«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

سلطت الضوء على الصراع السياسي والطائفي في العراق بعد سقوط الديكتاتورية

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة
TT

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

«الذئاب على الأبواب»... من الوصف السلبي إلى فعل المواجهة

رواية «الذئاب على الأبواب» 2019. للروائي أحمد خلف هي رواية بطل إشكالي مركزي هو يوسف النجار، الذي يجد نفسه مطارداً من جهات مجهولة، ولأسباب غامضة، تماماً مثل أبطال فرانز كانكا. إذْ قام المطاردون بنسف بيته، والتسبب في قتل زوجته سعاد، وابنته ذات الأربعة عشر عاماً، وظلوا يمطرونه برسائل تهديد متنوعة، محيلين حياته إلى جحيم لا يطاق، مما دفعه للارتياب بكل إنسان، وكل حركة، حتى بات من الصعب عليه الفرز بين الوهم والحقيقة، وكأنه أصيب بلون من «البارانويا».
وتتمثل إشكالية البطل، بشكل عام، عند أحمد خلف في عجز البطل عن التلاؤم مع عالمه الخارجي، ومحيطه الاجتماعي، ربما لاعتقاده أنه يعيش في ديسيتوبيا سوداء، تنعدم فيها الحرية والكرامة والبراءة. لذا نراه يمتلك حساسية مرهفة عالية، تجعله، في الغالب، يعجز عن مواجهة قوى القهر والعنف والاستبداد التي تواجهه، لذا يعاني من السقوط فيما أسماه جورج لوكاش بالوعي الشقي، حيث ينكفئ البطل على ذاته، بعد أن يدرك أن قيمه النبيلة والبريئة التي يؤمن بها تصطدم بمصدات ومعوقات وإكراهات، أكبر من قدرته على الاحتمال على المقاومة، لذا فهو غالباً ما يتعرض للانكسار.
لكن الروائي في هذه الرواية بالذات يتجاوز حالة الانكسار بموقف إيجابي فاعل، خلافاً لما وجدناه مثلاً في روايته السابقة «تسارع الخطى» 2014 التي كان فيها البطل يظل يواجه حالة من الانكسار والاستسلام والرعب حتى النهاية، دون أن يتخذ قراراً حاسما بالتحول إلى المواجهة الجريئة لهذه القوى المجهولة والقوية والمدعومة، التي ظلت تطارده وتفرض إملاءاتها، غير الأخلاقية، عليه. أما في رواية «الذئاب على الأبواب» فنجد البطل الإشكالي يوسف النجار، يقرر في النهاية الخروج من حالة العجز والانكسار، ومواجهة مطارديه، عندما يحمل سلاحه، ويفتح الباب، متجهاً لمواجهة أعدائه. وبذا فالبطل بخروجه من «قوقعته» الذاتية والنفسية والمكانية، المنكسرة والسلبية، بتعبير باشلار، المتمثلة بشقته المعتمة ونافذتها الصغيرة المطلة علي العالم الخارجي، إنما يهدم سجن الداخل الذي ظل منكفئاً داخل عتمته لينفتح على الخارج بما فيه من ضوء وحياة وإرادة فاعلة. وبهذه النقلة النوعية في مسار الحدث الروائي يكتسب البطل ملمحاً إيجابياً يزاوج فيه بين موقف البطل الكافكوي الذي لا يخلو من نزعة وجودية وامتثالية، وبين شخصية البطل الإيجابي، وهي نقلة تحسب لصالح الرواية والروائي معاً.
رواية «الذئاب على الأبواب» رواية دائرية بامتياز، ذلك إنها تبدأ حركتها السردية الأولى بمشهد النافذة التي يطل منها بطل الرواية يوسف النجار على العالم الخارجي، وتنتهي أيضا في حركتها السردية الأخيرة بمشهد النافذة ذاته، ولكن في سياق جديد، إذ لم تعد النافذة مجرد «مرقاب» متوجس وسلبي، يتأمل البطل من خلاله الأشياء والعوالم والناس، بل أصبحت فعلاً إيجابياً رافضاً، لحالة السلبية والسكونية والانكسار، وهو ما يجعل الرواية قابلة للانفتاح على تأويلات لا نهائية.
