة إسلام آباد

في موازاة ذلك، خيّم الغموض على إمكانية عقد جولة ثانية من المحادثات في إسلام آباد، مع تضارب واضح في المواقف والتصريحات.

وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن «أي وفد من إيران لم يتوجه إلى إسلام آباد حتى الآن»، سواء كان رئيسياً أو فرعياً، مؤكداً أن التقارير التي تحدثت عن وصول وفود أو تحديد مواعيد للاجتماعات «غير صحيحة».

وأوضح أن المسؤولين الإيرانيين يتمسكون بموقف ثابت منذ مساء الأحد، مفاده أن طهران «لا تقبل التفاوض تحت التهديد أو في ظل نقض العهود»، وأن استمرار المشاركة في المحادثات «مرتبط بتغيير السلوك الأميركي».

وأشار إلى أن هذا النفي يعكس نقاشاً داخلياً داخل النظام الإيراني بشأن كيفية الرد على حادثة السيطرة الأميركية على سفينة «توسكا»، في ظل هيمنة التيار المحافظ على الخطاب الإعلامي الرسمي.

وفي السياق نفسه، قالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن مصير التطورات خلال الساعات أو الأيام المقبلة لا يزال غير واضح، مؤكدة أنه «لم يطرأ أي تغيير» على قرار عدم المشاركة في محادثات إسلام آباد.

وأرجعت الوكالة ذلك إلى «استمرار الحصار البحري والمطالب الأميركية المفرطة»، معتبرة أن هذه العوامل تقوض أي إمكانية لاستئناف التفاوض في الظروف الحالية.

وأضافت أن التقارير التي تتحدث عن توجه نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى باكستان تندرج ضمن «فضاءات إعلامية مضللة»، هدفها التأثير على أسعار النفط وإرباك الرأي العام.

لا تفاوض تحت التهديد

بدوره، قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن طهران «لا تقبل التفاوض تحت ظل التهديدات»، في موقف يعكس تشدد الخطاب الرسمي تجاه المسار الدبلوماسي.

وأضاف أن بلاده تستعد «لكشف أوراق جديدة في ساحة المعركة»، في إشارة إلى احتمال تصعيد ميداني أو استخدام أدوات ضغط إضافية في حال استمرار الضغوط الأميركية.

واتهم ترمب بالسعي إلى «تحويل طاولة المفاوضات إلى طاولة استسلام»، معتبراً أن الحصار البحري جزء من استراتيجية لفرض شروط أحادية على طهران.

في بيان شديد اللهجة، شدد اللواء علي عبداللهي، قائد «عمليات هيئة الأركان المشتركة»، على أن إيران لا تزال «تمسك بزمام المبادرة»، وأن قواتها مستعدة للرد «من موقع متقدم» على أي خرق أو تصعيد.

وقال إن القوات المسلحة لن تسمح للرئيس الأميركي بـ«استغلال فترات الصمت العملياتي» لفرض «روايات زائفة حول الواقع الميداني»، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة وتأمين مضيق هرمز.

وأضاف أن القوات الإيرانية في حالة جاهزية لتنفيذ ردود «حازمة وفورية»، مشيراً إلى أن القدرات الصاروخية والمسيّرة فرضت «كلفة عالية» على الخصوم ودفعهم إلى طلب وقف إطلاق النار.

رجلا دين إيرانيان يتحدثان في بازار طهران، الثلاثاء (رويترز)

وأكد أن القوات المسلحة، إلى جانب الحكومة والشعب، «موحدة ومتماسكة» في التزام كامل بتوجيهات القيادة، ومستعدة لتنفيذ ردود «حاسمة وفاصلة وفورية» على أي تهديدات أو إجراءات معادية، وذلك في نفي ضمني للتقارير بشأن تصدع القيادة الإيرانية.

في الأثناء، كشفت شبكة «سي إن إن» عن وجود تباينات داخل إدارة ترمب، حيث أقر مسؤولون بأن تصريحات الرئيس العلنية أضرت بسير المحادثات وأثارت قلق الجانب الإيراني.

وقال مصدر أميركي مطلع إن الإيرانيين لم يرتاحوا للتفاوض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما يتم الإعلان عن مواقف لم يتم الاتفاق عليها بعد، و«كأنهم وافقوا على قضايا لم يتفقوا عليها بعد، وقضايا لا تحظى بشعبية في الداخل» مضيفاً أنهم يخشون الظهور بمظهر الضعف داخلياً.

