قنبلة نكهات في وصفات بقايا الطعام

الأرقام المرعبة للهدر كانت حافزاً

كعكة بقايا الخبز
كعكة بقايا الخبز
TT

قنبلة نكهات في وصفات بقايا الطعام

كعكة بقايا الخبز
كعكة بقايا الخبز

كعكة من بقايا الخبز، مكوناتها بسيطة جداً وطعمها يطابق السينامون رولز، إلا أنها تستغرق عُشر الوقت والجهد.
بقايا خضراوات من سيقان القرنبيط وقمع الفلفل الحلو تتحول إلى حساءٍ مغذٍ منعش، وأرز بائت يجد طريقه إلى المَسلوعة (طبق فلسطيني يتكون من عدس وأرز)، وأفكار أخرى تغرّد خارج السرب بأطباق جديدة من بقايا الطعام، لتُصنّف ضمن أطباق شعبية شهيرة على غرار البايلا الإسبانية.
سوسن أبو فرحة، صاحبة واحدة من أفضل مدونات الطعام في الشرق الأوسط (Chef in disguise)، راق لها أن تتحدى قواعد الرياضيات، وتبتكر أطباقاً من بقايا الطعام، وفقاً لمبدأ وصفة واحدة تعطي وجبتين. وبنظرة سريعة، يبدو حساء الخرشوف خاصتها شهياً، بعد أن استخدمت بقايا الخضراوات التي جمعتها في الفريزر لعمل مرق الخضراوات الغني بالفوائد والنكهات، ثم أضافت بقايا البطاطا المسلوقة التي تبقت من اليوم السابق لتكثيف الحساء، بدلاً من الكريمة.
ولا تتقاعس عن تقطيع الفواكه غير الحلوة، لتخبزها مع خليط «الكرميل» في الفرن. وإن كان لديها خضراوات «ورقيات» على وشك الذبول، فإن مَفن العجة خِيار مُوفّق.
سوسن واحدة ممن تجاوبوا مع مبادرة «غذّوا أحلامهم» التي أطلقها برنامج الأغذية العالمي في رمضان الماضي، سعياً للقضاء على الجوع، مما راق لكثيرين من المهتمين بالطهي؛ أن يُجنبوا أنفسهم الهدر وتأنيب الضمير، في إطار فكرة مفادها: «ليستمر الطفل في الحلم، عليه أن يشبع أولاً».
وتبدي مصورة الطعام الفلسطينية ارتياحاً إزاء المبادرة التي أطلقتها هذا العام مؤسسات إعلامية كبرى مثل «إم بي سي الأمل»، وشركات أخذت على عاتقها نشر الفكرة على أوسع نطاق، فتواصلت مع صناع محتوى من كل أنحاء العالم طلباً للمساعدة في نشر الأفكار والوصفات والنصائح.
تقول سوسن لـ«الشرق الأوسط»: «حقاً إنه مجهود رائع، نأمل أن تحتذي به سائر الشركات والهيئات الإعلامية، ليصبح نهج حياة، وليس مجرد موسم عابر. الاهتمام بتدوير الطعام يتزايد بشكل ملحوظ، وتظهر فيه اللمسة الإنسانية. ومع ذلك، ما زال بعيداً بعض الشيء عن مركز الأضواء».
وحظيت سوسن في طفولتها بأمٍ تمتلك الحكمة في إدارة موارد مطبخها، حين كانت تبذل جهدها في تفريز بقايا الطعام المطبوخ أو توزيعه على المحتاجين، ناهيك عن تحويل بقايا الفواكه إلى مربيات لذيذة أو عصائر منعشة، فيما تستغل بقايا الخضراوات مثل نقر الكوسا في تحضير المتبل، وغيرها من الأطباق التي قد تكون محببة أكثر من الطبق الأصلي، وفق قولها.
سألت سوسن عن السبب المباشر الذي حفزّها للبحث عن أفكار ووصفات لإعادة استخدام بقايا الطعام، فقالت بابتسامة لطيفة: «منذ زمن بعيد، أحاول ما استطعت تقليل الهدر في الغذاء، لكن ما حرّكني بالدرجة الأولى حملة أطلقتها منظمة الغذاء العالمي قبل عدة سنوات، تناولت خلالها أرقاماً مرعبة لهدر الطعام».
وتشعر بمرارة إزاء ذهاب ثلث الطعام المنتج في العالم إلى حاويات القمامة بسبب سوء في التقدير والتخزين، واستهتار من أفراد المجتمع، قائلة: «صدمتني الأرقام، وعاهدت نفسي أن أتغير وأقدم ما أستطيع لأساعد الآخرين ليتغيروا أيضاً». ومن واقع تجربتها، تؤكد أن الوصفة إذا حُضرّت بإتقان وعناية، ودُرست نكهاتها بشكل جيد، فإن أياً كان لن يُعرف أنها حُضرّت من بقايا الأكل، وستكون صاحبتها وفرّت على نفسها الوقت والمال، وحفظت النعمة.
وتخبرنا سوسن أن أول خطوة لمواجهة مشكلة الهدر تكمن في تقليل الزوائد، بحيث نُحضّر ما نحتاج إليه، ونكتفي بما يمكن تناوله، دون مبالغة.
وعن أفضل نصيحة جرّبتها وكانت ذات جدوى، تحكي لنا: «ليضع كل منا ورقة في مطبخه، ويدّون فيها كل طعام يُلقى في القمامة، على مدار أسبوعين، مما سيفتح أعيننا على مواطن الخلل، لنفحص إذا ما كنا نرمي كثيراً من الورقيات، وحينها يتعين علينا تقليل شرائها، أو استهلاكها سريعاً عندما نشتريها. وإن تبين أننا نرمي كثيراً من بقايا الطعام المطبوخ، فهذا يعني أننا نطبخ كميات أكبر مما يجب، وعندئذ لا بد من الترشيد».
«هذا النوع من الأطباق، د. سوسن، هل يتطلب مهارات خاصة؟»... سألت طبيبة الأسنان التي جعلت من الطعام فناً ساحراً، بغية الحفاظ على التراث الفلسطيني، فكان جوابها: «يحتاج بطبيعة الحال إلى ذكاء في اختيار المكونات والنكهات وطريقة التحضير، إلا أنه لا يستدعي مخيلة خارقة».
وتوضح مقصدها: «لا شك أن الخبرة تساعد في اختيار النكهات، وطريقة الطهي الأنسب لكل نوعٍ من بقايا الطعام. وبما أننا في عصرٍ تتوفر فيه المعلومات بسهولة، على هواتفنا أو حواسيبنا، فإنه يبقى على عاتقنا البحث عن المكون المتبقي لدينا، وستجد ربة البيت كثيراً من الأفكار والوصفات المجربة؛ كل ما علينا فعله هو حسن الاختيار».
