«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

تقرير أممي تحدث عن استمرار المقاتلين السوريين وعبور كولومبيين للسودان

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
TT

«المرتزقة»... عقدة أمنية تثقل المشهد الليبي وتصدر الأزمات

مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)
مرتزقة سوريون خلال مظاهرة للمطالبة برواتبهم المتأخرة في طرابلس قبل 4 أعوام (لقطة من تسجيل مصور)

يرسخ ملف المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا حضوره بوصفه من أبرز العقد الأمنية التي تثقل المشهد الداخلي، ليس فقط لكون البلاد وجهة لاستقرار مقاتلين سوريين ومن جنسيات أخرى، بل أيضاً لأنها ممر عبور وقاعدة عمليات تمتد تداعياتها إلى بؤر نزاع إقليمية، لا سيما في السودان.

ولطالما أشارت تقارير دولية متكررة، أبرزها وأحدثها مسودة تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة حول ترسخ هذا الدور، وهو ما يعكس تشابك الساحة الليبية مع محيطها الإقليمي. كما يعد الخبراء ليبيا محوراً نشطاً في حركة المقاتلين الأجانب، ليصبح هذا الواقع جزءاً من منظومة صراع أوسع تتقاطع فيها خطوط الإمداد والتحالفات العسكرية العابرة للحدود.

ويتزامن ذلك مع عجز مستمر عن تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، الموقع في جنيف عام 2020، الذي نصّ على إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة بحلول يناير (كانون الثاني)2021، ما يظهر استمرار الوجود الأجنبي، وتعمقه في موازين القوى الداخلية، رغم مرور أكثر من خمس سنوات على الاتفاق.

* أكثر من 7 آلاف مقاتل سوري

تعزز فئة المقاتلين السوريين وجودها بوصفها عنصراً مؤثراً داخل المشهد الأمني، حيث تنتشر في غرب ليبيا، خصوصاً في العاصمة طرابلس، وفي مواقع عسكرية وأمنية بارزة، بينها معسكر التكبالي ومعسكر صلاح الدين، ومنطقة أبو سليم وقاعدة اليرموك، إضافة إلى مدينة مصراتة، حسب مسودة التقرير الأممي.

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر خلال لقاء مع السفير التركي غوفين بيجيتش في بنغازي الاثنين (إعلام الجيش الوطني)

ولم يحدد الخبراء الأمميون أعداد هؤلاء المرتزقة بدقة، غير أن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» يقدر عددهم في طرابلس سابقاً بأكثر من 7 آلاف، فرّ نحو 3 آلاف منهم، وتحولوا إلى لاجئين في شمال أفريقيا وأوروبا.

ولا يقتصر دور هؤلاء على التمركز في ليبيا حسب مسودة التقرير، بل شاركوا فعلياً في مواجهات مسلحة، من بينها الاشتباكات التي وقعت في مايو (أيار) 2025 إثر مقتل قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» عبد الغني الكيكلي، كما جرى الدفع بهم مجدداً مع تصاعد التوترات، في إطار اعتماد الفصائل المسلحة على عناصر أجنبية، بوصفها «مضاعفات قوة» جاهزة للتدخل السريع.

وتعود جذور هذا الحضور الأجنبي إلى ذروة الصراع على طرابلس عام 2019، حين دفعت تركيا بمقاتلين سوريين من فصائل معارضة، أبرزها فصيل «السلطان مراد»، بموجب تفاهمات مع حكومة «الوفاق» السابقة، برئاسة فائز السراج، لدعم صد هجوم قوات الجيش الوطني على العاصمة.

ومنذ توقف العمليات العسكرية، لم يطرأ تغيير جوهري على تموضع هذه القوات، لتصبح مع مرور الوقت من الثوابت في المشهد الأمني الليبي.

ولا يتوقف الاعتماد على المقاتلين السوريين على غرب البلاد، بل يمتد أيضاً إلى شرق وجنوب ليبيا الخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، حيث ترصد المعطيات الأممية وجودهم في مواقع استراتيجية، من بينها قاعدة معطن السارة الجوية، التي شهدت تعزيزات لدعم عناصر سبق ارتباطها بشبكات «فاغنر».

