تمويل التكيف المناخي... هل يهدئ «كوب 27» غضب الدول المتضررة؟

أميركا تعد... وخبراء يشككون

مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
TT

تمويل التكيف المناخي... هل يهدئ «كوب 27» غضب الدول المتضررة؟

مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)
مزارعو المانجو في مصر أنقذوا محصولهم بالتكيف المناخي (رويترز)

تعرّض إنتاج فاكهة المانجو في مزرعة المُزارع عبد المجيد شكري من محافظة الإسماعيلية المصرية إلى الدمار العام الماضي، بسبب آفة حشرية وجدت بيئة مناسبة للازدهار مع ارتفاع درجات الحرارة شتاءً على غير المعتاد.
وساعدت وزارة الزراعة المصرية شكري وأقرانه في العام الجاري على تجاوز تلك المشكلة، عن طريقة تزويدهم بأدوات لمقاومة تلك الآفة، وتسعى لضمان استمرارها في تقديم يد العون والمساعدة لهم، عبر الحصول على دعم مناسب من الدول الغنية في قمة «كوب 27»، عبر ما يُعرف بـ«تمويل التكيف المناخي».
والتكيف المناخي بمفهومة الأوسع، هو إكساب المجتمعات والاقتصاديات الفقيرة والنامية القدرة على الصمود في مواجهة التأثيرات المناخية، فيتم في مجال الزراعة مساعدة شكري وأقرانه من المزارعين بأدوات وقائية لمواجهة آفات ناتجة عن تغير المناخ، وبناء الطرق والجسور التي تكون مكيّفة لتحمل درجات الحرارة المرتفعة والعواصف القوية، ونقل بعض المجتمعات إلى مواقع جديدة لأنه سيكون من الصعب عليها التكيف مع تبعات التغيرات المناخية، مثل ارتفاع سطح البحر.
وتسعى مصر وغيرها من الدول النامية إلى الحصول على تمويل مناسب من الدول الغنية، يمكّنها من مساعدتهم على التكيف مع تلك التغيرات، والتي ستزيد بشكل كبير، وفق تقرير دولي، قام بإعداده جوس ليليفيلد، مدير معهد «ماكس بلانك للكيمياء»، بالتعاون مع آخرين.
ووفق هذا التقرير الذي نُشر في العدد الأخير من مجلة «ريفيو أوف جيوفيزيكس»، فإن إقليم الشرق الأوسط يزداد احتراراً بمعدل مرتين تقريباً أسرع من المتوسط العالمي، كما سيحدث ارتفاع إجمالي في درجات الحرارة خلال الأعوام القادمة من القرن الحالي لتصل إلى 5 درجات مئوية أو أكثر، وسيكون الارتفاع أقوى في الصيف، كما ستشهد المنطقة نقصاً في هطول الأمطار يضر بالأمن المائي والغذائي.
وإلى جانب تقديم حلول مؤقتة للتكيف المناخي، كما فعلت الحكومة المصرية مع شكري وأقرانه من مزارعي المانجو، فإن الحلول الأكثر استدامة، هي ما بات يعرف بـ«الزراعة الذكية مناخياً»، والتي تعني تزويد المزارعين بالأصناف المقاومة للأمراض التي تظهر مع ظروف الرطوبة الجوية العالية.
وتملك مراكز الأبحاث العديد من قصص النجاح في مجال الزراعة الذكية مناخياً، ولكن تعميم مخرجات هذه الأبحاث على المزارعين يحتاج إلى تمويل، باتت الدول في أمسّ الحاجة له، لمواجهة تداعيات التغير المناخي الذي يهدد الأمن الغذائي، كما يؤكد المهندس علي أبو سبع، المدير العام للمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا).