وحول دور مدوني الطعام في هذا الصدد، تذكر: «نحاول أن نعطي القراء والمتابعين كثيراً من الخيارات والأفكار، فثمة مكونات يكون التعامل معها أسهل من غيرها، ولا يلزم أحياناً سوى أن نغير الطريقة التي سنستخدم فيها المكون الذي لدينا؛ بقايا الخبز - على سبيل المثال - قد تتحول إلى بقسماط (قرشلة)، أو بودنغ بالقرفة والحليب، أو مقرمشات بالزعتر، أو خبز محمص بالثوم والجبن؛ المطلوب أن نفكر خارج الصندوق».
«رز بحليب» تلتقط مصورة الطعام البارعة لهذا الطبق صورة فاتحة للشهية، ويمكنكم تحضيره من بقايا الأرز، حتى أن الطريقة - حسب خبرتها - أسهل بكثير مما لو كان نيئاً، وتقول في ذلك: «بقايا الرز تتعرض لبعض الجفاف في أثناء حفظها في الثلاجة، ولو أننا استخدمناها لتحضير الرز بحليب سيعيد الحليب للرز حيويته ورطوبته المفقودة، ثم نضيف نكهات مثل الماء زهر وقليل من السكر، وأتحدى إن تمكن متذوقو الطبق من تمييزه عن طبق حُضّر من دون استخدام البقايا».
أتوقف قليلاً عند مقادير شوربة البندورة المشوية مع العسل، ويخطر لي أن أسألها إذا ما كانت مبادرات من هذا النوع ترتبط بأوقاتٍ محددة، مثل شهر رمضان، وما تلبث أن تخبو؛ تفكر للحظة ثم تقول: «عن نفسي، سأستمر بنَفس أطول؛ أشعر بارتياح لما أجده من تجاوب كبير من قبل المتابعين. كثير منهم كانوا يحتاجون إلى دفعة في الاتجاه الصحيح، توقظ فيهم الإحساس بأهمية النعمة التي يهدرونها».
وتحدثني سوسن بحماس أن الدارس لمطبخ أي حضارة سيجد أطباقاً كثيرة على هذه الشاكلة، مما يدل على مدى تأّصل فكرة حفظ النعمة، أو تقليل الهدر. وحسب رأيها، فإن السبب يكمن في «أن أجدادنا كانوا مزارعين بسطاء، ولم يكن من السهل حصولهم على الطعام أو المكونات المختلفة، مما أعطاهم تقديراً عميقاً واحتراماً لها، إلا أن هذا التقدير مع الأسف أخذ في الاختفاء، فيما أفقدتنا الوفرة المفرطة لكل شيء هذا الاحترام لنعمة محروم منها مئات الملايين؛ إن توفر الطعام على أرفف المحال التجارية أفقده قيمته لدى الأغلب، ومنحهم الضوء الأخضر للهدر، دون وعي بالنتائج؛ وهذا أمر محزن».
وتأمل أن يصلح المجتمع العربي الخلل في علاقته مع الطعام بسبب انقطاع علاقته مع الأرض؛ كلماتها بدت محملة بالمسؤولية في هذا السياق، حيث قالت: «كثير من الأجيال الحالية لا يدركون مقدار التعب والجهد والحب والوقت الذي يحتاج إليه المحصول لينمو، ولا يعرفون شيئاً عن مدى الأذى والدمار الذي يطال النظام البيئي جراء النفايات».
عاتبة سوسن على «السوشيال ميديا»، إذ تنزعج من بعض صناع المحتوى الذين يعمدون إلى مجاراة تيار المباهاة والإسراف، ويجرّون متابعِيهم خلفهم «بدلاً من أن يحسنوا استغلال تأثيرهم على نحوٍ إيجابي لنشر الوعي، وإلهام الناس لتغيير سلوكهم»... وليت هؤلاء يُلقون بالاً لهذا اللوم!
وتطالب الشركات الكبرى المنتجة للأطعمة والجهات الرسمية بتضافر الجهود، وتنظيم حملات توعوية على مدار العام، بحيث تُرّوج بذكاء، بعيداً عن لغة الخطاب التقليدية الرتيبة، وأن تستبدل بها لغة أكثر تأثيراً وجاذبية، موضحة: «هناك كثير من صناع المحتوى المبدعين في عالمنا العربي. ولو مدت لهم المؤسسات الرسمية يدها، سيتمكن الجميع من تغيير لغة الخطاب، وربما يتغير هذا الحال المحزن».
ولا تنسى أن توجه رسالتها لوزارات التربية والتعليم: «الجيل الجديد جزء من المشكلة، إلا أننا بإمكاننا أن نجعله جزءاً من الحل».
وفي جولة خاطفة، لاحظنا أن ناشطين في الطهي العربي دخلوا في التحدي؛ منهم من استخدم بواقي أوزي الفريكة المفلفلة بالخضراوات واللحمة والمكسرات لتحضير كرات مقلية ومقرمشة، ومن ثمّ تقديمها بطبق فتة جديد، وهناك من قدّم لفائف الدجاج والبروكلي بالبف بيستري.
ومن محاسن «غذوا أحلامهم» أنها جددت من همة سوسن، عندما تبادلت العصف الذهني مع صُنّاع محتوى آخرين، بخصوص وصفات لاستثمار البقايا في إنتاج توليفة طيبة المذاق، مضيفة: «لاقت أفكار إعادة تدوير الطعام كثيراً من التجاوب، وأسعدني كم الرسائل التي حملت صوراً لأطباق جربها المتابعون الذين ابتهجوا بعثورهم على طرق جديدة لتقليل الهدر، ولا شك أني أيضاً تعلمت منهم الكثير».
وهكذا، عكست كثير من المشاركات حساً عالياً من الاهتمام والشغف بالفكرة، والإيمان بأهمية نشر الوعي بين عامة الناس بشأن التقليل من الهدر، تبعاً لسوسن.
وفي نهاية حديثها مع «الشرق الأوسط»، عبرت سوسن عن رغبتها في العمل بجدٍ أكبر يليق بنبل الهدف، موضحة: «في مدونتي، أكتب منذ زمن عن أفكار لإعادة استخدام ما تبقى من طعام، وقد أفردتُ لها سابقاً عدة مقالات، وها هو الوقت قد حان لجمعها في قسم أخصصّه لهذه الغاية، بحيث أضيف إليه ما يستجد من وصفات بشكل دوري».