وتمثل النافذة بالنسبة، لأحمد خلف، وربما لعدد كبير من الروائيين والقصاصين مظهراً من مظاهر ثنائية الداخل/ الخارج، حيث تمثل شقة البطل المعتمة وقوقعته، الذات المغلقة علي نفسها (الداخل) المغلق والمعتم عادة، بينما يمثل الشارع والساحة وحياة الناس الموارة بالحركة (الخارج)، المضيء والمفتوح في الغالب:
«أمام نافذة في غرفة تطل على ساحة شارع فرعي مهمل وقف رجل ذو بنية رياضية متماسكة، وللمرة الألف ينظر عبر النافذة تلك، وأمام ناظريه كان جدار مبنى المدرسة الإعدادية المختلطة» (ص٧). ومثلما يبتدئ الروائي استهلاله هذا بالنافذة يختتم روايته الكبيرة هذه بمشهد النافذة أيضاً، في تأكيد على الطبيعة الدائرية للرواية، حيث يتخذ البطل قراره الجريء بمواجهة مطارديه:
« اندفع نحو غرفة النوم حيث وضع المسدس أسفل الوسادة، تناوله ودسه في ثيابه. عاد إلى النافذة ليرى بوضوح، لئلا يكون الأمر برمته خداع بصر. نظر جيداً ورأى أحد الرجلين ينحرف نحو الجدران العالية للمدرسة المواجهة للعمارة التي فيها شقته» (ص٣٢٥). وبين هذين الموقفين، تمر سلسلة من الحوادث والوقائع المعقدة التي يمر بها البطل في حياته، وهو يقلب صور الحياة الاجتماعية والسياسية التي مرت به، وبشكل خاص حياته العسكرية والحروب التي فرض عليه خوضها آنذاك.
وسلطت الرواية الضوء أيضاً على اشتداد الصراع السياسي والطائفي بعد الاحتلال وسقوط الديكتاتورية، مع تركيز خاص على أزمته الشخصية داخل ذلك الأتون الخانق: «إلى أين يمضي رجل مثلي من مطاردة المافيات التي انتشرت بعد احتلال بغداد، بصورة أفزعت الناس؟ ميلشيات ومافيات وعصابات ومجانين وقتلة مدربون من زمن عاد وثمود» (ص٣٠١).
لكن النافذة تظل هي البنية المكانية المركزية المولدة للحدث الروائي، في هذه الرواية، فهي الشاهد والعين الباصرة على كل ما يجري.
ويذكرنا توظيف النافذة في السرد القصصي والروائي بتجارب عالمية وعربية. ففي قصة «إيفيلين» للروائي جيمس جويس من مجموعته القصصية «أهل دبلن» Dubliners نجد البطلة تطل من خلال نافذة غرفتها على الخارج، وهي تخوض صراعاً داخلياً بين أن تهرب مع حبيبها الذي كان ينتظرها في الخارج، عند المرسى القريب، وبين أن تبقى، وفاءً لالتزاماتها الأسرية، في تناوب بين سرد الداخل وسرد الخارج، حيث تحسم قرارها النهائي بالبقاء في البيت رافضة نداء الخارج بكل ما فيه من ألق وانفتاح وحياة واعدة.
وفي القصة العراقية، كان القاص الراحل محمود عبد الوهاب رائداً في توظيف النافذة ضمن ثنائية الداخل والخارج في قصته «الشباك، والساحة» المكتوبة عام 1969، حيث يستهل القاص سرده بوصف شيء تفصيلي لمشهد الشباك الذي يطل على الخارج، وتحديداً على ساحة المدرسة الابتدائية. ونجد نماذج عديدة لمشهد النافذة في قصص محمد خضير ولؤي حمزة عباس، وغيرهما.