والإيكاردا مركز بحثي، مكتبه الرئيسي -حالياً- في العاصمة اللبنانية بيروت، ويوجد له فروع في المنطقة التي يطلق عليها «سوانا»، والتي تضم 16 دولة، من المغرب ودول شمال أفريقيا إلى دول الشرق الأوسط، ودول غرب ووسط آسيا، ويركز مجال عمله على خمسة محاصيل رئيسية، هي القمح والذرة والشعير والعدس والفول.
ويتحدث المهندس أبو سبع لـ«الشرق الأوسط» عن بعض من قصص النجاح في مجال الزراعة الذكية مناخياً، ومنها إنتاج أصناف قمح خبز في دولة المغرب مقاومة لدرجات الحرارة المرتفعة ولمرض صدأ القمح، وحققت هذه الأصناف زيادة في الإنتاجية 50 في المائة عن الأصناف التقليدية، كما أنتج المركز أصناف من الشعير تنتج حبوباً أكثر بنسبة 10 في المائة في ظل ظروف الجفاف القاسية، مقارنة بالأصناف المتاحة.
ويقول أبو سبع: «دورنا في الإيكاردا، مثل كثير من مراكز الأبحاث، ينتهي عند توفير هذه الحلول، ولكن تطبيق هذه الحلول على نطاق واسع يحتاج إلى تمويل، نأمل أن تتمكن الدول من توفيره خلال قمة المناخ (كوب 27)».
وبالنسبة لدول في المنطقة تعتمد إلى جانب الواردات الغذائية على إنتاج محلي من الغذاء في بعض الأصناف، فإنه لا بديل أمامها سوى تنفيذ هذه الحلول لمواجهة تأثيرات تغير المناخ على الأمن الغذائي، كما يقول رضا سكر، الخبير في مجال الإنتاج الغذائي لـ«الشرق الأوسط».
ويوضح أنه بالإضافة لأمراض تسبب في انتشارها التغير المناخي وأثرت على المحاصيل، فإنه أيضاً تسبب للمنطقة في أسوأ موجة جفاف منذ ما يقرب من ألف عام، وهو ما زاد من مشكلة تعاني منها المنطقة في الأساس، وهي الإجهاد المائي، حيث أن 70 في المائة من أكثر بلدان العالم إجهاداً مائياً تقع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ويضيف أن «الدول المعتمدة بشكل كبير على الاستيراد، مثل دول الخليج، والتي قد يعتقد البعض أنها بمنأى عن هذا الخطر، فإنها تواجهه من ناحية أخرى، لأن الدول المنتجة للغذاء قد تأثرت هي الأخرى بتغيرات المناخ، هذا فضلاً عن أن الحرب الأوكرانية الروسية الدائرة حالياً، أثرت ولا تزال ستؤثر لسنوات على امدادات الغذاء عالمياً، باعتبار أن الدولتين من القوى العظمى في انتاج الغذاء».
وتضع هذه الظروف دول المنطقة الغنية والفقيرة أمام تحد توفير الغذاء، وهو ما يفرض على الجميع ضرورة الاهتمام ببرامج التكيف المناخي في الزراعة، وبدأت بعض دول الخليج تلتفت لهذا الخطر، فبدأت تتجه إلى الزراعة بالمياه المالحة، كما يشير سكر.
وأعلنت جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية قبل سنوات عن تأسيس شركة تحت مسمى «مزارع البحر الأحمر»، تقوم بالزراعة باستخدام المياه المالحة، وحصلت هذه الشركة في أبريل (نيسان) من العام الجاري، عن طريق الاكتتاب على رأس مال استثماري يقدر بـ18.5 مليون دولار، من قبل مجموعة رائدة من المستثمرين السعوديين، والشرق أوسطيين، والأميركيين، ما يعد أحد أكبر الاستثمارات في تاريخ المنطقة بتقنية الزراعة.
كما أعلنت الإمارات العربية المتحدة في نفس الشهر عن جائزة مالية تصل إلى مليوني دولار للشركات الناشئة التي يمكنها اقتراح حلول تكنولوجيا زراعية متكيفة مع تغيرات المناخ، كما تستضيف على أرضها مركزاً دولياً للزراعات الملحية في إمارة دبي.