مقالات ذات صلة

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

يوميات الشرق الكُشري والهريس والكسكس والمنقوشة أطعمة عربية دخلت العالمية (بكسلز/ بيكساباي/ واس/ الشرق الأوسط)

الكُشَري ليس أوّلها... مأكولات عربية على قائمة اليونيسكو للتراث

ما الأطباق العربية التي أصبحت عالميّة بدخولها قائمة اليونيسكو للتراث؟

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق كانت لحياة الأميرة ديانا الخاصة انعكاسات سلبية على نظامها الغذائي قبل أن تعالج الأمر بالرياضة والأكل الصحي (أ.ب)

على مائدة الأميرة ديانا... بوليميا وحمية قاسية وحكاية الفلفل المحشو

بعد تعافيها من البوليميا، اعتمدت الأميرة ديانا حمية صحية تخللتها أطباق هي الأحب إلى قلبها: بيض «سوزيت»، لحم الضأن بالنعناع، الباذنجان والفلفل المحشو، وغيرها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق من التسوّق مروراً بالطهو وصولاً إلى التذوّق يغطّي البرنامج مراحل إعداد الطبق (شركة الإنتاج)

«طعم السعودية»... مطبخ وسياحة وثقافة في برنامج واحد

من الكبيبة، والرقش، والصياديّة، مروراً بالمليحية والمرقوق، وليس انتهاءً بالجريش والكليجة... برنامج يعرّف العالم على مطبخ السعودية وأبرز مناطقها.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق الكشري عبارة عن طبق شعبي واسع الانتشار في مصر من المعكرونة والأرز والعدس والبصل المقلي (بيكسلز)

البشت الخليجي والكشري المصري ضمن 68 ترشيحاً لقائمة اليونيسكو للتراث الثقافي

سينافس البشت الخليجي وطبق الكشري المصري والشعر الموسيقي اليمني ضمن 68 ترشيحاً تنتظر موافقة منظمة اليونيسكو لإضافتها لقائمة التراث الثقافي غير المادي.

«الشرق الأوسط» (باريس - نيودلهي)
يوميات الشرق حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل بمناسبة الأعياد (نتفليكس)

ميغان تعود إلى المطبخ ببيجاما العيد والأمير هاري يفضّل طهو أمّها

حلقة خاصة من برنامج ميغان ماركل للطهو على «نتفليكس» بمناسبة أعياد آخر السنة، وضيف الشرف الأمير هاري.

كريستين حبيب (بيروت)

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز
TT

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

من الفائض إلى الفاخر... وصفات مبتكرة ببقايا الأرز

في مطابخ الأسر المصرية يكاد يكون الأرز رفيقاً دائماً للمائدة، وأحد أكثر المكونات التصاقاً بـ«الطبخة البيتية».