وأشار مسؤولون إلى احتمال وجود انقسام داخل الفريق الإيراني بين المفاوضين السياسيينـ بقيادة قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي والقادة الميدانيين لـ«الحرس الثوري»، ما يثير تساؤلات حول الجهة القادرة على اتخاذ القرار النهائي.

إسلام آباد تستعد

على صعيد الوساطة، واصلت باكستان استعداداتها لاستضافة جولة محتملة من المحادثات، حيث نشرت آلاف العناصر الأمنية في العاصمة إسلام آباد، وعززت الدوريات على الطرق المؤدية إلى المطار.

وأفاد مسؤولون بأن الإجراءات الأمنية هذه المرة أكثر تشدداً مقارنة بالجولة الأولى، ما يعكس احتمال مشاركة شخصيات رفيعة إذا أحرزت المفاوضات تقدماً. وقال محللون إن حجم هذه الترتيبات يشير إلى استعداد لاستقبال قادة كبار في حال التوصل إلى إطار اتفاق.

وقالت مصادر باكستانية إن هناك «زخماً» نحو استئناف المحادثات، رغم استمرار الضبابية، مشيرة إلى أن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس قد يتوجه إلى إسلام آباد خلال الساعات المقبلة.

وذكرت «رويترز» نقلاً عن مصدر باكستاني طلب عدم نشر أسمه، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يحضر شخصياً أو عن بعد في حالة التوقيع على اتفاق.

عناصر الشرطة الباكستانية يقفون على طريق يؤدي إلى «المنطقة الحمراء»، مقرر عقد الجولة الثانية من محادثات السلام، في إسلام أباد الثلاثاء(إ.ب.أ)

وكانت مصادر قد أفادت الأثنين أن قائد الجيش الباكستاني أبلغ ترمب بأن الحصار البحري يمثل عقبة أمام التفاوض، في حين أبدى الرئيس الأميركي استعداداً «للنظر» في هذه الملاحظة.

وأكد مسؤول إيراني أن طهران «تدرس بإيجابية» المشاركة في المحادثات، لكنه شدد على أنه لم يتم اتخاذ قرار نهائي بعد.

وقال السفير الإيراني لدى باكستان رضا أميري مقدم إن أي تقدم في المحادثات يظل مشروطاً بإنهاء الحصار البحري، مشيراً إلى أن الخلافات ستبقى قائمة ما دام الحصار مستمراً.

وأضاف أن «أي دولة ذات حضارة عظيمة لن تتفاوض تحت التهديد»، في تأكيد على تمسك طهران بموقفها الرافض للتفاوض في ظل الضغوط العسكرية.

إلى ذلك، دعت الصين إلى الحفاظ على زخم المفاوضات، معتبرة أن الوضع بلغ «مرحلة انتقالية حرجة» بين الحرب والسلام.

وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية إن هذه المرحلة تتطلب إظهار أقصى درجات الجدية والالتزام بالحل السياسي، والحفاظ على زخم وقف إطلاق النار والمفاوضات.

وكان الرئيس الصيني قد دعا إلى إعادة فتح مضيق هرمز، مؤكداً أهمية استقرار الملاحة الدولية، في وقت تدعم فيه بكين جهود باكستان لتسهيل الحوار بين واشنطن وطهران.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت لـ«فوكس نيوز إن الولايات المتحدة قريبة من التوصل إلى اتفاق مع إيران.

وقالت ليفيت «بفضل نجاح العملية العسكرية وأسلوب ترامب الصارم في التفاوض، فإننا على وشك التوصل إلى اتفاق». وتابعت «إذا لم يحدث ذلك، فإن الرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا يزال لديه العديد من الخيارات تحت تصرفه ولا يخشى استخدامها».


حصار «هرمز» خطوة بخطوة: ماذا نعرف حتى الآن؟

لقطة من فيديو لجندي أميركي على متن مروحية وهو يوجه تحذيراً إلى سفينة إيرانية قرب مضيق هرمز أمس (سنتكوم)
لقطة من فيديو لجندي أميركي على متن مروحية وهو يوجه تحذيراً إلى سفينة إيرانية قرب مضيق هرمز أمس (سنتكوم)
TT

حصار «هرمز» خطوة بخطوة: ماذا نعرف حتى الآن؟

لقطة من فيديو لجندي أميركي على متن مروحية وهو يوجه تحذيراً إلى سفينة إيرانية قرب مضيق هرمز أمس (سنتكوم)
لقطة من فيديو لجندي أميركي على متن مروحية وهو يوجه تحذيراً إلى سفينة إيرانية قرب مضيق هرمز أمس (سنتكوم)

لم تعبر مضيق هرمز، يوم الاثنين، سوى ثلاث سفن فقط؛ إذ تباطأت حركة الملاحة إلى حد شبه التوقف، في أعقاب هجمات استهدفت سفناً تجارية من قبل الولايات المتحدة وإيران في سياق سعيهما للسيطرة على هذا الممر المائي الحيوي.