وقد لا تجد دول الخليج صعوبة في تمويل برامج التكيف المناخي، سواء في الزراعة كما بدأت تفعل، أو في مجالات أخرى، مثل الاستعداد لمواجهة الفيضانات، كالتي شهدتها الإمارات وسلطنة عمان وبعض المناطق في السعودية هذا الصيف، ولكن الدول الأقل دخلاً في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يهمها أن تخرج من قمة المناخ القادمة في مصر (كوب 27)، وما بعد القادمة في الإمارات (كوب 28)، بتمويل مناسب لبرامج التكيف المناخي، يتجاوز التعهدات إلى التنفيذ الفعلي.
وكانت الدول الأكثر ثراء قد تعهدت في إطار اتفاقية باريس بتوفير 100 مليار دولار سنوياً من التمويل الدولي المتعلق بالمناخ، على أن يخصص نصف هذه المبالغ على الأقل على برامج التكيف المناخي، غير أن هذه التعهدات لا تشق طريقها بالقدر الكافي نحو التنفيذ.
وعبّرت رانيا المشاط، وزيرة التعاون الدولي المصري، عن هذه المشكلة خلال مشاركتها في اجتماع تأثير التنمية المستدامة لعام 2022، الذي عقده المنتدى الاقتصادي العالمي في سبتمبر (أيلول) الماضي بنيويورك. وتحدثت عن تطلعها للانتقال في القمة المقبلة من التعهدات إلى التنفيذ.
ما طرحته المشاط خلال المنتدى بلهجة هادئة، عبّر عنه قادة أفارقة بلهجة غاضبة في مؤتمر كينشاسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهو من المؤتمرات التحضيرية لقمة المناخ، حيث عبّر رؤساء السنغال والكونغو الديمقراطية ونيجيريا عن غضبهم من ضعف تمويل برامج التكيف المناخي، في وقت تطالبهم فيه الدول المتقدمة بالتخلي عن إنتاج الوقود الأحفوري في بلادهم.
وخلال مؤتمر صحافي افتراضي نظّمه - قبل أيام - المكتب الإعلامي الإقليمي في دبي، التابع لوزارة الخارجية الأميركية، عبّر جون كيري مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون المناخ عن تفهمه للغضب الأفريقي.
وقال إن معظم انبعاثات الكربون ناجمة عن 20 دولة هي الأكثر تقدماً في العالم، بينما تضم أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نحو 48 دولة مسؤولة عن نسبة لا تتجاوز 0.55 في المائة من تلك الانبعاثات، و3 في المائة لكل القارة، ومع ذلك، فهي من أكثر الدول المعرضة لخطر التغير المناخي في العالم.
وأضاف أنه من أجل ذلك، فإن الولايات المتحدة ضاعفت التمويل المخصص للتكيف مع تغير المناخ، وتم تخصيص 12 مليار دولار على مدى 5 سنوات، و3 مليارات دولار هذا العام.
هذا التمويل الذي أعلنت عنه الولايات المتحدة، يرى حسن أبو النجا، المدير التنفيذي للشبكة العربية للتنمية المستدامة، أنه أقل بكثير من المطلوب، إذ تبلغ التقديرات الأخيرة لتمويل أهداف المناخ للدول النامية 6 تريليونات دولار حتى عام 2030، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
ويتوجس أبو النجا من أنه «مع ارتفاع معدلات التضخم عالمياً، وانخفاض الإيرادات، والاضطرابات السياسية في كثير من الأحيان، فإن العثور على هذا النوع من المال يبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى».