ورغم بساطته، فإن الأرز يحمل حضوراً كثيفاً يتكرر معه مشهد «الكمية المتبقية» التي قد لا تجد طريقها إلى طبق جديد بالنسبة للكثيرين؛ حيث تتراجع إلى الثلاجة لبضعة أيام قبل أن تنتهي في سلة المهملات، وسط اعتقاد راسخ بأن بقايا الأرز فقدت قيمتها، ولم تعد صالحة لأي استخدام.

غير أن هذا الاعتقاد، كما يؤكد الطهاة، يبدد فرصة مدهشة لإعداد أطباق شهية ومشبعة يمكن أن تغير ملامح مائدة كاملة من دون تكلفة أو جهد يُذكر.

وهو ما دفع بعض الطهاة المصريين نحو تقديم أفكار مبتكرة متنوعة، تعيد تقديم الأرز المتبقي باعتباره عنصراً مساعداً على صنع وجبات لذيذة ومنزلية الطابع، من تلك الوصفات التي تحمل دفء البيوت وذكريات الجدات، أو قد تكون مستلهمة من أطباق عالمية

الشيف المصري وليد السعيد (الشرق الأوسط)

الأرز بطبيعته قادر على امتصاص النكهات، وعلى حمل التوابل واحتضان المكونات الجديدة، بحيث يتحول مع كل لمسة بسيطة إلى طبق يولد من جديد، وفق الشيف وليد السعيد، مشيراً إلى «أن هذا هو ما جعل كثيراً من المطابخ العالمية تنظر إلى (الأرز البايت) أو الأرز المتبقي من طبخة حضرت قبل يوم أو أكثر، باعتباره مادة خاماً جاهزة لابتكار وصفات لافتة، تعكس ذوقاً جديداً وروحاً مختلفة».

وتنسجم هذه الرؤية مع موجة عالمية تدعو إلى التقليل من الهدر، والنظر إلى فائض الطعام بوصفه جزءاً من مطبخ واعٍ لا مجرد بقايا منسية.

وبالنسبة للشيف المصري، فإن الأرز لا يبدو مجرد طبق جانبي بقدر ما هو مكون مرن يصلح أن يكون أساساً لوجبة كاملة، كما يمكن أن يتحول إلى عنصر ثانوي يضبط توازن النكهات داخل الطبق. ويرى «أنه لا حاجة لتكرار الطهي يومياً، ولا مشكلة في طهو كمية إضافية عمداً من الأرز لاستخدامها خلال الأسبوع».

في السلطة يلعب الأرز دور المساحة العازلة بين الحموضة والملوحة والبهارات

ويرجع ذلك إلى أن الخبرات المنزلية تؤكد أن أفراد الأسرة غالباً لن يتعرفوا إلى أن الوجبة الجديدة خرجت من بقايا الأمس، طالما منحتها لمسة نكهة مشرقة تعيد إليها الحياة. وقد تكون تلك اللمسة عصرة ليمون، أو رشة زيت زيتون، أو بعض الأعشاب الطازجة، أو بهارات غير مألوفة.

ومع ذلك، يبقى الالتزام بمعرفة حدود سلامة الطعام أمراً مهماً؛ فإذا بقي في الثلاجة فترة طويلة أو ظهرت عليه علامات التلف، فالسلامة أولى من التجربة.

سلطة التاكو أو الكوب

ويرى الشيف أن كثيراً من وصفات الشارع الآسيوي والعربي، خصوصاً تلك التي تعتمد على المقلاة الساخنة، صُممت أصلاً لتناسب الأرز المطهو مسبقاً، ويلفت إلى أن «الحيلة الذهبية» تكمن في طرح السؤال التالي قبل أن يصل «الأرز البايت» إلى نهاية عمره في الثلاجة: إلى أي طبق يمكن أن ينتمي بعد تعديلات بسيطة؟

هنا يبدأ الشيف بأبسط الأفكار وأكثرها نجاحاً، وهي إضافته إلى السلطات؛ فمن خلال توزيع قليل من الأرز على طبق السلطة، يتحول الطبق من مقبلات إلى وجبة متكاملة، خصوصاً إذا أضيف إليها بروتين موجود في الثلاجة مثل الدجاج المشوي المفتت، أو قطع اللحم المتبقية من اليوم السابق.

ويمكن أيضاً الاعتماد على السلطة اللاذعة مثل سلطة التاكو أو الـ«كوب»؛ حيث يلعب الأرز دور «المساحة العازلة» بين الحموضة والملوحة والبهارات؛ فيمنح الطبق تماسكاً وتوازناً مطلوبين.

ثم ينتقل السعيد إلى طبق آخر يجد فيه الأرز المتبقي فرصة لظهور جديد، وهي العصيدة أو الكونغي، وهو طبق دافئ يمكن تحضيره في دقائق، ويقترحه دائماً لمساءات العطلات.

ويقدم وصفة سريعة، وهي طهي بقايا الأرز مع الماء أو المرق حتى يبدأ في التفتت، ويتحول إلى مزيج كريمي، ثم تضاف إليه مكونات تمنحه طابعاً شرق آسيوي أو عربياً بحسب الرغبة. مع إضافة بعض الخل، والصويا الخفيفة، وزيت الفلفل الحار، والبصل الأخضر، والفول السوداني المطحون، وربما نقانق أو بواقي دجاج أو بيضة نصف مسلوقة.