وأطلقت مدمرة تابعة للبحرية الأميركية النار على سفينة شحن إيرانية واستولت عليها يوم الأحد، بعدما تحدّت الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.

وفي حادث منفصل، أُصيبت سفينتان في أثناء محاولتهما عبور المضيق يوم السبت، وفقاً لمركز عمليات التجارة البحرية في المملكة المتحدة. إذ أُطلقت النار على إحداهما من زوارق مسلحة تابعة لـ«الحرس الثوري»، في حين أُصيبت الأخرى بـ«مقذوف مجهول». ثم غيّرت تلك السفن، إلى جانب سفن أخرى، مسارها.

ومن المقرر أن تنتهي، الأربعاء، هدنة هشة استمرت أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران.

ما آخر المستجدات؟

قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الاثنين، إن البحرية أعادت 27 سفينة حاولت دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها منذ بدء الحصار الأميركي خارج مضيق هرمز المتنازع عليه قبل نحو أسبوع.

وفي يوم الأحد، هاجمت مدمرة أميركية واستولت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في خليج عُمان، قرب المضيق، بعدما تجاهلت تحذيرات أميركية استمرت ست ساعات بضرورة العودة، وفقاً لـ«سنتكوم».

وأمرت المدمرة المزودة بصواريخ موجهة «سبروانس» -وهي واحدة ضمن أكثر من اثنتي عشرة سفينة حربية تفرض الحصار- طاقم السفينة بإخلاء غرفة المحركات، قبل أن تطلق عدة طلقات من مدفعها «إم كيه-45» على نظام الدفع، في حين كانت السفينة تتجه نحو «بندر عباس» في إيران، حسب بيان تضمن تسجيلاً مصوراً.

مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

وسيقرر المسؤولون الأميركيون ما يجب فعله بالسفينة المعطلة بعد انتهاء عملية التفتيش. وقال خبراء مستقلون إن أحد الخيارات قد يكون سحبها إلى عُمان، في حين يتمثل خيار آخر في السماح لها بالإبحار إلى ميناء إيراني إذا كانت قادرة على ذلك.

وقالت إيران إنها سترد قريباً على ما وصفته بـ«القرصنة المسلحة».

وكذلك يوم الأحد، هاجمت إيران سفينتَين كانتا تحاولان عبور المضيق، وفقاً لمركز العمليات البحرية البريطاني، فيما قالت الهند إن السفينتين كانتا ترفعان علمها.

كما أجبرت إيران ناقلتَين أخريَين على الأقل -إحداهما ترفع علم بوتسوانا والأخرى علم أنغولا- على العودة، وفق وكالة أنباء إيرانية شبه رسمية.

كيف تفرض الولايات المتحدة الحصار؟

أفادت «سنتكوم» بأنها تستخدم أكثر من 10 آلاف جندي، وأكثر من اثنتي عشرة سفينة حربية، وعشرات الطائرات لمنع السفن من الإبحار من وإلى الموانئ الإيرانية.

ولا توجد حدود جغرافية ثابتة للحصار، إذ قال الجيش الأميركي إنه سيُفرض انطلاقاً من خليج عُمان وبحر العرب، وكلاهما يقع شرق مضيق هرمز.

ويقول خبراء إن الجيش الأميركي قادر على فرض الحصار من مسافات بعيدة، ولا يحتاج إلى الاقتراب من السفن لإجبارها على تغيير مسارها.

وقال مسؤول أميركي إن أكثر من 12 سفينة عسكرية كانت متمركزة في المياه الدولية بخليج عُمان، فيما أفاد الجيش بأن سفينة هجومية برمائية مشاركة في المهمة كانت تبحر في بحر العرب، على مسافة أبعد.

هل يمكن للسفن التهرب من الحصار؟

يقول خبراء الاستخبارات البحرية إن مزيداً من السفن في محيط مضيق هرمز بدأ يعتمد تكتيكات «التضليل» لتجنب الكشف.

وبموجب القانون البحري الدولي، تحمل معظم السفن التجارية الكبيرة جهاز إرسال يبث تلقائياً اسم السفينة وموقعها ومسارها ومعلومات تعريفية أخرى، بما في ذلك رقم مكوّن من تسعة أرقام يمثل «بصمة رقمية» لها.