مقالات ذات صلة

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

يوميات الشرق شارع جامعة الدول العربية الخميس (تصوير: عبد الفتاح فرج)

«فصول السنة» في يوم واحد... اضطرابات جوية تضرب مصر

ضربت مصر الخميس موجة قوية من الاضطرابات الجوية وعدم الاستقرار تمثلت في تصاعد كثيف للأتربة وتدهور ملحوظ بالرؤية الأفقية.

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق القاهرة شهدت سقوط أمطار غزيرة الأربعاء (أ.ف.ب)

أمطار رعدية بالمنطقة في فصل الربيع... ما علاقة التغير المناخي؟

تشهد الدول العربية واحدة من أبرز التقلبات الجوية الموسمية التي يشهدها فصل الربيع بالمنطقة، إذ يتقاطع فيها تأثير المنخفضات الجوية المقبلة من حوض البحر المتوسط.

أحمد حسن بلح (القاهرة)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
TT

رحيل حياة الفهد... سيدة الشاشة الخليجية

الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)
الفنانة حياة الفهد (مؤسسة الفهد الفنية على إنستغرام)

رحلت الفنانة الكويتية حياة الفهد، الثلاثاء، بعد مسيرة فنية طويلة امتدت لأكثر من خمسة عقود، تركت خلالها بصمة بارزة في تاريخ الدراما الخليجية والعربية، لتفقد الساحة الفنية واحدة من أبرز رموزها وأكثرها تأثيراً.

وتُعدّ حياة الفهد من رواد الدراما الخليجية، حيث بدأت مشوارها الفني في ستينات القرن الماضي، ونجحت في تقديم أعمال تلفزيونية ومسرحية شكلت علامات فارقة، وأسهمت في ترسيخ الهوية الدرامية الخليجية، بفضل أدوارها المتنوعة التي عكست قضايا المجتمع الخليجي والإنساني.

وأُعلن خبر الوفاة عبر حساباتها الرسمية، وسط حالة من الحزن في الأوساط الفنية الخليجية والعربية، حيث وُصفت الراحلة بأنها «أيقونة الدراما الخليجية» التي تركت إرثاً فنياً سيبقى حاضراً في ذاكرة الأجيال.

وشهدت الحالة الصحية للفنانة الراحلة تدهوراً خلال الأيام الماضية، حيث نُقلت إلى العناية المركزة قبل أن تُعلن وفاتها، بعد رحلة طويلة مع المرض، لتسدل الستار على مسيرة فنية ثرية امتدت لأكثر من خمسة عقود.

قدّمت حياة الفهد خلال مسيرتها الفنية عشرات الأعمال الناجحة التي حظيت بمتابعة واسعة في الخليج والعالم العربي، وتميزت بقدرتها على أداء الأدوار المركبة، مما جعلها تحظى بلقب «سيدة الشاشة الخليجية»، وتكسب محبة الجمهور عبر أجيال متعاقبة.

وفي رصيد الراحلة عشرات الأعمال التي تنوعت بين المسرحيات، والأفلام السينمائية، والمسلسلات التلفزيونية؛ قدمت خلالها أدوراً، مع فنّانين كويتيين روّاد.

كما عُرفت الراحلة بإسهاماتها في الكتابة والإنتاج، إلى جانب التمثيل، حيث شاركت في تقديم أعمال درامية ناقشت قضايا اجتماعية مهمة، وأسهمت في دعم المواهب الشابة وتطوير الدراما الخليجية.


«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
TT

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)
بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز)

عندما تنفصل المرأة عن حبيبها أو زوجها غالباً ما يكون أول رجلٍ تلجأ إليه مصفّف الشعر. تضع كامل ثقتها في مقصّه، متناسيةً كل مرةٍ قالت له فيها هِيَ هِيَ:«إيّاك أن تقصّر شَعري». وهذا تصرُّفٌ تحدّثَ عنه علم النفس رابطاً إياه برغبة المرأة في ولادة جديدة، وفي دعمٍ معنويّ يساعدُها على ترميم قلبها المكسور.

في حوارٍ سابق مع «الشرق الأوسط»، كانت قد لفتت المعالجة النفسية د. ريف رومانوس إلى أن هذه الظاهرة منتشرة فعلاً، واصفةً إياها بأنها «ردّ فعل تلقائي، ومتسرّع». أما الدوافع الأساسية خلفها فهي «أوّلاً إثبات الأنثى لنفسها أنها ما زالت قادرة على إثارة الإعجاب، وثانياً جرعة الثقة بالنفس التي تمنحها جرأةُ التغيير خلال المحنة العاطفية، والنفسية».