ويؤكد السعيد أن «الكونغي» من الأطباق التي تتسع لأي إضافة تقريباً؛ فحتى الخضراوات المطبوخة مسبقاً أو بقايا اللحم يمكن أن تتحول إلى لمسة قيمة بداخله.

وصفات تقدم الأرز المتبقي في وجبات لذيذة ومنزلية الطابع من شيف وليد السعيد (الشرق الأوسط)

«ياكي أونيغيري» اليابانية

وفي مساحة أخرى من مطبخ السعيد، يظهر الأرز المقرمش، ويقدم طريقته قائلاً: «بوضع الأرز في مقلاة مدهونة بالزيت، وضغطه على هيئة طبقة واحدة، ثم تركه حتى يبرد ويتماسك». ويتابع: «يتحول عبر القلي الخفيف إلى كعكات ذهبية مشابهة لـ(ياكي أونيغيري) اليابانية، ويمكن تقديمها مع شرائح السلمون أو التونة النيئة المتبلة، أو حتى الأفوكادو، مع رشة صويا أو زيت فلفل حار».

ويشير إلى أن «تناسب هذه الطريقة أيضاً إضافته للسلطات على هيئة (فتات مقرمش) يمنحها ملمساً مختلفاً ورائحة جوزية خفيفة».

أما الأرز المقلي بنسخه المتعددة، فهو الوصفة الأكثر انسجاماً مع بقايا الأرز، كما يوضح السعيد، ومنها أرز السلمون بالكيمتشي، وأرز الدجاج، أو النسخ النباتية التي تعتمد على التوفو والخضراوات فقط.

ويرى أن سر نجاح الأرز المقلي هو أن يكون الأرز (بارداً) ومتروكاً لليلة داخل الثلاجة؛ فذلك يمنع تلاصقه مع باقي المكونات، ويمنحه قدرة على القرمشة عند ملامسته لحرارة المقلاة.

ويختتم السعيد أفكاره بوصفة «الحشوة» التي يستثمر فيها الأرز ليصبح جزءاً من مزيج سميك غني بالنكهة، موضحاً: «إضافة الأرز إلى حشوات الخضراوات أو الدواجن تمنحها ثراءً وقواماً ممتلئاً».

بقايا الريزوتو فرصة ثمينة لتحضير الأرانشيني

«الأرانتشيني الإيطالية»

أما الشيف عصام راشد، فيميل إلى المزج بين المذاق الشرقي والمتوسطي، ويرى أن الأرز المتبقي يصلح لأن يكون مادة خاماً لأطباق غير متوقعة.

ويبدأ بما يسميه «الوجبة الكاملة في مقلاة واحدة»؛ إذ يُحمّر الثوم والحمص في قليل من الزيت، ثم يُعاد الأرز نفسه إلى المقلاة حتى يصبح مقرمشاً ومليئاً بنكهة التحمير، قبل أن يُخلط مع خليط الحمص والثوم.

وتُضاف إليه فواكه مجففة مثل التمر أو المشمش أو الكرز، مع الكاجو المحمص، وينتهي بطبقة من الزبادي الكثيف مع عصرة ليمون.

ويرى أن هذا الطبق «يجمع بين الشرق والغرب في وصفة واحدة»، كما يناسب الوجبات السريعة التي لا تتطلب وقتاً أو إعداداً معقداً.

ويشير راشد إلى أن الريزوتو من الأصناف التي يصعب الاحتفاظ بها لليوم التالي؛ بسبب فقدان قوامها الكريمي، لكنه يراها فرصة ثمينة لتحضير «الأرانشيني الإيطالية»، وهي كرات الأرز المحشوة بالموزاريلا والمقلية، ويعتبرها «طريقة أنيقة» لإعادة تقديم بقايا طبق فاخر دون أن يفقد رونقه.

الأطباق المتوسطية

وتمتد أطباق راشد إلى الأطباق المتوسطية، فيقترح الاستفادة من بقايا الخضراوات عبر تقطيعها إلى مكعبات وتحضير طبق أرز متوسطي نباتي غني بالطماطم والفلفل والأعشاب.

ويشير إلى أن إضافة صلصة مناسبة قد تغير هوية الطبق بالكامل؛ فمثلاً، يمكن تحويل بقايا الديك الرومي إلى طبق جديد بإضافة صلصة التوت البري، أو صلصة مشابهة، ثم تقديمه فوق أرز الياسمين الساخن.

ثم ينتقل راشد إلى الأطباق المكسيكية، حيث يعلّق بأن الأرز المتبقي «وُلد ليكون داخل البوريتو»؛ فبدلاً من لف الخضراوات بخبز التورتيلا، يتم مزج الأرز مع الجبن والطماطم والفاصوليا والبصل؛ مما يمنح الحشوة تماسكاً وطعماً غنياً.

ويلفت راشد إلى أن «نجاح إعادة تدوير بقايا الأرز يعتمد على بعض القواعد التي تؤثر مباشرة في طعمه وقوامه؛ فإعادة التسخين في المايكروويف، رغم سهولته، قد تفسد المذاق، بينما يمنح التسخين في الفرن أو المقلاة فرصة أفضل للحفاظ على جودته».