تتمثل البنية السردية الأساسية للرواية في هيمنة سرد ضمير المتكلم الأتوبيوغرافي (أنا)، الذي يكشف عن دخائل بطل الرواية وراويها المركزي يوسف النجار، أو يوسف الحزين كما كان يسميه أحد أصدقائه. ولكن هذا السرد المبأر يتعرض للانكسار والخرق من خلال ساردين داخليين وخارجيين في آن واحد، مما يمهد الطريق أمام تعدد الضمائر والرواة في الرواية.
كما يمهد هذا الخرق في البنى السردية لتعميق المنحى الميتاسردي في الرواية، وبشكل خاص في قصدية الكتابة الروائية، والمفاضلة بين الرواة والضمائر، والتناص مع عدد من الأعمال الأدبية العالمية مثل مسرحية «سجناء التونا» للمفكر الفرنسي جان بول سارتر، ورواية «مزيفو النقد» للروائي الفرنسي أندريه جيد، والروائي الإيطالي دينو بوزاتي في روايته «صحراء التتار «، فضلاً عن تناصات رؤيوية عديدة مع روايات فرانز كافكا. من الجانب الآخر نجد تناصات متكررة مع عوالم وشخصيات روايته السابقة «تسارع الخطى» التي تتمحور أيضاً حول فكرة المطاردة، كما أشرنا سابقاً.
ومن هنا تشكلت نواة رواية «الذئاب على الأبواب» في تعالق دلالي وسيميائي مع بنية العنوان بوصفه عتبة نصية دالة، كما يذهب إلى ذلك الناقد جيرار جينيت. فالذئاب هنا كناية رمزية عن المطاردين والقتلة من عصابات المافيا السياسية، الذين فجروا بيته وتسببوا في قتل زوجته وابنته، وما زالوا يلاحقونه ويطاردونه لدونما سبب محدد.
وكما رأينا تمثل النافذة الحد الفاصل بين (داخل) معتم ومغلق ومحدود، و(خارج) مفتوح ومضيء ولا نهائي، كما أنها تحولت إلى بنية إطارية Frame Structure للرواية، لأنها هي التي تتحكم في ضبط علاقة الداخل بالخارج، وفي تحديد مسارات السرد اللاحقة، والتي تنفتح أحيانا على الماضي، لتستحضر عالمين عاشهما البطل: العالم الذي هيمن فيه نظام صدام حسين في الثمانينات والتسعينات، وظروف الحروب الدموية التي وجد البطل نفسه طرفاً فيها لدونما سبب واضح، أما العالم الثاني فهو عالم ما بعد الاحتلال، وسقوط الديكتاتورية، وبشكل خاص من خلال تردي الواقع السياسي، والذي تسبب في تفجير بيت البطل ومقتل زوجته وابنته. والرواية، في تماسها مع الواقع العراقي كانت تحرص كل الحرص على التعبير عن رؤيا وطنية ناقدة ومسؤولة، فهي تدين كل مظاهر العنف والاستبداد في ظل نظام صدام حسين، كما تدين كافة مظاهر العنف والتطرف الطائفي والانفلات الأمني التي سادت المشهد العراقي لسنوات طويلة، وتقف إلى جانب الإنسان وهو يتطلع إلى حياة آمنة ونظيفة، كما أنها تسجل موقفاً جديداً في رؤيا المؤلف، يتمثل في الانتقال من موقف الوصف السلبي لتحديات العنف، كما كان الأمر في رواية «تسارع الخطى»، إلى موقف الفعل والمقاومة لمراكز العنف والتهديد من خلال انتقال البطل إلى المواجهة عندما حمل سلاحه وخرج لمواجهة مطارديه.
رواية أحمد خلف «الذئاب على الأبواب» شهادة شجاعة وفنية عن مرحلة مهمة عاشها الفرد العراقي في ظروف مأساوية وصعبة، وهي تقف في مقدمة روايات التي كتبها الروائيون العراقيون الحداثيون خلال العقدين الأخيرين.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.