رئيس الأركان التركي خلال زيارة سابقة لمركز قيادة العمليات في طرابلس (وزارة الدفاع التركية)

ويرى الباحث المتخصص في الشأن الليبي، جلال حرشاوي، أن ملف المرتزقة لا يزال عقدة عالقة ومرشحة للاستمرار، مشيراً إلى أن ليبيا تضم مئات المرتزقة من جنسيات متعددة، من بينها روسيا وتشاد وسوريا، وأن وجودهم ليس طارئاً بل يمتد لسنوات، حيث استقر بعضهم منذ أكثر من خمس سنوات.

ويقول حرشاوي لـ«الشرق الأوسط»: «اللافت ليس ازدياد أعدادهم، بل ثباتها النسبي، ويستبعد مغادرتهم في المدى القريب»، مؤكداً أن خروج المرتزقة لن يحدث ما لم ينتهِ الانقسام الليبي.

* ليبيا نقطة لنقل المقاتلين إلى جبهات بالخارج

رغم هذا التمركز، فإن الأبعاد الإقليمية تفرض نفسها على الملف، إذ توثق المسودة الأممية استخدام الأراضي الليبية نقطة انطلاق لنقل مقاتلين إلى ساحات قتال خارجية.

وتشير المعطيات الأممية إلى أن مقاتلين من كولومبيا عبروا ليبيا في طريقهم إلى «قوات الدعم السريع» في السودان، مستفيدين من تسهيلات لوجيستية في مناطق تحت نفوذ الجيش الوطني، فيما اختصت مدينة الكفرة بمحور رئيسي ضمن هذا المسار، حسب تقديرات خبراء الأمم المتحدة.

في هذا السياق يقول حرشاوي: «يعبر الكولومبيون ليبيا إلى السودان لكنهم لا يقيمون فيها، غير أن هذا المرور يطرح معضلة أمنية إقليمية أوسع، إذ يحوّل الأراضي الليبية إلى معبر مفتوح لشبكات نقل المقاتلين الأجانب، مما يغذي تداخل مسارات النزاعات، وتدويرها عبر الإقليم».

ويشير التقرير الأممي إلى أن القوات المسلحة السودانية نفذت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 غارات جوية داخل الأراضي الليبية، استهدفت شحنات لمركبات ومقاتلين أجانب، في محاولة لقطع خطوط الإمداد الداعمة لخصومها.

ورغم تكرار الاتهامات للجيش الوطني الليبي، خلال العامين الماضيين، بتقديم دعم لأطراف في النزاع السوداني، فقد دأبت السلطات في شرق ليبيا على نفي أي ضلوع لها في الحرب الأهلية التي اندلعت في 15 أبريل (نيسان) 2023 بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، و«قوات الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو.

وسبق أن أكد رئيس أركان «الجيش الوطني» الليبي، الفريق أول خالد حفتر، أن «الصراع في السودان شأن داخلي»، وأن مهمتهم تقتصر على تأمين الحدود، دون التدخل في شؤون الدول المجاورة.

في المقابل، أبعد ملف المرتزقة الأجانب في ليبيا فيما يبدو عن أجندة تحركات المجتمع الدولي ودوله المتدخلة في الشأن الليبي، وتحول أحياناً إلى صيغة بروتوكولية دون صدى على الأرض، حسب محللين.

ولا يجد المحلل السياسي حسام الدين العبدلي تفسيراً لتراجع الاهتمام بهذا الملف، سوى بوصفه «انعكاساً لغياب إرادة دولية حقيقية للحل». ويشير إلى أن استمرار وجود المرتزقة ومرورهم عبر ليبيا لا يمكن نسبته فقط إلى قادة البلاد والمتحكمين في المشهد المحلي، مرجحاً وجود «أطراف إقليمية ودولية ضالعة في هذا الملف، ما يعقد الجهود الرامية إلى إخراج هؤلاء المقاتلين».

المبعوثة الأممية هانا تيتيه (غيتي)

وسبق أن وصفت المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذا الملف في أغسطس (آب) الماضي بأنه «من أهم الجوانب، وأكثرها تحدياً في استعادة الاستقرار والأمن في البلاد»، مؤكدة أن بعثة الأمم المتحدة «تعمل باستمرار على معالجة هذه الظاهرة، رغم تعقيدها».