وانتهى راشد إلى أن الاحتفاظ بمواد أساسية في المطبخ مثل الفاصوليا المعلَّبة والمكسرات والحمص قد يساعد في تحويل الأرز المتبقي إلى وجبة غنية بالبروتين دون مجهود إضافي.


طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
TT

طهاة عالميون يكشفون عن الطبق الذي غيَّر حياتهم

الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)
الشيف علي غزاوي (50 أفضل مطعما)

يمر كل طاهٍ عظيم بلحظة يحوّل فيها طبق واحد مسار رحلته في عالم الطهي؛ طبق يثير الفضول أو يتحدى التقاليد أو يكشف عن قوة النكهة بطريقة لم يختبرها أحد من قبل. بالنسبة إلى البعض إنه مذاق البيت، الذي يمثل مصدر إلهام لعمر من الطهي، وبالنسبة لآخرين إنه إبداع جريء يعيد تعريف ما يمكن أن يصبح عليه الطعام. اكتشف الأطباق التي ساعدت في رسم وتحديد مسار أولئك الطهاة البارزين على مستوى العالم.

الشيف علي الغزاوي

لقد غيَّر طبق الكبّة النيئة كل شيء بالنسبة لنا، فهو بمثابة النظير الشامي لطبق التارتار البقري المفري جيداً أكثر مما هو مقطّع يدوياً. وأعدّه باستخدام لحم بقري متبّل بمزيج من الريحان والبردقوش والنعناع، ثم أضع في النهاية إلى جواره على الطاولة البرغل المقرمش والبصل المخلل وكريمة الثوم الخفيفة. بدلاً من البصل والثوم النيئين اللذين قد يكون لهما مذاق قوي، يحقق ذلك توازناً بفضل المذاق الحلو البسيط الكريمي. وأقدم هذا الطبق مع باقة من الخس والنعناع الطازج وقرون البازلاء والتي تُزرع جميعاً في المطعم، إلى جانب وضع لمسة أخيرة من زيت الزيتون من بلدتي إربد التي يوجد بها شجر زيتون يزيد عمره على 1200 عام. إن الكبّة النيئة في عمّان طبق رئيسي في مطابخ العائلة، وقد أردت أن أمنح المطعم روحاً أردنية. وأقدم عملاء، كانوا يتفادون اللحم النيء، على تجربته هنا للمرة الأولى وقد أحبوه. لم يكن بالنسبة لي مجرد طبق مميز، بل نقطة تحول يلتقي فيها التقليد بالابتكار، وتجتمع من خلاله الهوية الأردنية بالتأثيرات الخارجية في طبق واحد.

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعما)

الشيف كلفين تشيونغ

عندما أفكر في نقاط التحول في مسيرتي المهنية، دائماً ما يعيدني عقلي إلى بلدة دينانت الهادئة في بلجيكا والتي تشبه البلدات في القصص، حيث حصلت على أول وظيفة لي خارج مطاعم عائلتي. حتى ذلك الحين كنت قد نشأت في مطابخ والدي الصينية في تورنتو وشيكاغو اللتين كانتا تتسمان بالقسوة والطابع الحضري. كانت بلجيكا على العكس من ذلك تماماً، فهي هادئة غنية بالخضرة ومتصلة بالأرض بشكل عميق. كانت توجد بمحاذاة المطعم حديقة من الخضراوات، والأهم من ذلك بِركة مياه صغيرة، حيث كنا نضع السلمون الحي. كان السلمون المرقط الأزرق من أطباقنا المميزة، حيث كنا نصطاد السمك قبل لحظات من طهوه ونسلقه مع الخل والأعشاب التي نحضرها من حديقتنا. لقد كان طبق يحمل مذاق النهر والريف. لقد غيّرني هذا الطقس، فحينما يطلبه أحد رواد المطعم، كان عليّ مغادرة المطبخ، واصطياد سمكة سلمون مرقط على مرأى من الجالسين في قاعة الطعام، ثم أنظفه وأعدّه. لم تكن هناك طرق مختصرة، فقط احترام الحياة التي تم أخذها، ومسؤولية توقيرها من خلال الدقة والنكهة. لقد علمتني تلك التجربة أن الطعام أكبر من مجرد طريقة، إنه قصة واتصال بين الأرض والمنتج والطاهي والعميل.

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعما)

الشيف غاريما أرورا

بالنسبة لي طبق «تندوري ستوري» هو طبق غيّر مساري. إنه يوجز كل ما نحاول تقديمه إلى عملائنا. لطالما انجذبت إلى الخضراوات والفاكهة؛ لأن الطهو الهندي يتضمن طريقة جميلة في التأكيد على أعمق نكهات البلاد، ومن طرقي المفضلة للقيام بذلك الطهو على النار فهي طريقة واضحة وبدائية، ومع ذلك غير متوقعة وتحويلية. إن المكون الأساسي في طبق «تندوري ستوري» هو فاكهة الدوريان. ربما يقول البعض إنه يناسب أصحاب الذوق الخاص، لكنني أعتقد أن ذلك يعتمد على الطريقة التي تطهوه بها. بينما يتعلق بهذا الطبق تحديداً، نشويه في فرن التندور حتى يتحول إلى هذا الزبد المدخّن الذي يشبه نخاع العظم. إن مشاهدة العملاء وهم يتناولون القضمة الأولى، ورؤية هذا المزيج من الاندهاش والمتعة من أفضل المشاعر في العالم. يعتمد هذا الطبق على مكون يتضمن تحدياً، ويجعل منه طعاماً تصعب مقاومته. إنه دليل على أنك إذا ظللت فضولياً واخترت المخاطرة وواصلت السعي سوف تقدم شيئاً استثنائياً. أعتقد أنه يربط بين الهند وتايلاند، ويمزج بين طرق الطهي الهندية التقليدية على النار وثمرة الدوريان التايلاندية المحبوبة من أجل تكوين صنف جديد تماماً. إنه لا يزال على قائمة الطعام الخاصة بنا حتى اليوم.

