أثر الاحتلال الأميركي في طبيعة السرد الروائي العراقي

روائيون لم يجدوا فضاءً للاشتباك مع الواقع الملتبس سوى التأطير اللامنطقي واللاواقعي

أثر الاحتلال الأميركي في طبيعة السرد الروائي العراقي
TT

أثر الاحتلال الأميركي في طبيعة السرد الروائي العراقي

أثر الاحتلال الأميركي في طبيعة السرد الروائي العراقي

يبرهن الدكتور سمير الخليل، أستاذ النقد الأدبي الحديث في الجامعة المستنصرية ببغداد، في كتابه النقدي الجديد «روايات ما بعد الكولونيالية - اليانكي: التحولات الفنية والفكرية والثقافية» الصادر عام 2023، على أنه ناقد متمرس وجاد، ويدرك شروط الممارسة النقدية الحداثية. فقد عرفنا عنه في سلسلة مؤلفاته النقدية حرصه على الجمع بين النقد النظري والتطبيقي في اشتغالاته النقدية، وتركيزه بشكل خاص على المظاهر السوسيو - ثقافية، التي تحملها النصوص الروائية، ولذا فقد رأيناه خلال السنوات الأخيرة ينحاز إلى مفهوم «النقد الثقافي»، وهو مدرسة نقدية أسس لها في نقدنا العربي الدكتور عبد الله الغذامي من خلال كتبه وأطروحاته المختلفة. وذهب الدكتور سمير الخليل لاحقاً أبعد من ذلك عندما أقدم على مغامرة كبيرة تتمثل في إعداد معجم خاص بـ«النقد الثقافي» هو «دليل مصطلحات النقد الثقافي» عام 2016، كما قدم أطروحة مهمة تتعلق بمخرجات النقد الثقافي في كتابه «الرواية سرداً ثقافياً» عام 2020، وسبق له أن نشر مجموعة كبيرة من الدراسات والكتب النقدية التي تتخذ من «النقد الثقافي» مرشداً لها؛ منها: «النقد الثقافي من النص الأدبي إلى الخطاب» عام 2013، و«فضاءات النقد الثقافي» عام 2014، و«دراسات ثقافية: الجسد الأنثوي... الآخر... السرد الثقافي» عام 2018، و«الشعر والتمثلات الثقافية» عام 2021... وغيرها.

ينفي الكتاب الصورة المضللة التي حاول البعض إشاعتها باتهام المثقف العراقي بـ«السلبية تجاه هذا الاحتلال أو الترحيب به»

وقد عمد المؤلف إلى تطبيق مفاهيم «النقد ما بعد الكولونيالي» التي تسعى إلى فحص النصوص الأدبية والثقافية التي أنتجت في بلدان كانت واقعة في الماضي تحت هيمنة الكولونيالية وبشكل خاص ما تسمى «الامبراطورية»؛ إشارة إلى السيطرة البريطانية على كثير من بلدان العالم الثالث في آسيا وأفريقيا. لكنه في كتابه هذا عمد إلى فحص وقراءة النصوص الأدبية الحديثة التي كتبها روائيون عراقيون لمواجهة الاحتلال الأميركي (اليانكي) للعراق بعد عام 2003 حصراً.

ويحدد الناقد في «المقدمة» التي استهل بها كتابه النقدي هذا برنامجه النقدي بالقول:

«وهاجس قراءتنا هو رصد ديناميكية الرواية الآن في العراق وتمثيلها السردي لموضوعات نحسبها تجسيداً لمفاهيم ما بعد الكولونيالية الأميركية (اليانكية)، والكيفية التي ضمت استراتيجية جديدة... وتوظيف واعٍ من الروائيين، وبتقنيات يتحول فيها النص، عبر المتخيل السردي، إلى حقيقة إبداعية لا تحيل إلى بديل آخر غير الواقع الذي انبثقت منه وتفرعت عنه» (ص 6).

ونوه الناقد بأنه قصد بعنوانه الفرعي للكتاب: «التحولات الفنية والفكرية والثقافية» المنحى النقدي لدراسة أثر الاحتلال الأميركي العسكري في طبيعة السرد الروائي، وما أحدثه من تحولات في الرواية العراقية، وتأكيد أن «الكولونيالية اليانكية» قد أفرزت تأثيرات واضحة في الرواية على مختلف المستويات الفنية السردية والثقافية والاجتماعية.