مقالات ذات صلة

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

شمال افريقيا جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس إن أزمة اللاعبين الخمسة المسجونين في إيطاليا تنتظر موافقة روما على طلبات نقلهم إلى ليبيا، لاستكمال مدة محكوميتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع صدام حفتر وخوري في القيادة العامة للجيش (القيادة العامة)

ترحيب أممي بـ«خطوة مشتركة» نحو توحيد الجيش الليبي

رحبت البعثة الأممية لدى ليبيا بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة «3+3».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قال المصرف المركزي الليبي إن عيسى استعرض مع مسؤولين أميركيين في واشنطن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي خلال ترؤسه اجتماعاً عسكرياً موسعاً في طرابلس (مكتب المنفي)

انقسام مسلحي غرب ليبيا حيال «مبادرة بولس» لتوحيد الجيش والحكومة

بدت التشكيلات المسلحة الموالية لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية والمعارضة له في حالة ما بين «الاستنفار والغضب» منذ مناورة «فلينتلوك 2026».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا تفرض عقوبات تستهدف مقاتلين كولومبيين في السودان

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

فرضت الولايات المتحدة، اليوم (الجمعة)، عقوبات على خمس شركات وأفراد قالت إنهم متورطون في تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين ​للقتال لصالح «قوات الدعم السريع» في السودان.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان نقلته وكالة «رويترز»: «لقد غذّت هذه الشبكة الصراع الذي أفضى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية وحالات المجاعة في العالم».

وأضافت الوزارة أن الولايات المتحدة حثّت الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» على قبول هدنة إنسانية ‌لمدة ثلاثة أشهر ‌من دون شروط.

وتسببت الحرب ​الضارية ‌المستمرة ⁠منذ ​ثلاث سنوات ⁠بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فيما تقول جماعات إغاثة إنها أصبحت الآن أسوأ أزمة إنسانية في العالم.

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد.

ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار جارسيا بات، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وتعني ‌العقوبات أن جميع الممتلكات والمصالح العائدة للأشخاص والشركات المشمولين بالعقوبات داخل الولايات ⁠المتحدة ⁠أصبحت خاضعة للتجميد.

وقال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، يوم الأربعاء، إن مؤتمراً دولياً لحشد تمويل للسودان أسفر عن تعهدات بتقديم أكثر من 1.5 مليار يورو، أي 1.77 مليار دولار، من المساعدات الإنسانية.

ومع تزايد الضغوط على الإنفاق في مجال التنمية من قبل الجهات المانحة التقليدية، فقد عُقد المؤتمر، الذي أعقب اجتماعات سابقة في لندن وباريس، بهدف تسليط الضوء على السودان، وذلك ​بعد تحول الاهتمام العالمي ​في الآونة الأخيرة نحو الصراع في أوكرانيا والحرب على إيران.


مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
TT

مسؤولة أممية: حرب السودان متروكة وليست منسية

منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)
منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان دينيز براون (أ.ف.ب)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات الحرب في السودان مع دخولها عامها الرابع، تتصاعد التحذيرات الأممية من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وسط اتهامات بضعف الاهتمام الدولي، واستمرار العوامل التي تؤجج الصراع وتطيل أمده.

وفي هذا السياق، حذّرت منسقة الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في السودان، دينيز براون، من أن البلاد تواجه حالة من «التخلي الدولي»، فيما أكد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، المدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، هاوليانغ شو، أن السودان يشهد واحدة من أخطر حالات الطوارئ الصحية العامة في العالم.

وأوضحت براون، في تصريحات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، من العاصمة الخرطوم، أن وصف الأزمة السودانية بأنها «منسية» لم يعد دقيقاً، مضيفة أن «الأدق هو أنها أزمة متروكة»، مشيرة إلى أن حجم الانتهاكات التي وثقتها الأمم المتحدة، بما في ذلك العنف الجنسي الممنهج والمجازر الجماعية، يفرض تحركاً دولياً عاجلاً. كما لفتت إلى وجود تدفق مستمر للأسلحة من خارج البلاد، في انتهاك لحظر التسليح المفروض على إقليم دارفور، الأمر الذي يسهم في إطالة أمد النزاع.

براون ومن مكتبها في الخرطوم، الذي يُعد من المباني القليلة التي لا تزال تعمل في وسط العاصمة الذي يشبه مدينة ما بعد الدمار تساءلت عن أسباب غياب تحرك دولي فاعل، مقارنة بأزمات أخرى شهدت تفاعلاً شعبياً ورسمياً واسعاً، قائلة إن «العالم لم يتحرك بعد بالقدر المطلوب لوقف ما يجري».