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعما)

الشيف مانو بوفارو

إن الطبق الذي غيّر كل شيء بالنسبة لي هو الجزر، الذي يرد في آخر قائمة الطعام بمطعم «مانو». عندما قدمته للمرة الأولى أثار الدهشة، بل والارتباك أيضاً. كيف يمكن لنوع من الخضراوات أن يلعب دور البطولة في نهاية تجربة تذوق طعام؟ وسرعان ما لاقى إعجاباً؛ لأنه كشف عن شيء أساسي هو القوة والعمق ومذاق الأومامي في مكون كثيراً ما يتعامل الناس معه على أنه عنصر ثانوي. لقد مثّل هذا الطبق بالنسبة لي نقطة تحول.

لقد أوضح أن المطبخ لا يحتاج إلى لحم أو سمك لترك أثر وإثارة مشاعر، وأن صنفاً من الخضراوات قادر على أن يحمل رمزية وذكرى وقوة إبداعية. لقد أصبح الطبق الذي أشتهر وأتميز به، وشعاراً للفلسفة التي توجّه أسلوبي في الطهي، ويظل على قائمة الطعام ليوضح كيف يمكن لمكون بسيط أن يصبح سامياً وراقياً.

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعما)

الشيف آنا روس

أول طبق يمكنني تذكر طهوه هو المعكرونة المحشوة بالبطاطس السائلة والمقدمة داخل مرق مع سمك السلمون المرقط المطهو على البخار، وبيض السلمون، والكراث (الثوم المعمر) البري. لقد جذب الانتباه بفضل طريقة طهوه الفنية التي تتضمن حشو عجين ببطاطس سائلة. بعد ذلك كان أهم ما في الأمر هو سرد الرواية ورفع مكانة سمكة لم تكن منتشرة كثيراً في المنطقة. نظراً لوجود السلمون المرقط في كل مياه سلوفينيا، يظل الكثير من العملاء يفضّلون المأكولات البحرية على السمك الطازج. لقد كان إعداد هذا الطبق مهماً للغاية لأنني أدركت قوة التركيز على المكونات المحلية في مقابل ما نتصور أنه منتشر ويحظى بشعبية.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعما)

الشيف إدغار نونيز

لقد كان الجزر المعتّق نقطة تحول في مسيرتي في الطهي. عندما قدمته للمرة الأولى منذ 15 عاماً استقبله الناس على أنه شيء خارج عن المألوف، بل عدّه البعض مثيراً للجدل؛ لأن قلة من الناس في ذلك الوقت كانوا يتوقعون أن يتم التعامل مع نوع متواضع من الخضراوات بالاحترام نفسه الذي تحظى به مكونات فاخرة. لقد كانت عملية إعداده دقيقة، حيث كان يُعتّق الجزر، ويُعدّ بطريقة تكشف عن عمق غير متوقع وتعقيد ونكهة. وما بدا بسيطاً على السطح كان فعلياً بمثابة بيان يوضح مقاربتي للطهو التي تتضمن منح أهمية لما يتم تجاهله في أحوال كثيرة. أرى الجزر المعتّق طبقاً رئيسياً يوجز فلسفة ويفتح الأبواب لاحتمالات جديدة. رغم أنه لم يعد على قائمة الطعام، لا يزال تأثيره في عملي موجوداً، ويظل مصدر إلهام يوجّه طريقة إعدادي للأطباق.

الشيف إدغار نونيز (أفضل 50 مطعماً)

الشيف علي غزاوي (أفضل 50 مطعماً)

الشيف مانو بوفارو (أفضل 50 مطعماً)

الشيف كلفين تشيونغ (أفضل 50 مطعماً)

الشيف آنا روس (أفضل 50 مطعماً)

الشيف غاريما أرورا (أفضل 50 مطعماً)


«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
TT

«فيينا بايتس» حملة تعرّف الزوار بالأطباق والمطاعم النمساوية

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)
جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

تفاجئ مدينة فيينا الساحرة بالتاريخ، والثقافة، والموسيقى والعمارة، والطبيعة الخلابة زوارها هذا العام من خلال إبراز جانب آخر يتمثل في مشهد الطهي المتجدد. فمن خلال حملة فيينا بايتس «Vienna Bites»، تدعو العاصمة النمساوية الزوار لاكتشاف مطاعمها التي تكرّم التقاليد، وتحتفي بروح الأصالة.