يؤكّد مصفّف الشعر اللبناني المخضرم سلام مرقص تلك النظريّة، بدليل أنّ كثيراتٍ من السيدات مكسورات القلوب لجأن إلى مقصّه. ويلفت مرقص لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «غالبيّة مَن خرجن للتوّ من علاقة عاطفية، أو واجهن تجربة طلاق، يطلبن تحديداً قصّ الغرّة». ولعلّ في ذلك تشبُّهاً بنجمات هوليوود اللواتي ما إن أُعلن خبرُ انفصالهنّ، حتى لحقَته صورُهنّ بتسريحة الغُرّة.

الممثلة نيكول كيدمان في تسريحتَي ما قبل الطلاق من المغنّي كيث أوربان وما بعده عام 2025 (أ.ف.ب - أ.ب)

«غرّة الصدمة»؟

فور ظهور المرأة بالغُرّة على الطريقة الفرنسية (French bangs)، والتي تغطّي الجبين، حتى يتساءل معارفها وأصدقاؤها ما إذا كانت تمرّ بمحنةٍ عاطفية مع الشريك. فما يمكن أن يكون مجرّد قرارٍ للتغيير في الشكل ومواكبة للموضة، غالباً ما يُمنَح تأويلاتٍ نفسية.

وعلى غرار مُجريات مسلسل «إميلي في باريس» المحبوب، يذهب البعض أحياناً إلى تسميتها «غرّة الصدمة» (trauma bangs). ففي الموسم الثالث، تقصّ البطلة «إميلي» شعرَها بنفسها بعد تَراكُم الضغوط العاطفية والمهنية عليها، ما يدفع بصديقتها «ميندي» إلى تسمية التسريحة «غرّة الصدمة».

في مسلسل «إميلي في باريس» تقصّ البطلة شعرها بنفسها في الموسم 3 (نتفليكس)

كم تبلغ نسبة الواقع في هذه التسمية؟

وفق علم النفس، ثمة حقيقة علميّة وموثّقة حول قرار قصّ الشَعر، أو إجراء تعديل جذريّ على التسريحة، أو اللون. إذ يولّدُ الانفصال العاطفي رغبةً لدى الأنثى ببَتر الروابط القديمة، وإهداء نفسها بداية جديدة؛ والشَعرُ كواجهةٍ أمامية للوجه يمكن أن يقدّم أوضَح تعبيرٍ عن التغيير.

إلى جانب الرغبة في التجديد، وهي إحدى ردود الفعل على الصدمة، يؤشّر تغيير مظهر الشعر إلى فقدان السيطرة على المشاعر، أو تجنّب مواجهة الواقع، أو حاجة ماسّة لتعزيز الثقة بالنفس، وإثبات القدرة على امتلاك القرار. فبعد الانفصال أو الطلاق، تُصاب غالبية النساء بهشاشةٍ معنويّة تجعلها تظنّ أنها ضعيفة، وغير مرئيّة، وغير محبوبة، وعاجزة عن إثارة الإعجاب. فتأتي التسريحة أو الغُرّة الجريئة لتلفتَ الأنظار إليها من جديد.

تسريحة الغرّة هي إحدى ردود الفعل على الصدمة العاطفية (بكسلز)

الغُرّة... حلّ جذريّ ومؤقّت

في صالونات تصفيف الشَعر، يُنظَر إلى الغُرّة أحياناً على أنها علاجٌ نفسيّ. صحيحٌ أنه مؤقّت، لكنه فعّال في معظم الحالات. يقول سلام مرقص في هذا السياق إنّ «الغرّة تمنح الراحة النفسية للمرأة». ويتابع مصفّف الشعر موضحاً أنّ «النساء بعد الانفصال يشعرن بالضعف، وبالحاجة إلى الظهور أجمل، وأصغر سناً في عيون أنفسهنّ، والآخرين، فيلجأن إلى قصّ الغرّة التي تجعل المرأة تبدو أصغر بالفعل».

من إيجابيات الغرّة كذلك أنها تمنح الشعور المطلوب بالتغيير، وبامتلاك القرار، من دون أن تتسبّب بالندم، لأنّ الشعر قابلٌ للنموّ من جديد. هي ليست كما الجراحات التجميليّة، ولا كالوشم مثلاً الذي تصعب إزالتُه بعد أن تنقضي الخيبة العاطفية.