وأشارت إلى أن إقليم دارفور لا يزال يشهد بعضاً من أسوأ أعمال العنف، بما في ذلك هجمات على مخيمات النازحين وعمليات قتل جماعي ذات طابع عرقي، في حين انتقلت حدة القتال خلال الفترة الأخيرة إلى إقليم كردفان، حيث تتسبب الضربات المتكررة في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، مع تفاقم خطر المجاعة، وورود تقارير عن ارتفاع معدلات وفيات الأطفال، لا سيما في مدينة الأبيض التي تستقبل أعداداً متزايدة من الفارين من مناطق النزاع.

أكبر أزمة جوع ونزوح

من جانبه، قال هاوليانغ شو، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن نحو 34 مليون شخص في السودان باتوا في حاجة ماسة إلى المساعدة، أي ما يقارب ثلثي السكان، في حين يعاني نحو 19 مليوناً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وتجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، واصفاً الوضع بأنه «أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأكبر أزمة جوع ونزوح».

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير المساعد لـ«برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» هاوليانغ شو (الشرق الأوسط)

وأضاف المسؤول الأممي أن الحرب أعادت الاقتصاد السوداني إلى الوراء أكثر من 30 عاماً، مع تجاوز معدلات الفقر المدقع مستوياتها المسجلة في ثمانينات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه الأزمة لا يمكن معالجتها بالمساعدات الإنسانية وحدها، بل تتطلب استثمارات مستدامة في القطاعات الحيوية، مثل الرعاية الصحية والزراعة والطاقة والحوكمة.

وفي هذا الإطار، أوضح أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعمل على دعم المزارعين من خلال توفير البذور والأدوات والتدريب، وإعادة تأهيل أنظمة الري وتزويدها بالطاقة الشمسية، إلى جانب دعم المشاريع الصغيرة عبر التدريب والأدوات الرقمية وتسهيل الوصول إلى الأسواق، مع التركيز على تمكين النساء والشباب.

وأشار إلى أن هذه الجهود أسهمت خلال عام 2025 في الوصول إلى نحو 1.75 مليون مستفيد من المزارعين والعاملين وأصحاب المشاريع الصغيرة، من بينهم 25 ألف امرأة تمكنّ من الانتقال إلى مصادر دخل مستدامة، بما يعزز قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل الاعتماد على المساعدات.

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت شو إلى أن القيود الأمنية تعيق الوصول إلى مناطق النزاع، في ظل مقتل 130 عاملاً إنسانياً منذ اندلاع الحرب، معظمهم من السودانيين، فضلاً عن أن النزوح الواسع يفرض إعادة تقييم مستمرة للبرامج الإنسانية والتنموية. كما أشار إلى صعوبة حشد التمويل اللازم، رغم إطلاق الأمم المتحدة نداءً إنسانياً لعام 2026 بقيمة 2.9 مليار دولار لمساعدة 20 مليون شخص، لم يُموَّل منه سوى 16 في المائة، ما أدى إلى تفاقم معاناة السكان في مجالات الغذاء والرعاية الصحية والتعليم.

هاوليانغ شو في أثناء مشاركته في افتتاح مقر الأمم المتحدة في العاصمة الخرطوم (الشرق الأوسط)

ورغم ذلك، أكد أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حافظ على وجوده داخل السودان من خلال 10 مكاتب وأكثر من 100 موظف، مستفيداً من شراكات محلية ممتدة لعقود، ما مكّنه من الوصول إلى نحو 5 ملايين شخص، بينهم 1.2 مليون تلقوا خدمات صحية منقذة للحياة، و3.6 مليون استفادوا من الطاقة الشمسية، ونحو 820 ألفاً حصلوا على مصادر مياه آمنة.

وفي ظل غياب مسار سياسي واضح، تواصل الأمم المتحدة دعم المبادرات المحلية للوساطة في النزاعات، بهدف خفض التوترات والحفاظ على قنوات الحوار داخل المجتمعات المتضررة، إلى جانب تقييم احتياجات العدالة والمساءلة، في محاولة لتهيئة الظروف أمام أي تسوية مستقبلية تنهي النزاع.


«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
TT

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)
جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

تترقب السلطات في العاصمة الليبية طرابلس تفعيل إيطاليا اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين، على الرغم من دخولها حيز التنفيذ بعد اعتمادها من البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر (كانون الأول) 2024.