غالباً ما يُختصر المطبخ الفييني في أشهر رموزه، مثل الشنيتزل، والشترودل، ولا شك أن لهما مكانتهما. غير أن هذه الأطباق تشكّل جزءاً من تجربة أوسع، وأكثر ثراءً. فمن 18 مطعماً حائزاً على نجمة ميشلان، إلى أحياء البيسلن الدافئة (البيسترو النمساوي)، وصولاً إلى أكشاك النقانق، وثقافة المقاهي المدرجة على قائمة اليونيسكو، تقدّم فيينا مشهد طهي متكاملاً يعكس عمقها، وتنوعها، ويرسّخ مكانتها كوجهة عالمية لعشّاق الطعام.

جلسات خارجية في معظم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

تعتمد هذه المدينة نهجاً مستقلاً في صياغة مشهد الطهي فيها، بعيداً عن اتباع الاتجاهات العالمية، مع تركيز واضح على إبراز هويتها الخاصة بثقة، ووضوح. وتفتخر فيينا بتفرّدها، حيث يشكّل الابتكار جزءاً أصيلاً من تجربتها. وفي عام 2026، تتجلى هذه الهوية كمنظومة متكاملة تعكس عمق المدينة، وتطوّرها، مقدّمة تجربة تتوجّه بشكل مباشر إلى مسافري دول مجلس التعاون الخليجي الباحثين عن آفاق جديدة، وتجارب طعام متجددة.

تشتهر فيينا بمطاعمها ومقاهيها التاريخية (الشرق الأوسط)

تحتضن فيينا مشهد طهي متنوعاً يضم نخبة من المطاعم الراقية، من بينها مطعم جلاسينغ آت ذا اماريوس الحاصل حديثاً على نجمة ميشلان، والذي يقدّم تجربة أنيقة تعكس روح الضيافة الفاخرة في المدينة. وفي أجواء راقية تتزيّن بأعمال فنية أصلية من مجموعة عائلة المالك، حيث يقدّم الشيف ألكسندرو سيمون رؤية معاصرة للمطبخ النمساوي، ويوازن ببراعة بين النكهات الكلاسيكية والتقنيات الحديثة. بينما في مطعم هيرزيغ «Herzig» الحائز على نجمة ميشلان، يقدم الشيف سورين هيرزيغ تجربة طهي دقيقة تتسم بالابتكار والأصالة، مع اهتمام استثنائي بأدق التفاصيل. يقع المطعم بعيداً عن صخب وسط المدينة، في موقع هادئ يضفي على التجربة طابعاً خاصاً، ليشكّل وجهة تستحق الاكتشاف وتكافئ زوّارها بتجربة فريدة بكل المقاييس.

المطبخ النمساوي مميز بأطباقه التقليدية (الشرق الأوسط)

ويبرز هنا جانب مختلف، ولا يقل أهمية عن مكانة فيينا في مشهد الطهي، في مطعم جموكيلر، حيث يقدم المطعم وجبة الـ«بيسل» المحبوبة في الحي الثالث والتي تعتبر جزءاً أصيلاً من المشهد الغذائي في المدينة منذ عام 1858، حيث يجسّد روح التقاليد النمساوية العريقة. حيث تعكس التصاميم الداخلية للمطعم وتهيّئ الأرضيات الخشبية الأصلية والألواح الدافئة أجواء حميمة تبرز الطابع الكلاسيكي للمكان، ويقدّم قائمة غنية بالأطباق النمساوية التقليدية، وأبرز الأطباق الفيينية. ومن بينها توست نخاع العظم مع المرق الساخن، وزلابية الميرمية، وبريوش كبد الإوز، في تجربة تعكس بساطة المطبخ المحلي وعمقه في آنٍ واحد.

تتميّز فيينا بثقافة المقاهي المتجذّرة، والتي تتجاوز كونها مجرد فضاء تقليدي أو تجربة عابرة. فهي جزء أصيل من إيقاع الحياة اليومية، ومساحة اجتماعية تنساب فيها اللحظات بهدوء، وتتعمّق فيها الحوارات، في انعكاس واضح لروح المدينة وثقافتها.

روز بار سنترالا من أقدم مطاعم فيينا (الشرق الأوسط)

يتصدّر هذا المشهد مقهى فراونهوبر، أقدم مقهى في فيينا، الواقع داخل مبنى يعود إلى القرن الرابع عشر، والذي قدّم القهوة لأكثر من قرنين، واستضاف عروضاً لموزارت، وبيتهوفن. وفي المقابل، تعكس شركة «جوناس رايندل كوفي روسترز» الوجه المعاصر لثقافة القهوة، من خلال تحميصات صغيرة تُقدَّم في مساحات هادئة وبسيطة.

أما مقهى شوارزنبرغ، الذي يعود تاريخه إلى عام 1861، فإنه يجسّد الفخامة الفيينية الكلاسيكية، حيث لا تُقدَّم القهوة بمفردها، بل ترافقها المعجنات ووجبات الإفطار الغنية كجزء من طقس يومي متكامل.

ويمتد هذا التنوع إلى مقهى كاندل في الحي السابع الذي يقدّم لمسة مبتكرة قائمة على المطبخ النباتي، ومقهى روزي بيزل الحائز على تقييم «بيب غورمان» والذي يدعم الطهي التقليدي للمنتجات النباتية، ويقدم مجموعة واسعة من المشروبات والبدائل غير الكحولية، إلى جانب مقهى وروزبار سنترالا في الحي العشرين المعروف بقوائمه الموسمية، ونكهاته المستوحاة من أوروبا.