ففي قراءته النقدية لرواية أحمد خلف «الذئاب على الأبواب» الصادرة عام 2018، يؤشر الناقد إلى كثير من العلامات السيميائية لمرحلة ما بعد الاحتلال وتشظي الواقع، وضياع الإنسان، المتمثلة في ظاهرة الجثث المجهولة والموت اليومي المجاني. ولذا؛ تكتسب الرواية سماتها الواقعية وتحولها إلى وثيقة تاريخية ومدوّنة لرصد الأحداث المفصلية والمنعطفات الكبيرة. ويتوقف الناقد أمام دلالة قرار البطل حمل السلاح لمواجهة العدو الذي يترصده، بوصفه يمثل لحظة التنوير الأخيرة، والشفرة المتوهجة في خاتمة الرواية.

ويشخص الناقد في رواية «سيدات زحل» للروائية لطفية الدليمي تتبعاً لآركيولوجيا الخراب وانكفاء الوقائع منذ عصور بعيدة وحتى عصر الاحتلال الأميركي الكابوسي، وفضلاً عن ذلك؛ نجحت الرواية في رصد يوميات الحرب والعنف، والقهر السياسي والاجتماعي، وممارسات قتل النساء، كما استطاعت المؤلفة عبر هذه المدوّنة السردية تقديم تاريخ للخراب، والاستبسال للخلاص منه.

ويستقصي الناقد مظاهر «النقد ما بعد الكولونيالي» في رواية «عمتي زهاوي» للروائي خضير فليح الزيدي، فيلاحظ أن النتاج الروائي في مرحلة ما بعد الاحتلال يكشف وبيسر عن هيمنة الخطاب الغرائبي وتجلياته العجائبية وأشكال الفانتازيا، ذلك أن الروائي في حقبة ما بعد الاحتلال لم يجد فضاءً للاشتباك مع الواقع الملتبس سوى التأطير اللامنطقي واللاواقعي، لرصد التغيرات الراديكالية التي عصفت بالحياة بكل ميادينها ومفاصلها، ومنها مظاهر الانقلاب التراتبي والقيمي، وظهور قيم ومستحدثات جديدة وغريبة، وصعود نسق طبقي جديد. ويرى الخليل أن رفض العمة «زهاوي» تصميم عمارة السجون الأميركية يمثل موقفاً رافضاً لمشاريع الاحتلال. ويسترعي الناقد الانتباه إلى دلالة التحالف بين الفكر الفقهي وبين الغرب الأميركي بوصفه محاولة لاستثمار القوى الغريبة الجديدة الفكر الديني في استراتيجيات الغزو بصيغته العسكرية أو الفكرية، كما يتجلى ذلك في التحالف بين فكر «الشيخ زريق التونسي» الديني وفكر الأميركي «يوهان» الإباحي.

ويكشف الناقد في قراءته رواية «نبوءة فرعون» للروائية ميسلون هادي عن نزعة الرواية لإدانة النظام الدكتاتوري الصدامي، وكذلك إدانة وتعرية الاستبداد الاحتلالي بكل ضراوته وشراسته، وتشير الرواية إلى أن الحياة أصبحت بحاجة إلى طبيب، لكن مصير الناس وضياعهم وسط البركان الاحتلالي (اليانكي) الأميركي يضع المصير المحتوم لابتلاع هذا الحلم أو النبوءة التي تتحول إلى كابوس.

ونوه الناقد بأن رواية «تذكرة إلى الجحيم» للروائي عباس لطيف تجسد واقع ما بعد الاحتلال، وبأنها استطاعت التشابك مع إفرازاته، وتصوير حياة الإنسان والمجتمع وطبيعة الصراعات السيكولوجية والمظاهر الشاذة. ولذا؛ فالرواية فككت الواقع برؤية استبطانية، وقدمت مظاهر التردي، والانكفاء القيمي، وتفكيك الأواصر الإنسانية، ذلك أن هذا الواقع لم يكن إلا تعبيراً عن دوافع ومحركات ناجمة عن الاحتلال الأميركي، وصعود الطبقات غير المؤهلة لتأسيس قيم جديدة.

ويرى أن رواية «رقص السناجب»، وهي أيضاً للروائي عباس لطيف، وفقت في أن تميط اللثام عن ارتباط مظاهر الخراب بالاحتلال الأميركي بكل إفرازاته.

ويعد الناقد رواية «طشاري» للروائية إنعام كجه جي أنموذجاً لإدانة النزعة الكولونيالية اليانكية؛ إذْ تمركزت الدلالات حول إفرازات النزعة اليانكية ما بعد الكولونيالية. فالهيمنة الاحتلالية بنسختها الأميركية قد وضعت لمسات القبح والتشظي للإنسان العراقي على مستوى تفتت الهوية والكينونة الإنسانية. وأكدت الرواية أن النزعة الكولونيالية الأميركية تمثل أحد تمظهرات العولمة المتوحشة والنيوليبرالية واستراتيجيات الصدمة وتفكيك الأوطان.