وقد استخدمت هذه الأساليب سابقاً سفن «أسطول الظل» الروسي للالتفاف على العقوبات المرتبطة بحرب أوكرانيا عام 2022.

وعند استخدام التضليل، يمكن لربان السفينة إدخال منشأ أو وجهة زائفة، أو التظاهر بأنه يقود سفينة أخرى، كما يمكن إيقاف أجهزة الإرسال مؤقتاً، لتبدو السفينة وكأنها اختفت من موقع وظهرت في آخر.

قال الشريك في صندوق «ماري ليبيروم» للاستثمار في التكنولوجيا البحرية، إريك بيثيل، إن المضيق يمثّل «بيئة معلوماتية متنازعاً عليها».

ومع ذلك، مهما كانت الحيل التي يستخدمونها فإن السفن المتجهة من وإلى إيران قد لا تصل إلا إلى حد معين. من الصعب المرور بين المحيط المفتوح وممر مائي ضيق مثل مضيق هرمز دون أن يتم اكتشافها.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «ويندوارد»، آمي دانيال: «تقديري أن البحرية الأميركية يمكنها التمركز في خليج عُمان... لا أعتقد أن هناك طريقة لاختراق الحصار».

ما استراتيجيات الولايات المتحدة وإيران؟

يشكل الحصار اختباراً مهماً في الحرب: أي الطرفين قادر على تحمل تكلفة اقتصادية أكبر؟

فبدلاً من استخدام الصواريخ والقنابل، يسعى الرئيس دونالد ترمب إلى خنق صادرات النفط الإيرانية، التي تمثل تقريباً كامل إيرادات الحكومة.

تساءل بعض الخبراء عما إذا كان الحصار سينجح؛ إذ قال أستاذ العلاقات الدولية في أنقرة، أحمد قاسم حان: «إيران تعاني بالفعل، لكنها أظهرت استعدادها لتحمل ضربات إضافية».

في المقابل، تعتمد إيران على نفوذها في أسواق الطاقة العالمية، حيث تستطيع التأثير على الاقتصاد الأميركي عبر ارتفاع أسعار الوقود والسلع الأساسية.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من إطلاق قذائف صاروخية من قارب سريع خلال مناورات حربية في مضيق هرمز اليوم

لماذا يعد المضيق مهماً؟

يعد مضيق هرمز ممراً استراتيجياً يربط الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي، وهو الطريق البحري الوحيد لنقل النفط والغاز والسلع من الخليج، فيما تمتد السواحل الإيرانية على طوله.

وعند أضيق نقطة فيه -بين إيران شمالاً وشبه جزيرة مسندم العمانية جنوباً- يبلغ عرض الممر الملاحي نحو ميلين لكل اتجاه، وفق وكالة الطاقة الدولية.

الوضع القانوني للمضيق معقد؛ إذ يقع ضمن المياه الإقليمية لإيران وعُمان، لكنه يُعامل دولياً بوصفه ممراً مائياً مفتوحاً. وقد وقّعت إيران على هذا الإطار، لكنها لم تصادق عليه.

وقبل الحرب، كان نحو 20 في المائة من النفط والغاز المسال في العالم يمر عبر المضيق، متجهاً في معظمه إلى آسيا، خصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

كما تستخدمه سفن أخرى، بينها ناقلات السيارات وسفن الحاويات. وتشمل السلع الحيوية المارة عبره الهيليوم من قطر، والأسمدة من عُمان والسعودية، والمواد البلاستيكية من الصناعات البتروكيميائية في المنطقة.

كيف تسيطر إيران على المضيق؟

يمكن للجيش الإيراني أن يهدد حركة الملاحة البحرية في جميع أنحاء مضيق هرمز، على الرغم من تدمير جزء كبير من أسطولها البحري جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية.

أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما ضد إيران، بحجة أنه إذا حصلت إيران يوماً ما على سلاح نووي، فسيكون لديها الرادع النهائي ضد أي هجمات مستقبلية. وتبين أن إيران تمتلك بالفعل رادعاً: الجغرافيا.

قالت الأستاذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا التي تدرس أمن الخليج، كيتلين تالمادج: «لقد فكر الإيرانيون كثيراً في كيفية الاستفادة من الجغرافيا لصالحهم». وتشمل ترسانتها صواريخ وطائرات دون طيار وقوارب سريعة وألغاماً.

قارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز جنوب البلاد ديسمبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

ويجبر ضيق المضيق السفن على الاقتراب من السواحل الإيرانية الجبلية، مما يمنح طهران أفضلية في استخدام تكتيكات الحرب غير المتكافئة القائمة على أسلحة صغيرة وموزعة يصعب القضاء عليها بالكامل.