تمنح الغرة الشعور بالتجديد من دون أن تتسبب بالندم (بكسلز)

تأكيداً لنظريّة العلاقة الوثيقة بين قَصّ النساء شعرهنّ خلال الأزمات النفسية وفترات التوتّر، لاحظت صالونات التجميل خلال جائحة كورونا ازدياداً كبيراً لطلبات قصّ الغرّة.

النجمات وغرّة الانفصال

من قال إنّ قلوب نجمات هوليوود ليست معرّضة للانكسار، وإنّ ثقتهنّ بأنفسهنّ لا تتزعزع بسبب رجل؟

حتى نيكول كيدمان، الممثلة ذات الشخصية الصلبة أمام الكاميرا، وبعيداً عنها، لجأت إلى الغرّة بعد طلاقها من زوجها المغنّي كيث أوربان. ففي عام 2025، انتهت العلاقة بين الفنانَين بعد زواج استمرّ أكثر من 20 سنة. ذكرا حينها خلافاتٍ غير قابلة للحلّ، فيما تحدّثت معلومات أخرى عن أنّ كيدمان تعرضت للخيانة من أوربان.

في أكتوبر من العام نفسه، وبعد شهرٍ تحديداً على إعلان الانفصال، أطلّت النجمة الأسترالية في «أسبوع باريس للموضة» مفاجئةً الصحافة والجمهور بتسريحةٍ جديدة. شهرَت كيدمان غرّتها في وجه الحزن والانكسار، وهي المعتادة على التسريحات الكلاسيكية البسيطة.

نيكول كيدمان والمخرج باز لورمان في «أسبوع باريس للموضة» 2025 (إنستغرام)

بعد انفصالها عن المغنّي زين مالك عام 2021، لجأت العارضة جيجي حديد هي الأخرى إلى غرّة ما بعد الصدمة. وقد أرفقتها حينذاك بتعديلٍ جذريّ وجريء في لون الشعر.

غرّة جيجي حديد بعد انفصالها عن زين مالك عام 2021 (إنستغرام)

في تأكيدٍ على أنّ الغرّة علاجٌ فعّال لحزن ما بعد الانفصال العاطفيّ، أعادت الممثلة ريس ويثرسبون الكرّة مرتَين؛ بعد الطلاق الأول من الممثل راين فيليبي عام 2008، وبعد انتهاء زواجها الثاني من جيم روث في 2023.

الممثلة ريس ويثرسبون وغرّة ما بعد الطلاق (إنستغرام)

يُنقَل عن أسطورة تصميم الأزياء كوكو شانيل قولها: «إنّ المرأة التي تقصّ شعرها هي على وشك تغيير حياتها». لكن إن وجدت المرأة المَخرج في الغرّة، فعليها أن تعلم أنها تتطلّب التزاماً وعنايةً، تماماً كالاهتمام الذي تستلزمه العلاقات العاطفية.


43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
TT

43 % من المصريين يمتلكون «حسابات سوشيالية»

المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)
المصريون يستخدمون منصات «السوشيال ميديا» بشكل واسع (الشرق الأوسط)

أفاد تقرير حكومي مصري بأن 43.4 في المائة من المصريين لديهم حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وجاء موقع «فيسبوك» في صدارة المنصات الأكثر استخداماً بإجمالي 51.6 مليون مستخدم، وذلك في إطار إحصاءات عدة عن «أبرز مؤشرات التحول من الإعلام التقليدي إلى الرقمي».

وحسب «مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» الصادر عنه التقرير (الاثنين)، فإن الأرقام التي رصدتها شركة «كيبوس» (Kepios) حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشير إلى وجود 49.3 مليون مستخدم على «يوتيوب»، و48.8 مليون مستخدم على «تيك توك» ضمن الفئة العمرية من 18 سنة فأكثر، مشيراً إلى أن الإعلام الرقمي في مصر يشهد تطوراً متسارعاً في ظل التحول الرقمي، مدفوعاً بالتقدم في تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أسهمت في تحسين إنتاج المحتوى وتطوير آليات التفاعل مع الجمهور.

استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً (الشرق الأوسط)

وأشار التقرير إلى أن استخدام الإنترنت في مصر شهد نمواً ملحوظاً، حيث بلغ عدد مستخدمي الإنترنت عبر الجوال نحو 92.6 مليون مستخدم بنهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، بنسبة 75.3 في المائة من إجمالي مشتركي المحمول، في حين وصلت اشتراكات الإنترنت الثابت إلى نحو 12.7 مليون مشترك، وهو ما يعكس اتساع قاعدة المستخدمين واعتمادهم الكبير على الخدمات الرقمية.

وبدأ مجلس النواب (البرلمان) مناقشة قانون لحماية الأطفال رقمياً، من خلال إعداد مشروع قانون لتنظيم استخدام التكنولوجيا للأطفال، ومن المفترض إعداد النسخة النهائية منه خلال الفترة المقبلة للتصويت، بمشاركة جهات حكومية عدة، منها وزارتا «الثقافة»، و«التربية والتعليم»، مع العمل على إلزام المنصات الرقمية بالتحقق من أعمار المستخدمين.

ورأى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي حضور مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها «فيسبوك»، الذي بات أحد أبرز مصادر تشكيل الرأي العام في الوقت الراهن، لشعور المستخدمين عبره بقدر أكبر من الحرية في التعبير عن آرائهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.

نحو نصف عدد سكان مصر يستخدمون «فيسبوك» (أ.ف.ب)

وأضاف أن «غالبية البرامج التلفزيونية في الإعلام المصري لم تعد تعتمد على المداخلات الهاتفية من الجمهور كما كان يحدث في السابق، ما جعل الإعلام في صورته الحالية أقرب إلى وسيلة تلقٍّ أحادية الاتجاه، في حين انتقلت مساحة التفاعل الحقيقي وإبداء الرأي إلى منصات التواصل الاجتماعي التي توفر هامشاً أوسع للمشاركة».

وأوضح فتحي أن «هذه المنصات تُعد بالنسبة لكثير من المستخدمين وسيلة تواصل آمنة نسبياً، خصوصاً في ظل تنامي سطوة الإنترنت في مصر وارتفاع معدلات المشاهدة عبره مقارنة بوسائل المشاهدة التقليدية»، لافتاً إلى أن استخدام الإنترنت لم يعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح مجالاً أساسياً للمتابعة والرقابة والمشاركة في النقاشات العامة، وهو أمر يمكن رصده عبر تفاعل الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية والجهات الحكومية مع الشكاوى التي يُبلَّغ عنها.

ملايين المصريين يعتمدون على الإنترنت يومياً (الشرق الأوسط)

ويؤكد ذلك تقرير «مركز المعلومات»، إذ يفيد بأن «التحول نحو المنصات الرقمية قد أفضى إلى فتح آفاق غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتداوله، ما أسهم في بروز أشكال إعلامية جديدة، من شبكات التواصل الاجتماعي والمدونات إلى البودكاست وخدمات البث المباشر والمنصات الإخبارية الرقمية. ومع تعمق حضور الإعلام الرقمي في تفاصيل الحياة اليومية، لم يقتصر تأثيره على إعادة تشكيل علاقة المواطنين بالمعلومات، بل امتد ليُحدث تحولات جوهرية في أنماط عمل الشركات وآليات تفاعل الحكومات مع المواطنين».

وبسبب هذا التفاعل الواسع، دعا أستاذ الطب النفسي جمال فرويز إلى أهمية توفير محتوى هادف للأجيال الجديدة، لأن المحتوى العنيف المتاح عبر بعض المنصات بات يجذب شرائح أكبر من المستخدمين، وينعكس على سلوكياتهم في الحياة اليومية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «التركيز المفرط على مواقع التواصل ترك آثاراً سلبية على سلوكيات المصريين وحالتهم النفسية».