ولاحظ الناقد أن الروائية إنعام عبد الكريم في روايتها «الصمت» قد استثمرت واقع (أو مفردة) الاحتلال الإنجليزي للعراق للترميز إلى الاحتلال الأميركي، حيث إن طقوس الاحتلال وإفرازاته هي نفسها؛ لأن اشتراطات الاحتلال الأميركي ومقدماته تنبئ عن نتائج وظواهر تعيد نفسها.

ووثقت رواية «قيامة بغداد» للروائية عالية طالب، من جهة أخرى، الجانب المأساوي من جهة المرأة العراقية في خضم حرب السنوات الثماني، كما جسدت الجانب الثقافي والإعلامي بعد الاحتلال، وما حدث من إفرازات وسلبيات وظواهر تعكس طبيعة تناقضات المرحلة وظهور الخلل والارتكاس.

وتؤرخ رواية «دع القنفذ ينقلب على ظهره» للروائي خضير فليح الزيدي لمرحلة الحصار والحروب والانقلابات، وصولاً إلى مرحلة الاحتلال وإفرازاتها، والترهيب وظواهر الموت والخطف والعنف والإقصاء وانشطار البنية السوسيولوجية وتخلخل المنظومة الأخلاقية والقيمية عموماً.

ويرى الناقد أن رواية «تراتيل شرقية» للروائي سلام حربة تكشف عن تداعيات ما بعد الاحتلال الكولونيالي؛ ومنها التحالف بين الإرهاب والاحتلال من جهة وبين الشرائح الطفيلية والاحتلال من جهة أخرى. فقد عمدت الرواية إلى توثيق مرحلة الإرهاب ومظاهره، ومنها التحالف الضمني بين الاحتلال وإفرازاته وبين تشكل ظاهرة الإرهاب وارتباطها بالفكر التكفيري.

إن قراءة متأنية وموضوعية لكتاب الأستاذ الدكتور سمير الخليل عن روايات ما بعد الكولونيالية اليانكية في الأدب العراقي تكشف عن طبيعة الجهد الاستقصائي الكبير الذي بذله الناقد للحفر داخل أنفاق البنى السردية للوصول إلى الدلالات المخفية والمنظورة المتعقلة بمحور الدراسة، فضلاً عن الكشف عن الأنساق الثقافية المغيبة المقترنة بتمظهرات البعد ما بعد الكولونيالي في الروايات قيد الدراسة. وبذا يمثل هذا الكتاب جهداً استقصائياً رائداً يغني «النظرية ما بعد الكولونيالية» من خلال رصد جانب جديد يختلف عن «كولونيالية الإمبراطورية البريطانية»، ونعني به «الكولونيالية الأميركية اليانكية» عبر احتلالها العراق عام 2003.

وهذا الكتاب، من جهة أخرى، هو شهادة مهمة وأمينة عن موقف المثقف العراقي بشكل عام، والروائي بشكل خاص، تجاه الاحتلال الأميركي للعراق، وهو ينفي الصورة المضللة التي حاول البعض إشاعتها باتهام المثقف العراقي بالسلبية تجاه هذا الاحتلال، أو الترحيب به، ذلك أن هذا المثقف مارس منذ البداية سياسة الرفض والمقاومة والاحتجاج على هذا الوجود المتوحش، الذي أسس لسلسلة لا تنتهي من السياسات التي قادت إلى تدمير البنى التحتية للمجتمع وتشويه منظومة القيم الاجتماعية والأخلاقية واستبدال منظومة استهلاكية طفيلية بها، فضلاً عن خلق بؤر للعنف تهدف لتشويه الهوية الوطنية، وتُشَرْعِن لنظام المحاصصة الطائفية والإرهاب والفوضى والعنف... الذي يهدف إلى تفتيت المجتمع وطمس هويته الوطنية.


مقالات ذات صلة

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

ثقافة وفنون براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون «الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق عقار يفتح نافذة على فصل لم يُكتب بعد من حياة شكسبير (نيويورك تايمز)

عقار في لندن يُعيد كتابة نهاية شكسبير... هل اعتزل حقاً؟

أعاد اكتشاف حديث في قلب لندن التاريخية الإضاءة على حياة ويليام شكسبير في سنواته الأخيرة، وأثار شكوكاً حول رواية لطالما بدت راسخة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.