وكانت محكمة إيطالية قد قضت في 6 ديسمبر 2015 بالسجن 30 عاماً على 5 لاعبين ليبيين، هم علاء فرج الزغيد من نادي أهلي بنغازي، وعبد الرحمن عبد المنصف، وطارق جمعة العمامي من نادي التحدي الليبي، واللاعب محمد الصيد من طرابلس، ومهند نوري خشيبة من طرابلس أيضاً، بتهم «الاتجار في البشر والهجرة غير المشروعة».

السجين الليبي الموقوف في إيطاليا مهند خشيبة (صورة متداولة على حسابات نشطاء)

وسعى رئيس مجلس النواب، المستشار عقيلة صالح، خلال زيارته إلى روما نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، إلى فتح ملف السجناء الخمسة خلال مناقشاته مع وزير العدل الإيطالي، كارلو نوردو، لكن قضيتهم لم يطرأ عليها جديد.

وسعياً منها لاطلاع الرأي العام الليبي على تطورات هذا الملف، قالت وزارة العدل بحكومة «الوحدة» المؤقتة، مساء الخميس، إنها سبق أن أرسلت وفداً إلى إيطاليا للبدء في إجراءات نقل السجناء بالتنسيق مع سفارة وقنصلية ليبيا في روما، بعد استيفاء المسوغات المطلوبة كافة وفقاً لبنود الاتفاقية. وقالت إن «الأمر حالياً متوقف على الجانب الإيطالي، حيث لا تزال طلبات الموافقة على نقل السجناء الليبيين منظورة أمام القضاء الإيطالي للموافقة على طلبات النقل إلى ليبيا».

كما أوضحت الوزارة أنها «تعمل على متابعة دقيقة ومتواصلة لأوضاع السجناء الليبيين في إيطاليا»، لافتة إلى توقيع اتفاقية تبادل السجناء بين البلدين في 29 سبتمبر (أيلول) 2023، دخلت حيز النفاذ بعد أن اعتمدها البرلمان الإيطالي في 30 ديسمبر 2024.

ولا تزال قضية اللاعبين الخمسة تراوح مكانها منذ الحكم عليهم، وسط تباين أسباب توقيفهم؛ فالسلطات الإيطالية وجهت إليهم اتهاماً بـ«الاتجار في البشر»، لكن أسرهم تؤكد أنهم «كانوا يستهدفون الهجرة للاحتراف بأحد الأندية الأوروبية».

وعادت قضية اللاعبين الخمسة إلى دائرة الاهتمام بعد رواج مقطع فيديو يُظهر إقدام خشيبة على تكميم فمه بالخيوط، والدخول في إضراب عن الطعام تنديداً بسجنه وشعوره باليأس، وسط مطالبات بتحرك السلطات الليبية. وعقب ذلك، جاء تأكيد وزارة العدل بأنها «تعمل على متابعة أوضاع السجناء الليبيين في الخارج، وضمان عودتهم إلى بلدهم وقضاء محكومياتهم في مؤسسات الإصلاح والتأهيل داخل ليبيا، وفقاً لما تقضي به اتفاقيات التعاون القضائي الثنائية».

وانتهت الوزارة مؤكدة أنها «لن تدخر جهداً في سبيل متابعة أوضاع المواطنين الليبيين في الخارج، وتوفير الحماية القانونية الكافية بما يضمن احترام حقوقهم».

النائب العام الليبي والمدعي العام لدى المحكمة العليا الإيطالية (أرشيفية من مكتب الصور)

وكانت أسر اللاعبين الخمسة قد أوضحت أنهم «فشلوا في الحصول على تأشيرة سفر، فاضطروا إلى الهجرة غير المشروعة»، عن طريق ركوب أحد القوارب مع بعض المهاجرين في مدينة زوارة (120 كيلومتراً غرب العاصمة) إلى إيطاليا، مشيرين إلى أنهم سقطوا في يد السلطات الأمنية بمجرد دخولهم البلاد، وبعد أن خضعوا للمحاكمة حُكِم عليهم بالسجن 30 عاماً، بتهمة «الهجرة غير النظامية والمتاجرة في بيع البشر».

وسبق أن أطلقت وزارة الخارجية بالحكومة المكلفة من مجلس النواب حملة دولية تضامناً مع الليبيين المسجونين في إيطاليا.