ومع ذلك، فإن زرع الألغام في المضيق قد يمنع نفط إيران نفسه -والإيرادات التي يوفرها والتي تمس الحاجة إليها- من الخروج من الخليج.

ومع ذلك، فإن زرع الألغام قد يعرقل أيضاً صادرات إيران النفطية نفسها.

كيف تتأثر أسعار النفط؟

أدى شبه الإغلاق الكامل للمضيق إلى «أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية»، وفق وكالة الطاقة الدولية.

وقد انعكس ارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد العالمي، مما زاد الضغوط التضخمية وهدد دولاً عدة.

ورغم حديث ترمب عن «هيمنة الطاقة» الأميركية، فإن النفط سلعة عالمية التسعير، مما يعني أن ارتفاع الأسعار ينعكس مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، بغض النظر عن حجم إنتاجها المحلي.

* خدمة «نيويورك تايمز»

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقتل العميل «م» يكشف دوراً استخبارياً في حربي إسرائيل ضد إيران

رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع (أرشيفية - رويترز)
رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل العميل «م» يكشف دوراً استخبارياً في حربي إسرائيل ضد إيران

رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع (أرشيفية - رويترز)
رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع (أرشيفية - رويترز)

كشف رئيس جهاز «الموساد» الإسرائيلي، دافيد برنياع، الثلاثاء، عن أن أحد ضباطه، المشار إليه بالحرف «م»، الذي قُتل «خلال مهمة خارج إسرائيل قبل سنوات»، أدى دوراً حاسماً في جمع معلومات مكنت إسرائيل لاحقاً من «إنجازات ضخمة» في الحربين على إيران، في يونيو (حزيران) 2025، ومارس (آذار) 2026.

وحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، فإن برنياع كان يقصد «غرق قارب تجاري في بحيرة ماجوري الإيطالية، وعلى متنه 23 شخصاً، نهاية مايو (أيار) 2023».

وحينها، تبين أن 21 شخصاً، 11 إسرائيلياً من «الموساد» و10 ضباط من المخابرات الإيطالية، الذين كانوا يتعاونون معاً، وبعضهم ضباط سابقون، كانوا قد أمضوا معاً فترة من العمل، في منزل يعد قاعدة لـ«الموساد» في إيطاليا.

وقد خرج العملاء في قارب قديم يملكه القبطان كلاوديو كريمنتي، وزوجته الروسية، قبل أن تهب عاصفة مفاجئة بسرعة 100 كيلومتر، أسفرت عن غرق 4 أشخاص، هم زوجة القبطان وضابطا مخابرات إيطاليان، رجل وامرأة، وضابط في «الموساد»، بينما تم إنقاذ البقية.

وكانت هناك تقارير قد أفادت بأن «العميل الإسرائيلي قُتل في بحيرة ماجوري شمال ميلانو قرب الحدود السويسرية، بعدما غرِق القارب الذي كان يستقله؛ ما أدى أيضاً إلى مقتل عنصرين من الاستخبارات الإيطالية، وزوجة قبطان القارب.

وقال برنياع، في خطابه اليوم بذكرى قتلى الحروب، إن الضابط «م»، قُتل في أثناء أداء مهامه خارج البلاد، مشيراً إلى أن «تفانيه في العمل الأمني أسهم في دعم أنشطة حساسة نفذها الجهاز لاحقاً»، دون الكشف عن تفاصيل إضافية تتعلق بظروف الحادثة أو مكانها.

وبحسب برنياع، فإن أنشطة العميل أسهمت في تمهيد الطريق لعمليات استخباراتية وعسكرية نُسبت إلى إسرائيل في فترات لاحقة، بما في ذلك عمليات استهدفت مواقع مرتبطة بإيران في الحرب.

ولم يقدم برنياع تفاصيل إضافية حول هوية العميل أو طبيعة المهام التي كان ينفذها، التزاماً بما وصفه باعتبارات أمنية.

وكانت صحيفة «لا ريبوبليكا» الإيطالية قد ذكرت أن الضابط الإسرائيلي يُدعى إيرز شمعوني، ويُعد «فذاً في مجاله»، مشيرة إلى أن «الموساد» حرص على ترتيب نقل جميع الضباط في الليلة نفسها إلى إسرائيل، بعد أن قاموا بمحو آثارهم في الفندق الذي نزلوا فيه، إلا أن الجانب الإسرائيلي لم يؤكد هذه المعلومات، وأصرّ على إبقاء هوية الضابط سرية.